تعيينات الشرع الجديدة: دولة كفاءات أم دائرة ثقة؟
مع تعيين محافظين من خلفيات أمنية ووزراء مقربين من "تجربة إدلب"، تبرز أسئلة حول شكل السلطة في سوريا، وما إذا كانت هذه التعيينات تمثل استجابة للمزاج الشعبي أو تعكس أولوية الثقة والضبط الأمني على حساب المشاركة والكفاءة.
13 مايو 2026
باريس- بعد عام على تشكيل الحكومة السورية الحالية، أعاد الرئيس أحمد الشرع رسم جزء من هرم السلطة عبر تغييرات طالت وزراء ومحافظين، لكنها فتحت سؤالاً أكبر: هل تدار سوريا الجديدة بمنطق الكفاءة أم بمنطق الولاء؟
ويأتي هذا التساؤل كون جميع المحافظين الجدد من خلفية عسكرية وأمنية، كما أنهم – بالإضافة للوزيرين الجديدين – من الشخصيات المحسوبة على حكومة الإنقاذ في إدلب، التابعة لهيئة تحرير الشام آنذاك، أو الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الشرع.
وشملت التعيينات، تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى، أميناً عاماً لرئاسة الجمهورية، بعد أن كان يشغل منصب محافظ حمص، خلفاً لماهر الشرع، شقيق الرئيس الشرع، وتعيين خالد فواز زعرور، وزيراً للإعلام خلفاً لحمزة المصطفى، وباسل حافظ السويدان وزيراً للزراعة خلفاً لأمجد بدر.
وفي المحافظات، عُين مرهف خالد النعسان محافظاً لحمص، بعد أن شغل منصب قيادة الأمن في المحافظة خلال العامين الماضيين، وأحمد علي مصطفى محافظاً للاذقية، والذي شغل مناصب مختلفة في قطاع الموانئ والمنافذ البحرية، وزياد فواز العايش محافظاً لدير الزور، بعد أن شغل مناصب مختلفة في وزارة الداخلية ومبعوثاً رئاسياً لمتابعة الاتفاق مع “قسد”، إضافة إلى تعيين غسان الياس السيد أحمد محافظاً للقنيطرة.
أحيت هذه التغييرات النقاشات القديمة عن مركزية القرار، وحدود الحريات العامة، وفرص المساءلة والمشاركة المحلية، وطبيعة المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، في وقت تتصاعد الأصوات الشعبية المتململة من تدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية، وتأخر الوعود المرتبطة بالتعافي وتحسين مستوى المعيشة.
تحت ضغط الشارع
لا تبدو التعيينات الأخيرة منفصلة عن استياء المزاج الشعبي في الأشهر الأخيرة، بسبب استمرار الأزمات المعيشية والخدمية، وتأخر الوعود المرتبطة بتحسن الاقتصاد وبدء مرحلة التعافي، إذ كان السوريون يتوقعون تحسناً ملموساً على صعيد الأمور المعيشية بعد سقوط نظام الأسد، لكن بعد نحو عام ونصف على سقوطه ما تزال أسعار المواد الأساسية تشهد ارتفاعاً مع تراجع القدرة الشرائية للمواطن.
“المزاج الشعبي العام لديه استياء أو حالة من التذمر نتيجة استمرار تردي الواقع الاقتصادي وصعوبة سبل العيش، وكثرة الوعود الإقليمية والدولية دون أن يكون هناك أي شيء ملموس من تقديم الدعم، من استمرار برامج التعافي المبكر أو إقبال الاستثمارات على سوريا”، قال وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات.
“كثرة الأمل والاعتماد على التصريحات والوعود، ثم عدم ترجمتها على أرض الواقع لأسباب مختلفة خلق نوعاً من الخذلان” لدى الشعب، أضاف علوان في حديثه لـ”سوريا على طول”، لافتاً إلى أن “الإعلام عمل على تضخيم أثر رفع العقوبات، وقد صُدم الشعب بأن [التأثير الإيجابي] أخذ حيزاً طويلاً، وهذا كان معروفاً لدى المختصين لكن لم يكن كذلك عند عامة الناس”.
