تسوية مالية تعيد محمد حمشو الواجهة الاقتصادية للأسد إلى المشهد
فجرت التسوية الاقتصادية التي أبرمها رجل الأعمال محمد حمشو مع الحكومة السورية الجديدة جدلاً واسعاً في الشارع السوري، نظراً لارتباط اسم حمشو بالنظام البائد كأحد أبرز الوجوه الاقتصادية، وكذلك بالنظر إلى دوره السلبي طيلة السنوات الماضية ودعمه للنظام البائد.
9 يناير 2026
باريس- أعلن رجل الأعمال السوري محمد صابر حمشو، في السادس من كانون الثاني/ يناير الحالي، عن إتمام تسوية مالية مع الحكومة السورية الجديدة، ما يعني “فتح صفحة جديدة، دون الدخول في أي سجالات أو نقاشات تتعلق بالمراحل السابقة”، على حد قوله.
وفي منشور على صفحته الشخصية في “فيسبوك”، قال حمشو: “نؤمن أن سوريا اليوم تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الأمل، وبناء المستقبل، من خلال التعاون الإيجابي مع مؤسسات الدولة والجهات المعنية، والقطاع الخاص وبما يخدم مصلحة الوطن والناس”، مثنياً على “السياسة الحكيمة” للرئيس أحمد الشرع، التي “اعتمدها في طي صفحة الماضي وفتح آفاق جديدة قائمة على الاستقرار والعمل المشترك ولم الشمل”.
وتأتي هذه التسوية في إطار برنامج الإفصاح الطوعي، الذي أطلقته اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا، نهاية الشهر الماضي، ويمتد لمدة ستة أشهر. ويتيح البرنامج “تسوية الأوضاع المالية المرتبطة بشبهات الكسب غير المشروع بما يسهم في تسريع استعادة الأموال”، بحسب رئيس اللجنة باسل السويدان.
من جهتها، أعلنت اللجنة، يوم الثلاثاء، إنجاز التسوية مع حمشو، موضحة في بيان لها أن التسوية جاءت بعد تحقيقات موسعة وفحص شامل للأصول والإقرارات المالية التي قدمها حمشو، في إطار برنامج الإفصاح الطوعي الذي يهدف إلى “تحقيق العدالة الاقتصادية وضمان شافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يشتبه في اكتسابهم للحسابات والمصالح من قربهم من النظام السابق”.
وتقدر قيمة الأموال التي استردّتها اللجنة من حمشو – أصول وسيولة نقدية – ما قيمته حوالي 800 مليون دولار أميركي، بحسب موقع عنب بلدي، الذي نقل عن مصادر مقربة من اللجنة لم يسمها.
لكن التسوية، التي قُدمت رسمياً بوصفها خطوة قانونية واقتصادية، فجرت جدلاً واسعاً في الشارع السوري، نظراً لارتباط اسم حمشو بالنظام البائد كأحد أبرز الوجوه الاقتصادية، وكذلك بالنظر إلى دوره السلبي طيلة السنوات الماضية ودعمه للنظام البائد.
بعد الجدل، قالت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أنه “لا وجود لأي عفو ضمن مسار العدالة الانتقالية عن مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أو عن كل من شارك أو نفذ أو مول أو حرض على ارتكابها”، مؤكدة أن “هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن تبريرها أو التغافل عنها تحت أي ظرف أو مسمى”.
وأضافت: “أي إجراءات أو تسويات ذات طابع إداري أو اقتصادي يتم تداولها حالياً ليست مرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، ولا تشكل بأي حال من الأحوال بديلاً عن المساءلة القضائية”.
وتفتح عودة محمد حمشو إلى الواجهة عبر بوابة “الإفصاح الطوعي” باب التساؤل حول مسيرته، صعوده، دوره الاقتصادي والسياسي، وحدود المحاسبة في مرحلة يفترض أنها تسير نحو “العدالة الانتقالية”.
من هو حمشو؟
ولد محمد صابر حمشو، في 20 أيار/ مايو 1966 لأب دمشقي وسيدة تنحدر من ريف مدينة القرداحة، ودرس الهندسة الكهربائية في جامعة دمشق في ثمانينات القرن الماضي، ومن ثم حصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من المعهد العالي لإدارة الأعمال “هبا” عام 2005.
