13 دقائق قراءة

حين تبيضّ الأرض: تملح التربة يهدد الزراعة في حوض الفرات بالرقة

إن اتساع رقعة الأراضي الزراعية التي تعاني من تملح التربة في ريف الرقة، أو ما يعرف محلياً بـ"النزاز"، قد يؤدي إلى تحويل أجزاء من حوض نهر الفرات إلى أراض غير صالحة للزراعة ويغيّر وجه المحافظة الزراعي


7 مايو 2026

باريس- عامٌ بعد عام، ترتفع نسبة ملوحة التربة في أراضي محمد أبو جمعة، الواقعة على أطراف قرية المنصورة جنوب غرب الرقة، حتى أن خمسة دونمات من أصل 20 دونماً في إحدى مزارعه صارت غير صالحة للزراعة، بعد أن وصلت إلى ما يعرف محلياً بـ”أرض نزاز”.

يطلق هذا المصطلح على الأراضي التي تبلغ مرحلة متقدمة من التملح، حيث تبقى رطبة وموحلة ظاهرياً، وتغطيها طبقة بيضاء من الأملاح، ما يفقدها تدريجاً القدرة على الإنتاج.

وما تبقى من أراضي أبو جمعة، تتفاوت نسبة ملوحتها بين 30 و70 بالمئة، لذا لم تعد تصلح لجميع المحاصيل الزراعية، كما قال لـ”سوريا على طول”.

أوضح المهندس الزراعي محمد نور الإبراهيم، المتخصص في الاستصلاح الزراعي، وعمل خلال السنوات الماضية في الرصد البيئي بهيئة البيئة التابعة للإدارة الذاتية شمال وشرق سوريا، أن بعض عينات التربة التي أخذت خلال السنوات الماضية سجلت قراءات من أربعة إلى ستة آلاف ميكروسيمنز/سم، وهي مستويات تصنف ضمن التربة المالحة، وتؤثر في إنتاجية عدد من المحاصيل.

لم تعد مشكلة تملح التربة مجرد تراجع في الإنتاج الزراعي، وإنما هي أزمة مركبة تضرب أساس الزراعة في بعض المناطق الزراعية القريبة من ضفاف نهر الفرات في محافظة الرقة، الذي ينبع من تركيا ويمر بشمال شرق سوريا قبل أن يصب في العراق. 

إن انخفاض منسوب مياه الفرات، وتعطل شبكات التصريف، واتساع الاعتماد على آبار ذات ملوحة مرتفعة، وفوقها أزمة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر، يؤدي إلى تراكم الأملاح تدريجياً على سطح التربة حتى تخرجها عن الخدمة.

لقطة من تسجيل مصور، تظهر طبقة بيضاء ملحية على سطح أرض زراعية في ريف محافظة الرقة، 21/ 01/ 2026، (يمان السيد)

لقطة من تسجيل مصور، تظهر طبقة بيضاء ملحية على سطح أرض زراعية في ريف محافظة الرقة، 21/ 01/ 2026، (يمان السيد)

تعتمد الأراضي الزراعية في الرقة على شبكات تصريف زراعية، تعمل على إخراج المياه المالحة من التربة، سواء عبر قنوات تصريف صغيرة سطحية في محيط الحقل، أو عبر نظام الصرف الجوفي (الصرف الحقلي)، وهو نظام يعمل عبر تجهيز حفر صغيرة توضع بداخلها حصى مفلترة وأنابيب مثقبة لتصريف المياه الزائدة في التربة، وإخراجها عبر الأنابيب إلى المصارف الرئيسية خارج الأرض، كما أوضح المهندس الزراعي، بشار خلف الخمري، المقيم في الرقة، لـ”سوريا على طول”.

“النزاز”: طبقة من الملح

“عندما ترى الأرض النزاز تظن أنها مرتوية بالماء، والحقيقة ليست كذلك. تربتها خفيفة مثل الرمل، وتظهر عليها طبقة ملحية لونها بيضاء”، قال عيسى اليوسف، مزارع من قرية المنصورة.

