“جريمة ضد الطبيعة”: إزالة الأشجار على ضفاف بحيرة ميدانكي في عفرين تثير الغضب والصدمة
في مطلع أيلول/ سبتمبر، أثارت مقاطع فيديو وصور تظهر قطع الأشجار في منطقة عفرين، شمال غرب سوريا، الرعب والصدمة. يتهم نشطاء بيئيون محليون الفصائل المدعومة من تركيا بالتورط في «جرائم ضد الطبيعة»، ولكن تبقى أسئلة من دون إجابة: كم عدد الأشجار التي قطعت؟ ومن المستفيد من بيع الأخشاب الموجودة في محمية طبيعية؟
6 سبتمبر 2022
أربيل- في مطلع الشهر الحالي، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة في محيط بحيرة ميدانكي بمنطقة عفرين، شمال غرب سوريا، لرجال يجولون بين أشجار باسقة، وبينما يتهاوى بعضها على الأرض يُسمع صوت المنشار الكهربائي المستخدم في قطع الأشجار، ما دفع السوريين إلى التفاعل بغضب مع هذا الاعتداء.
فيديو يُظهر مجموعة من الرجال يقطعون الأشجار ويحِّملونها في شاحنات مصطفة على ضفاف بحيرة ميدانكي في منطقة عفرين التابعة لمحافظة حلب، شمال غرب سوريا، 31/ 8/ 2022 (فيسبوك)
“آلاف الأشجار تم اقتطاعها اليوم خلال ساعات قليلة”، وفق ما ذكر فائز الدغيم، صحفي يعمل في قناة “تلفزيون سوريا” المعارضة، في تقرير مُصوّر من بحيرة ميدانكي، نشر في 31 آب/ أغسطس. “لا يمكن القول أنه هذا عمل فردي … ثلاث أو أربع آلاف شجرة تم اقتطاعها”، متسائلاً “لا أعرف ما هو دور المؤسسات العاملة في المنطقة، ننتظر بيان توضيح منهم، من المؤسسات التي تدعي حماية الإنسان؛ حماية هذه الأراضي. مع الأسف يتم قطع الأشجار وبيعها كحطب. أمر جداً جداً محزن”
تظهر الصور التي شاركتها عدة قنوات تلفزيونية محلية وتداولها عشرات الناشطين، في 31 آب/ أغسطس الماضي، ضفاف البحيرة “قبل” و”بعد” قطع الأشجار: من أحراش كثيفة إلى أراضي مقفرة جافة. ومن غير الواضح ما هو مدى نطاق المساحات التي قُطِعت أشجارها في الفيديو المصوّر، أو الفترة التي تم خلالها إزالة هذه الأحراج.
لطالما عانت سوريا من تصحر شديد على مدى العقدين الماضيين، أفقدها خُمْس غطائها النباتي على الأقل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2019، غير أنّ وقوع هذه الحادثة الأخيرة، في محمية طبيعية، أشعل غضب المجتمع المحلي والنشطاء في عفرين، ووجه بعضهم الاتهام إلى فصائل المعارضة السورية المدعومة من تركيا، باعتبارها المسيطرة على المنطقة.
مكان للترفيه
أعرب الكثير من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي عن حزنهم بعد انتشار صور قطع الأشجار على نطاقٍ واسع، لا سيما من تربطهم ذكريات بها، كما في حالة نورهات حسن، صحفي كردي مهجّر من عفرين، في عام 2018، أثناء عملية غصن الزيتون التركية، معلقاً على الصور المنتشرة في حديثه لـ”سوريا على طول”: “نعم، هذه بحيرة ميدانكي، أعرفها جيداً”.
أقيمت بحيرة ميدانكي في أوائل عام 2000 لتخزين مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء عبر سد عفرين الكهرومائي، وفي عام 2004، تم إعلان البحيرة والمناطق المحيطة بها على أنها محمية طبيعية، وسرعان ما تحولت إلى متنزه شهير يقصده السكان للترفيه.
