خطوط حمراء غير معلنة: كيف يُدار الإعلام في السويداء؟
فرّ العديد من الصحفيين والناشطين من السويداء إلى دمشق، بعد الضغط عليهم، أو تهديدهم بالقتل والتصفية، وهو ما يثير تساؤلات حول حرية التعبير في السويداء، وما هو حدود المسموح والممنوع في الإعلام المحلي وعبر وسائل التواصل الاجتماعي
27 مارس 2026
باريس- بمجرد تماثله للشفاء بعد إصابة بخمس رصاصات وكسر في الساق، أثناء محاولة اختطافه وتصفيته على يد مجموعة تتبع للحرس الوطني في السويداء، هرب الصحفي مرهف الشاعر سيراً على الأقدام عبر الأراضي الزراعية إلى محافظة درعا المجاورة ومنها إلى العاصمة دمشق.
في مطلع آذار/ مارس الحالي، وصل الشاعر إلى دمشق حاملاً حكايته مع حرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي في السويداء، ليس باعتباره صحفياً مستقلاً بدأ مسيرته قبل عشرة أعوام تحت أسماء وهمية خوفاً من أجهزة النظام البائد فحسب، بل كواحد من جيل من الصحفيين حاول بعد سقوط النظام البائد و”تحرير سوريا” أن يبني خطاباً إعلامياً “يدعم قيام الدولة والعمل الحكومي والمجتمعي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.
لكن المسار الذي انتهجه الشاعر وأمثاله، اصطدم سريعاً بواقع جديد داخل المحافظة، فرضته سلطات الأمر الواقع وحالة الاستعصاء التي تمر بها السويداء منذ أشهر، حيث تراجعت مساحة التعبير، وتحولت إلى ساحة صراع تداخلت فيها حملات التحريض مع السلاح.
وقد شهدت السويداء، أمس الخميس، اعتقال 25 شخصاً في بلدة القريا بريف السويداء الغربي، على يد الحرس الوطني، خلال فعاليات إحياء ذكرى وفاة قائد الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، سلطان الأطرش، وجاء الاعتقال على خلفية تلاوة المحتفلين بياناً ركز على “وحدة سوريا” وهو ما يرفضه “الحرس الوطني”، الذي أحال المتهمين إلى القضاء العسكري.
في الشهر الثاني لسقوط النظام، أي في مطلع عام 2025، بدأت الضغوط على الصحفي الشاعر، وتوسعت تدريجياً من حملات تشهير إلى تهديدات مباشرة، قبل أن تتطور إلى اعتقالات واعتداءات جسدية انتهت بإصابته بطلقات نارية ومحاولة دفعه لتسجيل “اعترافات” قسرية، بالتوازي مع اغتيال شقيقه الناشط والشاعر أنور فرزات الشاعر، الذي اغتيل منتصف كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
صارت تهمة “الخيانة” تستخدم كسلاح لردع كل من يخرج عن السردية السائدة في المحافظة ذات الغالبية الدرزية، التي يتزعمها الشيخ حكمت الهجري، رئيس الرئاسة الروحية للموحدين الدروز، وبذلك وجد الشاعر نفسه مضطراً إلى الخروج من السويداء، بعد أن صار لا يسمح بالعمل الصحفي فيها إلا ضمن حدود خطاب واحد، ويستهدف من يغرّد خارجه.
والشاعر هو واحد من بين العديد من الصحفيين والناشطين، الذين أجبروا على الفرار من السويداء إلى دمشق، بعد الضغط عليهم، أو تهديدهم بالقتل والتصفية، والتي طالت شقيقه، الذي اغتيل بالقرب من منزله في ريف السويداء الشرقي على يد مجهولين، لكن أصابع الاتهام وجهت للحرس الوطني، نظراً لمواقف الضحية الناقدة منهم ومن ممارساتهم.
قصة الشقيقين الشاعر تثير تساؤلات حول حرية التعبير في السويداء، وما هو حدود المسموح والممنوع في الإعلام المحلي وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يسلط هذا التقرير الضوء على تقييد حرية الرأي والتعبير في السويداء، وكيف ينعكس ذلك على الصحفيين المستقلين والمؤسسات المحلية، وعلى قدرة المدنيين في السويداء على النقاش العلني لقضايا السياسة والأمن والخدمات.
التهديد بالقتل والتصفية!
“لا يوجد في السويداء حرية تعبير ولا حرية عمل صحفي، وفي حال كنت تخالف رأي ميليشيات الهجري أو توافق السلطة في دمشق، فأنت مهدد بالقتل في أي لحظة، لكن يمكنك ممارسة عملك الصحفي إذا كنت تروي سردية الهجري أو تخدم سردية جماعته فقط”، قال نبيل السعيد (اسم مستعار) صحفي من السويداء يتنقل بين دمشق والسويداء، طالباً من “سوريا على طول” عدم الكشف عن هويته حفاظاً على سلامته وسلامة عائلته في السويداء.