يعمل اليوسف في زراعة أرضه التي ورثها عن أبيه منذ أكثر من 15 عاماً، لكنه خلال السنوات الأخيرة حصر زراعته بالمحاصيل الشتوية المعتمدة على الأمطار، التي تساعد على “غسل التربة من الأملاح”، ناهيك عن أن المواسم المطرية الجيدة تشجع على زراعة محاصيل صيفية مثل القطن، فـ”الأرض التي تفيض بها المياه شتاءً تشجعنا على زراعتها بمحصول صيفي كالقطن”.

تعود ظاهرة “النزاز” إلى طبيعة الأرض الكلسية والمالحة نسبياً، وهي أراض جرى استصلاحها سابقاً عبر شبكات الري والصرف الزراعي، لكن مع تراجع الصيانة وتعطل منافذ التصريف وارتفاع منسوب المياه الأرضية، تعود الأملاح الذائبة إلى الصعود نحو سطح التربة، خصوصاً مع ارتفاع التبخر.

ومع تكرار الري بمياه مالحة، سواء من الآبار أو من مياه المصارف الزراعية، تتراكم الأملاح في الطبقة السطحية، ما يعيق امتصاص النباتات للماء والعناصر الغذائية، ومن ثم اصفرارها وتقزمّها وصولاً إلى موتها في مراحل مبكرة، قبل أن تصل الأراضي إلى مرحلة لا ينجح فيها سوى المحاصيل المقاومة للأملاح العالية مثل الشعير، أو أن تخرج من الزراعة بالكامل.

يعاني اليوسف من مشكلة تملح التربة منذ أكثر من عشر سنوات، مشيراً إلى أن هناك أراض في قريته المنصورة “خرجت [كلياً] عن الخدمة منذ ست سنوات، وقد هجرها أصحابها، ولا أحد يرغب في استئجارها واستصلاحها”.

“مع مرور الوقت تتفاقم المشكلة، إذ تزداد مساحة الأراضي الخارجة عن الخدمة ويتقلَص عدد المزارعين كل عام”، قال اليوسف.

تعليقاً على ذلك، وصف عيسى العيسى، رئيس اتحاد فلاحي الرقة، ظاهرة تملح التربة بأنها “أزمة بيئية وزراعية حادة، وهي من أخطر مظاهر التصحر، التي تهدد الخصوبة الزراعية للمنطقة”، مشيراً إلى تفاوت شدة التملح بين أرض وأخرى.

وأكد العيسى في حديثه لـ”سوريا على طول”، على أن ظاهرة التملّح انعكست بشكل مباشر على دخل الفلاحين ومعيشتهم، إذ “بعد أن يموّل الفلاح مشروعه الزراعي من بذار وأسمدة وفلاحة، نقداً أو ديناً، لا يحصل على عائد مجزٍ من الأرض النزاز، وبالتالي يتكبد خسائر كبيرة ويقف عاجزاً عن سداد دينه”.

يُظهر تحليل صور الأقمار الصناعية عبر منصة “Google Earth Engine”، الذي يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي، توسعاً في مؤشرات تدهور التربة جنوب قرية المنصورة في ريف الرقة بين عامي 2017 و2026. واعتمد التحليل على مقارنة صور ملتقطة خلال الموسم الزراعي ذاته، باستخدام مؤشرات طيفية تقيس كثافة الغطاء النباتي ورطوبة التربة ودرجة انكشافها، مثل مؤشر الغطاء النباتي (NDVI) ومؤشر التربة العارية (BSI).

تمثل البقع البنفسجية مناطق ظهرت فيها مؤشرات مرتبطة بتراجع الغطاء النباتي وازدياد التربة المكشوفة مقارنة بعام 2017، ما يشير إلى تدهور محتمل في خصائص التربة، وهذا يتقاطع مع ظاهرة التملح. ولا تُعد هذه المؤشرات دليلاً مباشراً على التملح بحد ذاتها، لكنها تُستخدم علمياً لرصد المناطق الأكثر عرضة لتدهور التربة وفقدان القدرة الإنتاجية.