“كنا نتردد إلى البحيرة دائماً، وخصوصاً في الصيف، نذهب مرة أو مرتين في الأسبوع. بينما نستظلّ تحت الأشجار يلعب الأطفال ويسبحون”، قال أحمد مستو، وهو أحد أبناء عفرين المقيمين فيها إلى اليوم، مضيفاً لـ”سوريا على طول”: “كانت بحيرة ميدانكي مكان ترفيه معروف لجميع أهالي المنطقة”.
هذه الأجزاء من ضفاف بحيرة ميدانكي المقفرة الجافة، كانت تغطيها الأشجار يوماً ما (فيسبوك).
في معظم سنوات الحرب، بقي سدّ عفرين تحت سيطرة الفصائل الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د)، الذي تعتبره تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني (ب ك ك)، الذي خاض حرب عصابات ضد أنقرة لعقود، إلى أن سيطر عليه الجيش الوطني المدعوم من تركيا، في عام 2018، خلال عملية غصن الزيتون، الحملة العسكرية التي هدفت إلى إبعاد “ب ي د” عن الحدود التركية-السورية.
أتاحت “غصن الزيتون” للجيش الوطني السوري السيطرة على عدة مناطق ذات أعراق متعددة في شمال سوريا، بما في ذلك عفرين، ذات الغالبية الكردية، ما دفع العديد من أكراد عفرين إلى الفرار من المنطقة خشية الابتزاز والعنف.
تدهور واسع النطاق
في عام 2018، عانت عفرين من تدهورٍ بيئي سريع، وكان مردّ ذلك جزئياً إلى توافد عشرات آلاف السوريين الفارين من الحرب المشتعلة في مناطق أخرى.
“في نهاية عام 2018، نزح الآلاف من الغوطة وريف حمص، ومناطق أخرى في سوريا إلى عفرين”، بحسب أحمد مستو، ولأن المهجّرين “الذين تركوا منازلهم وأراضيهم وتجاراتهم، ليس لهم مكان يعيشون فيه، لم يجدوا غير المناطق الزراعية. اقتلعوا الأشجار وسكنوها”، كما قال.
تنتشر سياسة إزالة الأشجار أو البساتين من أجل إحلال منازل مكانها للمُهجّرين في عموم مناطق المعارضة في شمال غرب سوريا، وهذه الديناميكية موضع خلاف خصوصاً في عفرين، إذ اتهمت العديد من منظمات حقوق الإنسان تركيا بـ”الهندسة الديموغرافية” عبر بناء ما أسمته “مستوطنات” على نطاق واسع لإيواء المُهجرين العرب في المناطق التي كان غالبيتها أكراد.
[irp posts=”45075″ name=”مشاريع الإسكان التركية شمال غرب سوريا: سياسة توسعية مثيرة للجدل”]
ويحمّل عدد من النشطاء تركيا ووكلاءها مسؤولية تدمير البيئة في عفرين، إذ “كانت شواطئ البحيرة خضراء وحيوية قبل أن تحتل تركيا المنطقة”، بحسب نورهات حسن، مستذكراً الجزيرة الصغيرة وسط البحيرة “التي أزيلت نصف أشجارها”، لكن ذلك لا ينحصر في بحيرة ميدانكي فحسب، وإنما “حدث ذلك في مدينة عفرين، كان هناك مئات الأشجار في حي المحمودية، لكنها اقتلعت جميعها”.

صورة تناقلها نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، مطلع أيلول/ سبتمبر، تظهر بحيرة ميدانكي “قبل” و”بعد” الاعتداء على أشجارها، (إنترنت)
واتهم حسن فرقة السلطان مراد، التابعة للجيش الوطني السوري، المدعوم من أنقرة، ويشكّل التركمان غالبية عناصرها، بأنّها وراء حادثة قطع الأشجار الأخيرة، وهذا ما أكدّه أيضاً ناشط بيئي من عفرين، طالباً من “سوريا على طول” عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية.