وذهب السياسي والإعلامي السوري الأميركي، أيمن عبد النور، مع هذا الرأي، قائلاً: “إن المزاج الشعبي العام تغير بسبب عدم الوفاء بالكثير من الوعود المبالغ بها، والتي تتحمل مسؤوليتها الحكومة والفريق الاقتصادي ووزارة الإعلام، التي ضخمت الكثير من الاتفاقيات الموقعة مع دول مختلفة بأنها سوف تؤدي لجلب مليارات الدولارات إلى سوريا”، إضافة إلى تضخيم أثر “عودة آبار النفط بعد استعادة شمال شرق سوريا”.
“كل هذا التضخيم المبالغ فيه أدى لآثار سلبية، وهذا خطأ كبير يجب إصلاحه، إذ يجب عليك الوفاء بما وعدت الناس به”، أضاف عبد النور لـ”سوريا على طول”.
وتعكس نتائج استطلاع رأي نشرها المركز السوري لدراسات الرأي العام (مدى)، في الفترة بين 7 و 10 أيار/ مايو الحالي، جانباً من المزاج الشعبي المعلق بين الأمل والقلق. بحسب أحمد طه، مدير البرامج في المركز، إن قرابة 47 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع توقعوا أن تكون التغييرات الحكومية الأخيرة “جذرية” وترسم سياسات مختلفة، وهذا مؤشر على أن شريحة من السوريين ما تزال تراهن على إمكانية أن تقود التعيينات الجديدة إلى تحسين الأداء الحكومي.
مقابل هذا الأمل، هناك شكوك أوسع إزاء معايير الاختيار، إذ يرى الكثير من السوريين أن الكثير من الملفات مازلت عالقة ولم تشهد تغييرات ملحوظة كملف الخدمات والعدالة الانتقالية، وهنا يثير التساؤل “هل تتم التعيينات وفق معيار الأكفأ أم لشيء آخر؟”، بحسب طه.
بدوره، يرى الخبير العسكري والأمني، عصمت العبسي، القريب من حكومة دمشق، أن سرعة التعديلات الإدارية التي جرت واتساع نطاقها، وتركيزها على ملفات ذات صلة مباشرة بحياة المواطنين “قد تحمل مؤشراً على محاولة الاستجابة للمزاج الشعبي المتراجع”.
ولفت العبسي في حديثه لـ”سوريا على طول”، إلى أن “المعايير التي اتبعت في اختيار المسؤولين الجدد، هي مزيج من الكفاءة والخبرة الإدارية والثقة السياسية”، مضيفاً: “وجاءت التعيينات في إطار تغييرات إدارية سريعة تشهدها مؤسسات الدولة”، وهكذا يعكس سرعة الاستجابة.
بدوره، كشف باحث سياسي، يقيم في محافظة درعا، أن “التعديلات على الحقائب الوزارية والمحافظين لم تنتهِ بعد، لافتاً إلى أن “عملية التقييم السنوية ما تزال مستمرة، لذلك قد يكون من المبكر إصدار حكم نهائي”، على التعيينات الجديدة.
وقرأ الباحث في التعيينات الجديدة أنها “استجابة لمطالب شعبية، ورغبة في تسريع تنفيذ الوعود المقدمة للشارع”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
وفي قراءة أوسع لسياق التغييرات، اعتبر الباحث في مركز عمران للدراسات، أيمن الدسوقي، أن “التعديلات التي طالت بعض الوزراء في الحكومة وعدد من المحافظين ومدراء للأمن الداخلي تمثل المرحلة الأولى من تعديلات قادمة، مرتبطة باستحقاق مجلس الشعب والمسار التفاوضي فيما يتعلق بدمج قسد وحل معضلة السويداء”، معتبراً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “أي قراءة حالية ستكون أولية وفقاً للمعطيات القائمة، وهي تندرج في سياق المراجعات الداخلية من جانب، وانعكاس للتوازنات الداخلية من جانب آخر”.
محافظون بين الأمن والإدارة
تطرح تعيينات المحافظين الجدد تساؤلات حول الطريقة التي تنظر بها السلطة الجديدة إلى إدارة المحافظات في المرحلة الانتقالية الحالية، وما إذا كانت تتعامل معها بوصفها وحدات خدمية مدنية أم باعتبارها ملفات أمنية وسياسية تتطلب شخصيات قادرة على ضبط الأمن والتوازنات المحلية.