تعرض السعيد لعدة تهديدات مباشرة، وصلت حدّ التهديد بالقتل، نتيجة نشاطه الصحفي وخروجه على شاشات التلفاز السورية والعربية وعمله مع وسائل إعلام دولية داخل السويداء في الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد.
وربط السعيد بداية التضييق على الصحفيين في السويداء بسياق سياسي وأمني أوسع، عندما حاولت القوات الحكومية دخول السويداء أول مرة، عشية رأس عام 2025، أي بعد 22 يوماً من سقوط نظام الأسد، وهو ما قوبل بالرفض والتصعيد من قبل الهجري والفصائل العسكرية، على حد قوله.
منذ ذلك الوقت “بدأ التضييق علينا، وصار يزداد مع تفاقم المشاكل بين الطرفين لغاية تصريحات الهجري الشهيرة في آذار 2025، عندما قال لا وفاق ولا توافق مع هذه السلطة الداعشية”، إذ بعدها “صار أي شخص يتحدث عن بناء الدولة السورية أو الحوار مع دمشق هو عدو وهدف بالنسبة للهجري”، بحسب السعيد.
لذلك، أوقف السعيد نشاطه الإعلامي وظهوره على شاشات التلفاز، ومن ثم اضطر إلى إيقاف عمله الصحفي مع المؤسسة التي كان يعمل معها، قبل أن يعود إليها مرة أخرى لكن من دمشق وتحت اسم مستعار.
بدورها، خرجت الصحفية سارة حميد (اسم مستعار) رفقة زوجها، قبل عدة أشهر، من السويداء إلى دمشق لتستقر هناك، على خلفية التهديدات المتزايدة لهما، إذ يعمل الزوجان في الإعلام منذ عام 2018، وطيلة مشوارهما الصحفي تعرضا “للكثير من التهديدات الأمنية، وفي كل مرة كنا نتجاوزها ونواصل مشوارنا المهني”، وفقاً لها.
بعد سقوط نظام الأسد وهيمنة جماعة الشيخ الهجري في السويداء، “تغيرت المعادلة وصار العمل الصحفي صعباً بسبب وجود مشروع سياسي يتم العمل عليه من قبل أطراف خارجية ومحلية بالمحافظة، وهو يتعارض مع عملنا الصحفي وطريقة تقديمنا للمادة الصحفية المستقلة”، إضافة إلى وجود محاولات “فرض سردية معينة على الصحفيين داخل المحافظة”، قالت حميد لـ”سوريا على طول” شريطة عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية.
“واقع حرية التعبير في السويداء لم يختلف عما كان عليه زمن حكم نظام الأسد المجرم على الإطلاق”، قالت ناشطة حقوقية من أبناء السويداء، ويتجسد هذا الواقع “المنحدر من سيء لأسوء” بعدة صور منها: “نزوح عدد كبير من السكان إلى المحافظات المجاورة كدمشق ودرعا أو السفر للخارج أو اللجوء للتعبير عن الآراء عبر حسابات بأسماء مستعارة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد ينتهي الأمر بالتزام الصمت التام نتيجة سلب قرار المحافظة وعدم القبول بأي توجه مخالف”.
وحملت الناشطة الحقوقية، التي انتقلت من السويداء للعيش في أحد الدول الخليجية قبل أشهر، ما يعرف بـ”المكتب الأمني: ذراع حكمت الهجري الخفي صاحب السلطة الفعلية، كامل المسؤولية عن الانتهاكات الحاصلة ضمن المحافظة”. وتشكل المكتب الأمني في السويداء من فصيل “درع التوحيد” الذي كان يضم رجال دين مقربين من الهجري.
وأشارت الناشطة في حديثها لـ”سوريا على طول”، شريطة عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، أن “أي رأي مخالف للنهج الذي تتحرك باتجاهه المحافظة هو محل تهمة تصل حدّ الاتهام بالخيانة، ويتحرك على إثرها المكتب الأمني ضد الشخص، ويقوم بقمعه وترهيب الأهالي به، كما حدث مع الشيخ رائد المتني والشيخ ماهر فلحوط”.
وكشفت الناشطة عن وجود ما لا يقل عن 100 شخص مدني معتقل في سجون الهجري “جلّهم مدنيين من أبناء العشائر، بما فيهم عائلات وأطفال”.
نقطة تحول
شكلت أحداث تموز/ يوليو الماضي حدثاً مفصلياً في السويداء، وقد أودت بحياة أكثر من 1700 شخصاً، غالبيتهم من الدروز وعشرات من البدو، بحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، بالإضافة إلى نزوح نحو مئتي ألف شخص من بيوتهم.