وقال الناشط: “يعلم الجميع أن فرقة السلطان مراد وراء ذلك”، متهماً الفصيل أيضاً بـ”توظيف المهجرين لقطع الأشجار وبيع أخشابها، ومن ثم استخدام الأرض”.
في إحدى الفيديوهات المتداولة، يظهر أربعة رجال عند بحيرة ميدانكي وهم يقطعون الأشجار بالمنشار، لكن من غير الواضح فيما إذا كانوا يرتدون زياً عسكرياً أو مدنياً، بسبب سوء جودة التصوير.
رداً على هذه الاتهامات، نفى أحد عناصر فرقة السلطان مراد في حديثه لـ”سوريا على طول” تورط الفرقة في عملية إزالة الأشجار الأخيرة، لكنه لم يستبعد تورط فصائل أخرى تابعة للجيش الوطني السوري أو عناصرها. إذ بحسب قوله: “نحن غير مسؤولين عما حدث في ميدانكي”، مشيراً إلى أن “هناك عدة فصائل تعمل في المنطقة”.
وعزا العنصر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه غير مخول للحديث إلى وسائل الإعلام، انخراط بعض عناصر الفصائل في عملية قطع الأشجار إلى “أسباب اقتصادية”، مستدركاً: “لكنهم يقومون بذلك بصفة فردية، ولا يمثلون فصيلهم”.
وأوضح المصدر أن “هناك عدة أشخاص اعتقلوا مؤخراً بتهمة قطع الأخشاب، وتم تسليمهم إلى القضاء العسكري”، لكن قطع الأشجار ليس جديداً فهو “مستمر منذ عدة سنوات وفي مناطق نفوذ مختلفة”.
وحاولت “سوريا على طول” التواصل مع قياديين في الجيش الوطني السوري للتعليق على الموضوع، لكنها لم تتلق أي ردّ حتى لحظة نشر هذا التقرير.
عملية نهب؟
اتُهِمت تركيا بالسماح، بشكل مباشر أو غير مباشر، بإزالة الأشجار على نطاق واسع في المناطق الكردية الخاضعة لنفوذها في العراق وسوريا.
في عام 2021، اندلعت حرائق في مئات الهكتارات، وقضي على غابات بأكملها بالقرب من الحدود الشمالي لكردستان العراق، كما قالت السلطات هناك، وهي مناطق أقامت فيها تركيا عشرات المواقع العسكرية في السنوات الأخيرة.
وشهدت كردستان العراق غضباً عارماً بسبب صور منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لشاحنات محمّلة بأشجارٍ أزيلت بهدف بناء طرق جديدة لربط المواقع التركية.
[irp posts=”32363″ name=”بالصور: الحرائق تلتهم غابات الساحل السوري للمرة الثانية هذا الصيف”]
وزعم بعض أهالي ونشطاء عفرين تركيا بـ”سرقة” الأخشاب الثمينة لأشجار الزيتون، التي يعود تاريخها لقرون. وخلص تحليل مفتوح المصادر إلى أن بعض المناطق التي تجري إزالة أشجارها تتجاوز المساحات التي تحتاجها تركيا لفتح طرق بين المواقع العسكرية.
في ظل غياب بيان رسمي من السلطات المحلية والفصائل العسكرية المعنية، ما تزال هناك الكثير من الأسئلة حيال عملية قطع الأشجار على ضفاف بحيرة ميدانكي، من قبيل: كم يبلغ عدد الأشجار التي قطعت؟ من قطعها؟ ومن المستفيد من بيع الأخشاب الموجودة في محمية طبيعية على أراضٍ حكومية؟
يرى أهالي عفرين المُهجرين عنها في صور قطع الأشجار والمناطق المقفرة تذكاراً مؤلماً لقصة اقتلاعهم من أراضيهم وتدميرها. قال نورهات حسن “ما تزال الجرائم مستمرة ضد الطبيعة في عفرين”.
* ساهم وليد النوفل في إعداد هذا التقرير.
تم نشر هذا التقرير أصلاً في اللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية سلام الأمين.