وتُظهر المقارنة أن مظاهر التدهور لم تعد محصورة في أطراف الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى داخل الحقول نفسها على شكل بقع متفرقة وبؤر كثيفة، في نمط يتوافق مع شهادات مزارعين ومهندسين زراعيين تحدثوا عن تراجع الإنتاج وخروج أجزاء من الأراضي عن الخدمة خلال السنوات الأخيرة.

المياه المالحة والمصارف

نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من نقص المحروقات اللازمة لتشغيل مضخات المياه وغلائها، وتراجع صيانة المصارف، وتعطل شبكات الري والصرف، التي كانت تضبط توازن التربة، تغيرت مصادر المياه بالنسبة لكثير من الفلاحين في الرقة.

ومع تراجع الإمداد المائي من نهر الفرات وتعطل قنوات الري، استخدم المزارعون مياه الآبار السطحية، رغم ارتفاع ملوحتها وتكلفتها. فيما لجأ آخرون إلى استخدام مياه المصارف لري الأرض بها مرة أخرى، وهو ما فاقم من مشكلة تملح التربة.

“عندما كنا نستخدم مياه الفرات كانت مشكلة التملح، التي تفاقمت بسبب استخدام مياه الآبار، لكن الفلاحين اضطروا لاستخدامها لأن مياه النهر لم تعد تصل”، قال أبو جمعة.

يعترف اليوسف بأن “الممارسات الخاطئة من قبل الفلاحين” فاقمت مشكلة التملح، وهو واحد من الذين استخدموا مياه الآبار المالحة بعد تعطل شبكات الري.

وأوضح اليوسف أن “هناك مواد وأسمدة عضوية تخفف من مشكلة التملح وتعالج التربة، لكن ظروفنا الاقتصادية وضعف العائد المادي [من الزراعة] يمنعنا من استخدامها”.

وأضاف: “كان في أرضنا مصرف، وهو أشبه بخندق صغير في محيط الحقل، عندما نسقي الأرض بطريقة الغمر، تتخلص الأرض من المياه الزائدة بما تحمله من أملاح عبر المصرف ومنه إلى المصارف الرئيسية خارج الأرض”، لكن هذه المصارف “تعطلت” في غالبيتها بسبب الإهمال خلال سنوات الحرب.

من جانبه، أوضح المهندس الزراعي الخمري أن “المشكلة قديمة في الرقة، وقد بنى بعض المزارعين نظام صرف حقلي منذ عام 2009، واستطاعوا السيطرة على المشكلة، لكن الأراضي التي لم يتم فيها إنشاء النظام تفاقمت المشكلة فيها، وبعضها خرج عن الخدمة”.

وعمل الخمري خلال السنوات الماضية مع العديد من المنظمات المحلية والدولية، التي ركزت في مشاريعها على “تعزيل [أي تنظيف] المصارف الحقلية الرئيسية في آلاف الكيلومترات، إلا أن المشكلة كبيرة وممتدة في الكثير من المشاريع الزراعية”.

تحتاج هذه المصارف إلى صيانة دورية وتنظيف مستمر كل ثلاث إلى أربع سنوات، “بسبب نمو نبات الزل [قصب الزل والأعشاب المائية] بشكل كثيف وعالٍ، ما يتسبب في انسداد المصارف وإعادة المياه إلى الحقول، وارتفاع منسوب الماء الأرضي، ما يؤدي إلى عملية النزاز، لاسيما مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر”، وفقاً للخمري.

وفوق ذلك، “الأراضي هنا كلسية مالحة، وفي بعضها توجد المياه على عمق مترين أو حتى على سطح التربة”، أضاف الخمري.

في السنوات الخمس الأخيرة على نحو خاص، تفاقمت مشكلة تملح التربة في الرقة، بعد أن حاول بعض المزارعين إنشاء مصدات لحبس المياه في أراضيهم ومنعها من الخروج إلى المصارف، بسبب الجفاف وقلة المياه، “ومع شدة التبخر صارت الأملاح تصعد إلى سطح التربة خصوصاً في سنوات الجفاف متسببة بالتملح”، كما أوضح المهندس الزراعي المتخصص في الاستصلاح الزراعي محمد نور الإبراهيم، معتبراً أن “استخدام مياه المصارف الزراعية هو من أخطر الممارسات التي حدثت، لأن باستخدامها تُعاد الأملاح بنسب عالية إلى الأرض”.