عمل والده موظفاً عادياً في وزارة التربية والتعليم السورية، كما أن والدته كانت تعمل أيضاً، ومع ذلك فإن دخل العائلة ضلّ محدوداً.
في عام 1989، أسس “مجموعة حمشو الدولة”، التي تضم اليوم أكثر من 20 شركة تعمل في المقاولات والتعهدات الحكومية والسكنية وغيرها، علماً أنه بدأ عمله مع صديقه مضر حويجة، ابن اللواء ابراهيم حويجة، في فترة رئاسة الأخير لإدارة المخابرات الجوية.
شهد عام 1996، صعوداً سريعاً في مسيرة حمشو، إذ تحول إلى رجل أعمال “معروف”، وتربطه صلات وثيقة بضباط نظام بشار الأسد وعائلاتهم.
لاحقاً، تعرف حمشو على ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع بشار الأسد، وعمل معه كواحد من الواجهات الاقتصادية التي استخدمتها عائلة الأسد، بعد أن حظي بمكانة كبيرة لديهم، حتى أنه أصبح الذراع الاقتصادية الثانية للعائلة بعد رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد.
شغل حمشو في زمن النظام البائد العديد من المناصب، منها: أمين سر غرفة تجارة دمشق، وأمين سر غرف التجارة السورية، ورئيساً لمجلس الأعمال السوري- الصيني، وعمل عضواً في مجلس الشعب السوري ممثلاً عن مدينة دمشق.
وعلى صعيد القطاع الخاص: حمشو، هو رئيس مجلس إدارة مجموعة حمشو الدولية، التي يتبع لها أكثر من 20 شركة فرعية، وهو أيضاً رئيس ومؤسس مجلس المعادن والصهر، الذي أسس في عام 2015، والمدير العام لشركات: الشهباء للاستثمار والسياحة، الشهباء للاتصالات، دوا، حمشو للاستثمارات، تطوير، شام للعناية الطبية، داودكس، سيف الشام للآليات، شام للطباعة، وسوريا الدولية للإنتاج الفني وغيرها.
وأيضاً، حمشو شريك مؤسس في شركة جوبيتر للاستثمارات، التي أنشأت – رغم العقوبات الأميركية والأوروبية عليه – المساحات المكتبية والمرافق لمكاتب قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي تنتشر في منطقة مرتفعات الجولان السوري، بعد أن حازت الشركة على عقدين تجاوزت قيمتهما 1.5 مليون دولار، بحسب تقرير الأمم المتحدة لعام 2016.
وبحسب وزارة الخزانة الأميركية، فإن حمشو لديه اهتمامات في كل قطاعات الاقتصاد السوري تقريباً، وعمل كواجهة وشريك مقرب من ماهر الأسد، إذ يهتم حمشو بتصنيع المواد المعدنية، وتوزيع معدات البناء والآلات الكهربائية والمواد الكيماوية، وعقود توزيع الماء والنفط والغاز والمواد البتروكيماوية ومشاريع العقارات والبنية التحتية.
كذلك يعمل حمشو في تجارة مواد الاتصالات والحواسيب ومعداتها، وتقديم خدمات الانترنت، ويملك ويدير الفنادق والمنتجعات، وأنشطة تأجير السيارات، توزيع السجاد، ومزارع الحيوانات، وتجارة الأحصنة، وخدمات الطباعة وغيرها.
ويتهم حمشو بأنه كان مسؤولاً عن غسيل أموال نظام الرئيس العراقي الراحل صدام الحسين، إضافة إلى أنه لعب دوراً في توقيع اتفاقيات نفطية بين العراق وسوريا قبل الغزو الأميركي للعراق، بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية.