ويأتي هذا النقاش في الوقت الذي ما تزال فيه البلاد تعاني من آثار حرب طويلة وانقسام عسكري حاضر في العديد من المناطق، مع تعقيدات أمنية وإدارية وخدمية كبيرة. لكن مع ذلك فإن هناك خشية من أن المقاربات الأمنية قد تكرس مركزية السلطة وتؤخر الانتقال نحو إدارة مدنية أكثر استقلالاً ومساءلة.
ذهب الباحث علوان إلى أن “تولي شخصيات أمنية وعسكرية لبعض الوظائف الحكومية أمر طبيعي تحكمه طبيعة الموقع”، مشيراً إلى أن “منصب المحافظ هو منصب مدني أمني، وأمني مدني، فهو نائب الرئيس في المحافظة، لذا يعيّنه الرئيس بنفسه”. وأيضاً يعتبر المحافظ “رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة التي تضم رؤساء الأفرع الأمنية وقادة الفرق، ورؤساء الدوائر الحكومية، وغالباً ما يكون ضابطاً متقاعداً لديه خبرة أمنية أو عسكرية أو شرطية”، وفقاً له.
رأى عبد النور أن المحافظين الجدد “من لون واحد، رجال من هيئة تحرير الشام سابقاً، وهذا يفسر الحاجة لضبط الأمن، فكل الناس تنادي بالأمان قبل الخبز وتحقيق التنمية والنمو الاقتصادي، لذلك قد يكون هذا مفهوم ضمن سياق أن الأمن أولاً”.
تعليقاً على ذلك، قال الخبير الأمني والعسكري عصمت العبسي، أن الخلفيات الأمنية والعسكرية للمحافظين، هي “استجابة لطبيعة المرحلة، والحاجة للاستقرار الأمني، ومحاولة لضمان السيطرة على الملفات الأمنية في المحافظات الحساسة”، كما أنها “تعكس رغبة في توحيد الإدارة الأمنية والمدنية في بعض المناطق”.
من جهته، رأى الدسوقي أن هناك “مبالغة في مسألة تحويل الإدارة المحلية إلى امتداد للأجهزة الأمنية”، خاصة أنه “بعد إحداث مديريات الأمن الداخلي صار المحافظ أقرب للتمثيل السياسي ومسؤولاً عن الملف الخدمي، بينما تقع مسؤولية إدارة الملف الأمني للمحافظة على عاتق مدير الأمن الداخلي”.
“قد يكون مفهوماً إلى حدّ ما أن يكون المحافظين من خلفيات عسكرية في دولة في حالة تأسيس على ركام ملفات أمنية معقدة”، قال أحمد طه، مدير البرامج في المركز السوري لدراسات الرأي العام، لكن يجب “إيجاد حلول حتى لا تتوقف عجلة التنمية”، مستشهداً بتركيا، حيث “يوجد والٍ وهو المسؤول الأمني عن المحافظة ويتم تعيينه من رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى رئيس مجلس محافظة منتخب انتخاباً ديمقراطياً”.
لكن قبول هذه التعيينات في المرحلة الانتقالية “لا يلغي الأسئلة المشروعة عمّا إذا كانت هذه التعيينات هي استجابة مؤقتة لتعقيدات ما بعد الحرب، وأن لا تتحول إلى قاعدة دائمة في إدارة المحافظات”، قال الباحث السياسي المقيم في درعا.
وأضاف: “لابد من إيجاد آليات واضحة للمساءلة وتقييم الأداء حتى لا تتحول الإدارة المحلية إلى امتداد للسلطة المركزية، وتبتعد عن كونها إدارة خدمات تمثل الاحتياج المحلي”.
نخبة جديدة أم مرحلة انتقالية؟
لا يقتصر الجدل حول التعيينات الأخيرة على خلفية المحافظين العسكرية، بل يمتد إلى هوية النخبة الجديدة التي تتقدم داخل مؤسسات الدولة. فحضور شخصيات قريبة من السلطة أو مرتبطة بـ”تجربة إدلب”، يفتح النقاش حول الموازنة بين اختيار الكوادر الموثوقة في مرحلة انتقالية حساسة، وبين الخشية من أن يتحول معيار الثقة إلى طريق لإغلاق المجال العام وتضييق المشاركة في إدارة الدولة.
الرئيس أحمد الشرع “لن يقبل بكل ما يعيق تقدمه، وهو يرى في هذه المرحلة أن وجود أشخاص قادرين على التناغم معه ضروري لنجاحه، لذلك هو يذهب أكثر باتجاه أشخاص من داخل المنظومة والجماعة نفسها، لكن ضمن معايير الكفاءة والخبرة والمعرفة الأكاديمية، بما يساهم في تقدم العمل للأمام”، قال باحث من دمشق لـ”سوريا على طول”.