“تحتاج شبكات الري والمصارف الزراعية في الرقة إلى إعادة تأهيل بسبب عدم صيانتها منذ عشرة سنوات”، بحسب مدير الموارد المائية في الرقة، أحمد العجاجي، مقدراً نسبة المصارف والقنوات الزراعية التي تحتاج إلى تنظيف بنحو 70 بالمئة. 

وأضاف العجاجي لـ”سوريا على طول”: “بدأنا بعد التحرير مباشرة بصيانة شبكات الري والصرف، ولدينا خطة لتعزيل آلاف الكيلومترات من المصارف والقنوات عن طريق المعدات الثقيلة (باكر)”، لافتاً إلى أنه “تم توزيع المعدات الثقيلة على خمس قطاعات، وتتضمن الخطة البدء بالمصارف الرئيسية ومن ثم الفرعية فالثانوية”.

توقع العجاجي أن “تستغرق إعادة الشبكة إلى نقطة الصفر وإعادة مشاريع الاستصلاح الزراعي إلى وضعها التنظيمي نحو عام كامل”، وبعدها يصل الفلاح إلى مرحلة “يستطيع استخدام مياه قنوات المياه الصالحة ويتوقف عن استخدام الآبار غير الصالحة للزراعة”.

أما إسعافياً، يمكن للفلاح أن يتقدم بطلب خاص للمديرية من أجل “إنشاء مصرف قاطع عميق داخل أرضه، يعمل على على جر المياه السطحية من التربة إلى خارج الأرض، ما يخفف من منسوب المياه السطحية، وبالتالي يحد من التملح”، وبعد إنشاء المصارف داخل الأرض، “يجب على الفلاح ري أرضه ثلاث مرات دون زراعتها لغسل التربة وتصريف الأملاح عبر المصرف، ما يخفف من المشكلة”، بحسب العجاجي.

تُظهر صور الأقمار الصناعية المقربة لبعض الحقول الزراعية جنوب المنصورة في ريف الرقة تبايناً واضحاً داخل الحقول الزراعية نفسها، إذ تبدو أجزاء واسعة من الأراضي بلون أفتح وأكثر انكشافاً مقارنة بالأجزاء المزروعة السليمة، مع ظهور بقع غير متجانسة داخل الحقول. وعند تطبيق التحليل الطيفي على الصورة ذاتها، ظهرت هذه المناطق باللون البنفسجي، في إشارة إلى مواقع سجلت تراجعاً في الغطاء النباتي وارتفاعاً في التربة المكشوفة مقارنة بالسنوات السابقة.

وهو ما يشير إلى أن التدهور لم يعد محصوراً في أطراف الأراضي أو المناطق المهجورة، بل زحف إلى الحقول المنتجة نفسها على شكل بؤر متفرقة تتوسع تدريجياً، وهو ما يتوافق مع شهادات المزارعين.

الشعير والدورة الزراعية

مع تفاقم مشكلة التملح، لم يعد اختيار المحصول أو اتباع دورة زراعية خياراً للفلاح، الذي وجد قائمة خياراته تضيق، إذ يتعين عليه اختيار أصناف تتناسب مع التربة وقادرة على التحمل، وبالتالي تراجعت محاصيل القمح والقطن والخضار، وبقي الشعير المحصول شبه الوحيد الذي يمكن زراعته في كثير من الأراضي.

“القمح والقطن ينبتان ولكن نجاحهما ضعيف، أما الشعير فهو من أكثر المحاصيل التي تتحمل الملوحة”، بحسب المزارع أبو جمعة.

زراعة الشعير هي أحد أساليب التكيف مع التربة، لكن “انحسار قائمة المحاصيل انعكس مباشرة على الأمن الغذائي والاقتصادي بالنسبة للسكان، إذ يعتمد المزارعون على هذه المحاصيل المختلفة لتأمين احتياجاتهم منها أو لبيعها”، بحسب المهندس الإبراهيم.