ولعلّ أهم أسباب استياء الشارع السوري من حمشو، أن الأخير كان شريكاً في نهب أنقاض منازل السوريين، عبر صفقة أبرمها مع ماهر الأسد، قائد الفرقة الرابعة في فترة حكم النظام السابق، تنص على ترحيل شركة حمشو للخردة المعدنية التي نهبتها فرقة ماهر، على أن يكون “العمل مجاني، المواد مجانية، يحصل على كل شيء دون دفع فلس واحد، وماهر وحمشو يستعينان بالجنود والميليشيات للسيطرة على تجارة الخردة المعدنية”، بحسب صحيفة فايننشال تايمز.
استولى حمشو على الحديد والمعادن، التي نهبتها ميليشيات النظام البائد وقواته العسكرية من منازل السوريين في مخيم اليرموك وريفي إدلب وحماة. وقدّر برنامج “مسارات الشرق الأوسط” قيمة أرباح حمشو من تجارة حديد التعفيش بعشرة ملايين دولار شهرياً، خلال مطلع العام 2019.
اقرأ المزيد: بذريعة “إزالة الأنقاض”: هدم مباني الحجر الأسود بدمشق والاتجار بركامها (صور جوية)
وبعد سقوط نظام الأسد، تنازل حمشو عن مصنع معالجة الحديد والصلب، الذي يملكه، لصالح الحكومة الجديدة، بسبب الاتهامات التي وجهت له باستخدام المصنع لمعالجة الحديد والمعادن من الأحياء التي تعرضت للقصف على يد النظام البائد، كما ذكرت رويترز.
وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، ظهر ابنا رجل الأعمال حمشو، أحمد وعمرو، في فعالية صندوق التنمية السوري، وتبرعا بمبلغ مليون دولار لصالح الصندوق، وهو ما اعتبر بداية تأهيل حمشو في سوريا الجديدة.
على لوائح العقوبات الغربية
في عام 2009، بدأت الولايات المتحدة بدراسة فرض عقوبات على رجل الأعمال حمشو، وفق تسريبات “ويكيليكس”، بذريعة التورط بالفساد وتسهيله من قبل كبار المسؤولين في نظام الأسد. إذ صعد نجم حمشو بشكل سريع وملفت في قطاعات اقتصادية عدة ونمت شركاته بسرعة بعد ارتباطه بماهر الأسد.
ومع اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، فرض الاتحاد الأوروبي في 24 أيار/ مايو 2011 عقوبات على حمشو إلى جانب العديد من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السورية. ولاحقاً في 4 آب/ أغسطس من العام ذاته فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حمشو.
وقال وزير الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية، ديفيد كوهين، خلال الإعلان عن فرض العقوبات على حمشو آنذاك، إن حمشو “كسب ثروته من خلال صلاته بالمتنفذين داخل النظام، وخلال الأزمة الحالية، انحاز إلى جانب بشار وماهر الأسد وغيرهم من المسؤولين عن عنف النظام وتهديدهم للشعب السوري”، مضيفاً “العقوبات التي نفرضها على حمشو وشركته هي النتيجة المباشرة لأعماله”.
وفي عام 2020، خضع حمشو إلى جانب أفرد من عائلته، وأبرزهم: زوجته رانيا الدباس، وأولاده أحمد وعلي وعمرو وسمية إلى عقوبات “قيصر”. وقالت وزارة الخارجية الأميركية آنذاك، أن “الأفراد والشركات الذين تفرض عليهم الحكومة الأمريكية العقوبات اليوم، لعبوا دوراً أساسياً في عرقلة التوصل إلى حل سياسي سلمي للصراع، كما قام الآخرون بالمساعدة في ارتكاب فظائع نظام الأسد ضد الشعب السوري أو تمويلها، كما قاموا بإثراء أنفسهم وعائلاتهم”.
لاحقاً، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، استبعدته غرفة التجارة العربية الألمانية من عضوية مجلس إدارتها بسبب علاقته بالنظام السوري.
واليوم، يُعاد تعويم حمشو، وسط مخاوف آلاف السوريين، من أن تنسف مثل هذه السياسات جهود العدالة الانتقالية، التي ينتظرها آلاف السوريين من ذوي الضحايا والمفقودين والمغيبين قسراً، ممن ذاقوا الويلات طيلة 14 عاماً على يد نظام الأسد وأذرعه العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأيضاً على يد أطراف أخرى.