وأضاف: “الشخصيات المعينة حديثاً من تحرير الشام، هم شخصيات عملت في الوزارات كمساعدين للوزراء أو مقربين منهم، وشغلوا مناصب عليا، وحصلوا على إلمام جيد بالوضع، والسلطة ترى فيهم القدرة على آلية العمل أكثر من الشخصيات القادمة من خارج المنظومة”.
تستثمر الإدارة السورية الحالية “في الكوادر التي تم تدريبها في إدلب ضمن حكومة الإنقاذ والشؤون السياسية وباقي المؤسسات والجامعات هناك، وهذا طبيعي في الأشهر الأولى من الفترة الانتقالية”، لكن “نأمل الآن أن تكون الحكومة أكثر تضميناً وأكثر شمولية، وتضم كل مكونات الشعب السوري من تكنوقراط”، قال عبد النور.
تعليقاً على ذلك، قال العبسي: “تظهر التعيينات الأخيرة تفضيل الشخصيات التي لديها خبرة في المؤسسات الأمنية والإدارية السابقة”، ناهيك عن أنها تركّز “على الثقة المركزية أكثر من التوسع في المشاركة، إذ إن العديد من المعينين جاءوا من خلفيات مؤسسية قريبة من السلطة الحالية”، وهذا “قد يحد من فرص مشاركة شخصيات مستقلة أو قادمة من خارج الدائرة المقربة”.
“ما تزال المؤشرات الحالية تميل لصالح أولوية الولاء على حساب الكفاءة”، ومع ذلك “من المبكر القول أنه حكم مغلق يعتمد على الكوادر الموثوقة من كوادر هيئة تحرير الشام وحلفائها وحكومة الإنقاذ، لأن التعديلات ما تزال في بداياتها”، بحسب الدسوقي.
وأضاف الدسوقي “ينبغي تغيير النهج وأسلوب الإدارة أكثر من التركيز على الشخصيات، وإلا فإننا أمام تغييرات لا تحدث فرقاً جوهرياً في المشهد العام”. إذ ما تزال “الحياة السياسية ومسألة المشاركة المحلية والمساءلة وما يرتبط بها من انتخابات وتوزيع للصلاحيات غير مكتملة أو دون المستوى المأمول”، نتيجة “غياب الإطار القانوني والتنظيمي والمؤسساتي الناظم لهذه المسائل، وهذه مسائل ومساحات تفاوضية يتوجّب العمل عليها لطرح الهواجس والضمانات المطلوبة، من قبل القوى المجتمعية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني، والعمل عليها بالتشاركية مع الحكومة لا بالتضاد”.
من جهته، اعتبر طه أن “التعيينات [الأخيرة] عموماً لا تعكس حالة ديمقراطية، فإذا غابت آليات واضحة للمساءلة، فالدولة السورية أمام معضلة مزدوجة، لذلك لا بد في النهاية من إيجاد آليات ديمقراطية بدل التعيينات، إضافة إلى مسار واضح للشفافية و المساءلة”.
وأشار طه إلى أن “تحسين الوضع الاقتصادي والمعيشي حظي باهتمام الغالبية العظمى من عينة الاستطلاع، لذلك يجب على السلطة أن تعمل عليه، وهو مؤشر حاسم في استطلاعات أخرى حول الأداء الحكومي”، مشدداً على ضرورة “مراقبة عدة مؤشرات خلال الفترة القادمة، من قبيل: مراقبة أداء المؤسسات من الناحية الحوكمية والإدارية، إضافة إلى مراقبة الخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات ومدى رضى الناس عن هذه الخدمات، و مقارنة نتائج استطلاعات سابقة بأخرى لاحقة”.
ومع أن “الشعب السوري والنخبة السياسية والمجتمعية ينتظرون تأطير عملية الممارسة السياسية بعد تشكيل مجلس الشعب ومراجعة القوانين”، إلا أن “عموم الشعب يترقّبون ما هو أهم بالنسبة لهم، وهو التعافي الاقتصادي ودوران عجلة الاقتصاد وتخفيف أزمة سبل العيش الموجودة في سوريا”، قال علوان.