مع تفاقم مشكلة الملوحة “اقتصرت زراعتي محدودة بين الشعير والحنطة”، قال اليوسف، الذي حاول قبل ثلاث سنوات العودة إلى زراعة القطن، مستغلاً عاماً مطرياً “فاضت” حينها بعض الأراضي الزراعية، لافتاً إلى أن العديد من الفلاحين صاروا يعتمدون على الموسم الشتوي “بسبب ملوحة التربة وانحسار قائمة المحاصيل وارتفاع تكاليف زراعتها”.

غياب الدورة الزراعية وتراجع القدرة على زراعة محاصيل صيفية مثل القطن، يزيدان من إنهاك التربة، التي لا تستعيد توازنها من دون اتباع دورات زراعية أكثر تنوعاً، بحسب اليوسف، مشيراً إلى أن أرضه تحتاج إلى تطبيق دورة زراعية، من قبيل زراعة محصول صيفي كالقطن، لكن “لا أستطيع ذلك لأنه سيعود عليّ بالخسارة”، كون الأرض نتيجة تملحها لا تصلح لهذه الزراعة.

حاول اليوسف قبل ثلاث سنوات زراعة القطن في أرضه، التي وصلت إلى مرحلة “النزاز”، قائلاً: “سقيت الأرض ثلاث مرات حتى تنبت البذرة، وعندما أصبح طول النبات شبراً واحداً مات بسبب الملوحة”.

وبدوره، حذر المهندس الزراعي الخمري من الاعتماد على الشعير فقط رغم تحمله النسبي للملوحة، لأنه لا يعالج أصل المشكلة، قائلاً: “الشعير قد يقاوم الملوحة لسنة أو اثنتين في الأرض، لكن في النهاية سوف تخرج عن الخدمة خاصة إن تحولت إلى أرض نزاز”.

يحاول بعض المزارعين التمسك بأرضهم وإبطاء تدهور الأرض بوسائل بسيطة، من قبيل الحراثة العميقة أو ترك الأرض للزراعة البعلية والاعتماد على مياه الأمطار لغسل سطح التربة، كما حصل مع اليوسف، مشيراً إلى أن أرضاً لديه تعاني من مشكلة التملح، تحسنت نسبياً بعدما توقف عن زراعتها خلال الثلاث سنوات الماضية مع حراثتها بعمق ، لذا “كان وضع الزراعة فيها [هذا العام] جيداً”.

مع ذلك، تبقى هذه المحاولات محدودة أمام تكاليف المعالجة الحقيقية لمشكلة التملح، وهو ما يدركه جيداً اليوسف، قائلاً: “نعرف أن السماد العضوي مفيد، وأن الأرض المالحة تحتاج لتقليب عميق للتربة وسماد عضوي، لكن هذا خارج إمكانيات أغلب المزارعين”، إذ يحتاج الدونم الواحد (1000 مترمربع) من 3 إلى 5 أمتار من السماد العضوي، وهذا يفوق قدرة اليوسف على تأمينه لأرضِ العائلة التي تبلغ مساحتها عشرة هكتارات.

تسجيل مصور ألتقطه عيسى اليوسف، في أواخر نيسان/ أبريل، لأرضه الواقعة جنوب قرية المنصورة في ريف الرقة، يوضح وجود أجزاء من الأرض لونها أبيض ومشققة، إضافة إلى عدم نمو المحصول في بعض أجزائها.

غياب المختبرات والإرشاد الزراعي

بينما تتسارع وتيرة تملح التربة، يواجه مزارعو الرقة المشكلة دون أدوات أساسية لفهمها أو التعامل معها، إذ لا تحاليل للتربة والمياه، ما يعني أنهم يتخذون قراراتهم الزراعية اعتماداً على مشاهداتهم بالعين أو عبر التجربة وربما الوقوع بالخطأ.

“لم يزرنا أحد لتقديم إرشادات أو حلول. أنت أول شخص يتحدث معنا في هذه المشكلة”، قال أبو جمعة لمراسل “سوريا على طول”، معتبراً أن وجود المختبرات الزراعية يساعد في معرفة مستوى الملوحة بدقة، لأن معرفتها يساعد الفلاحين على تحديد كمية الأسمدة اللازمة للتربة.

وأضاف: “بسبب غياب المخاتبرات، نستخدم الأسمدة بشكل عشوائي، وهذا يتسبب في زيادة الملوحة بالتربة”، لافتاً إلى أن أغلب الفلاحين يستخدمون “سماد اليوريا، وإذا كانت نسبة الملوحة عالية فإن هذا النوع من السماد يزيدها. في حالات الملوحة المتقدمة يجب أن نستخدم سماد كبريتات الأمونيوم، وهو يساعد على تفكيك الملوحة، وهذا لا نستطيع تحديده دون فحص مخبري”. 

في السياق ذاته، قال المهندس الزراعي الخمري أن غياب التحاليل المخبرية يدفع المزارعين لاستخدام مصادر مياه أو ممارسات قد تسرع تدهور التربة، مشيراً إلى أن بعض المزارعين يسقون أراضيهم بمياه عالية الملوحة دون علم اعتماداً على تجربة محدودة قد تنجح مع محاصيل الشعير “قبل أن تخرج الأرض عن الخدمة بعد سنوات قليلة”.

من ناحية أخرى، يعاني الفلاحون من ضعف التوعية والتدريب، علماً أن “وجود ورشات توعية للفلاحين سوف يسهم في حل 70 بالمئة من المشكلة، خاصة عندما يفهم الفلاح آلية التملح وكيف تحدث، وعندها يغير ممارساته”، قال المهندس الإبراهيم.

قبل الحرب كان الفلاحون في الرقة “يتلقون دعماً وإرشاداً لمواجهة تملح التربة من خلال مصلحة الإرشاد الزراعي في وزارة الزراعة وعن طريق منظمات دولية تعمل على استصلاح الأراضي، وكذلك من خلال اتحاد الفلاحين عن طريق المعهد الفلاحي، الذي كان يقيم دورات تثقيفية وتوعوية وإرشاد”، قال العيسى، مشدداً على ضرورة “إعادة تفعيل دور الإرشاد الزراعي وإقامة دورات كثيفة ومستمرة للوصول إلى أكبر شريحة من الفلاحين”.

لم تنفذ مديرية زراعة الرقة حتى الآن، أي ورشات عمل للفلاحين في إطار التوعية من التملح، لكن “وجهنا للوحدات الإرشادية بالعمل على إرشاد الفلاحين وتوعيتهم بشأن هذه المشكلة”، قال المهندس إبراهيم رمضان الإبراهيم، رئيس دائرة الشؤون الزراعية والوقاية في مديرية زراعة الرقة، معللاً ذلك بأن مدينة الرقة “تحررت” في كانون الثاني/ يناير الماضي، ولم يمض وقت طويل على مباشرة المديرية عملها.

وأوضح الإبراهيم لـ”سوريا على طول” أن المديرية اجتمعت “مع منظمات دولية ومحلية لمكافحة ظاهرة التملح، وطلبنا المساعدة في تعزيل المصارف كحل إسعافي”.

ويطالب فلاحو الرقة بـ”صيانة شبكات الري وتعزيل المصارف الرئيسية والفرعية من نبات الزل لمنع احتباس المياه، ودعم مادة المازوت الزراعي وتوفيره بشكل فوري لتشغيل مضخات الري وتقليل تكاليف الفلاحة، وتأهيل المصارف الزراعية وتوفير البذار والأسمدة فيها بأسعار مدعومة مع منح الفلاحين قروض طويلة الأجل ومن دون فوائد”، قال الجمعة.

بقعة تظهر طبقة ملحية بيضاء في أرض أرض عيسى اليوسف بريف الرقة

بقعة تظهر طبقة ملحية بيضاء في أرض أرض عيسى اليوسف بريف الرقة

رداً على ذلك، قال الإبراهيم: “عندما دخلنا كان محصول القمح والشعير قد زرع، لذلك لم يستفد الفلاحين من القرض الحسن الذي تقدمه الحكومة، والذي يمكن للفلاح عبره الحصول على البذار والأسمدة برأس المادة، ومن ثم يقوم بتسديدها نهاية الموسم”، لافتاً إلى أن المنطقة الوحيدة في الرقة التي استفادت من القرض هي ناحية معدان كونها كانت تحت سيطرة الحكومة السورية أصلاً.

وكشف أن المديرية تعمل على إنشاء مختبر زراعي في الرقة حتى لا ترسل عينات المياه إلى دمشق.

هل يمكن إنقاذ التربة؟

رغم اتساع رقعة التملح إلا أنه لا يزال استصلاح الأراضي ممكناً، شريطة التدخل المنظم، وهذا يتطلب ميزانيات تفوق قدرة معظم الفلاحين في المنطقة. تبدأ عملية الاستصلاح بإعادة تشغيل البنية الأساسية التي ضمنت توازن التربة سابقاً، وعلى رأسها المصارف الزراعية، بحسب المهندسين الزراعيين الخمري والإبراهيم. 

وقال الخمري: “تعزيل المصارف الزراعية وقنوات الري هي أول خطوة على طريق الاستصلاح”، وهذا يتضمن إزالة الأعشاب والرواسب من قنوات الري والمصارف لإعادة تصريف المياه وخفض منسوبها في التربة.

واستشهد في تجربة مشروع الأندلس الزراعي في الرقة، الذي تم تنفيذه قبل خمس سنوات، حينها “كانت الأرض خارجة عن الخدمة نهائياً، والأهالي هجروا أراضيهم. قمنا بتعزيل المصارف وانخفض منسوب المياه الأرضية، وفي العام التالي زُرعت الأراضي وعادت للخدمة من جديد”.

ومع ذلك، في بعض الحالات “قد يكون الأوان قد فات”، قال الخمري، موضحاً أنه عندما “تصل الأرض إلى مرحلة نزاز متقدمة يصبح الاستصلاح مكلف وقد لا تنجح فيه النباتات”، وهو ما حدث مع العديد من مشاريع الاستصلاح الزراعي في الرقة.

من جهته، يرى المهندس الإبراهيم أن الاستصلاح يظل ممكناً “إذا توفرت شروط أساسية، أبرزها إعادة تشغيل خدمات الصيانة والتشغيل وتنظيم إدارة المياه وتغيير الممارسات الزراعية”، لكن هذه الحلول “تحتاج إلى جهود حكومية”، نظراً لارتباطها بالبنية التحتية والموارد العامة.

إضافة إلى ما سبق، ينصح الخمري المزارعين ببناء أنظمة صرف حقلي في حقولهم، و”اتباع دورة زراعية تتضمن محصول بقولي، كون البقوليات تثبت الآزوت الجوي في التربة وتزيد خصوبتها، وأن يبتعدون عن المحاصيل المستنزفة للأرض والمجهدة للتربة في البداية”، إلى جانب “استخدام السماد العضوي لتحسين التربة”.

وحذر الخمري المزارعين من “استخدام سماد اليوريا إلا بكميات قليلة جداً في الأراضي التي تحتوي على نسبة ملوحة عالية”، مضيفاً: “أراضينا فقيرة بالمواد العضوية بطبيعتها. أرضنا كلسية لكن طبيعة الكلس فيها معقد ويوجد بصورة غير صالحة للامتصاص للنبات، لذلك يجب أن نضيف مواد عضوية تحوّل من صورته المعقدة إلى صورة بسيطة يمتصها النبات”.

بالنسبة لأبو جمعة، فإن هذه الإجراءات من أنظمة الصرف الجوفي وإضافة المواد العضوية تبقى “مكلفة وباهظة الثمن، ولم يعد لدينا قدرة”.

وفي ظل غياب هذه الجهود، ينذكر المستقبل بنتائج أكثر “قساوة” من استمرار التملح واتساع رقعة الأراضي الخارجة عن الخدمة، وهذا بدوره يؤدي إلى تغيير وجه الرقة الزراعي التي عرفت به تاريخياً.

شارك هذا المقال