انعكست تلك الأحداث الدامية على الحريات الصحفية داخل المحافظة، إذ اضطر بعض الصحفيين إلى إيقاف نشاطهم الصحفي داخل السويداء، سواء كانوا يعملون في وسائل إعلام موالية للحكومة أو عربية أو دولية، كما أكد ثلاثة صحفيين تحدثت معهم “سوريا على طول” لغرض إنتاج هذه المادة.
قبل ذلك بأشهر، أي في مطلع عام 2025، بدأت التهديدات العلنية بالقتل تصل إلى الصحفي مرهف الشاعر من قبل “الفصائل العسكرية بالسويداء ومناصري إسرائيل وفلول النظام البائد، وعصابات الأمن العسكري سابقاً الذين انضموا لميليشيات الهجري، وهم معروفون بالنسبة لي”، كما قال.
لكن على خلفية أحداث تموز/ يوليو، وما تبعها من تضييق وتهديدات “توقفت عن نشاطي الصحفي نظراً لوجود مشروع سياسي جديد قائم على دم الناس، وبقيت محاصراً كل تلك الفترة الماضية نتيجة هذا الاصطفاف السياسي”، ومن ثم تدهورت الأمور حتى بلغت ذروتها بـ”اغتيال أخي وخطفي مرتين وإصابتي بخمس رصاصات”.
واتهم الشاعر الشيخ حكمت الهجري بإعطاء “ضوء أخضر” للفصائل العسكرية، وتحديداً ما يعرف بـ”المكتب الأمني” التابع له، بقمع الأصوات المعارضة لسرديته.
كانت أحداث تموز/ يوليو حداً فاصلاً بين مرحلتين بالنسبة لحميد، إذ “قبلها كنا قادرين على العمل، وصوت الدولة ما زال قائماً حينها في السويداء، وهناك مؤسسات حكومية ومكتباً للمحافظ”، إلا أن أحداث تموز وما “ترافق معها من انجرار طائفي داخل المحافظة، جعل من العمل مع أي وسيلة موالية لدمشق يشكل تهديداً بالقتل”.
خلال تغطية أحداث تموز/ يوليو، تعرضت حميد والفريق الصحفي الذي كان برفقتها للتوقيف والتهديد المباشر بالقتل، إذ “أوقفنا عناصر حاجز لمليشيات الهجري ورفعوا السلاح بوجهنا أنا وزملائي، أثناء تغطيتنا الصحفية للأحداث الدامية، وقالوا أنتم خونة وعملاء للجولاني”، قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعد تدخل الأهالي.
ومع تزايد رسائل التهديد بالقتل، أوقفت حميد وزوجها نشاطهما الصحفي، لأنه “لا يمكن لك العمل في السويداء إذا لم تعلن ولاءك للهجري”، وفقاً لها.
وخلال فترة توقفهما، حصلت حميد على العديد من عروض العمل لصالح وسائل إعلام عربية مرموقة، إلا أنها “رفضت بسبب الوضع الأمني والتهديد بالقتل”، مضيفة “زملائي الذين يعملون لصالح وكالات أنباء دولية تعرضوا للكثير من المضايقات والتهديد بالقتل. قالت الفصائل العسكرية لعائلة أحد زملائي: إما أن تقتلوا ابنكم الصحفي أنتم أو نقلته نحن، لذا فضل الكثير من الصحفيين الهروب إلى دمشق”.
تحدثت حميد عن العديد المواقف التي كانت شاهدة عيان عليها، من قبيل: تعرض بعض الصحفيين للتهديد المباشر، أو منعهم من التغطية، أو تكسير معداتهم من قبل الفصائل العسكرية المحلية في السويداء.
عندما قررت حميد الفرار مع زوجها، استقلت حافلة إلى دمشق، بينما اضطر زوجها إلى الهروب سيراً على الأقدام عبر الأراضي الزراعية إلى درعا المجاورة ومن ثم أكمل طريقه من هناك إلى دمشق.
قالت حميد “أنا كسيدة خرجت بشكل نظامي، ومع ذلك تعرضت للاستجواب على حاجز ميلشيات الهجري أثناء خروجي: أين وجهتك؟ وما أسباب الزيارة إلى دمشق؟. أخبرتهم أنني مسافرة إلى خارج البلد”، وأضافت: “كان أسلوبهم يشبه تعامل الفرقة الرابعة [التابعة للنظام السابق] وكأن بشار الأسد ما زال موجوداً في السويداء!”.
تعليقاً على ذلك، قال صحفي من السويداء، يزاول عمله الصحفي مع مؤسسة إعلامية محلية حتى الآن: “إن التحول المفصلي في العمل الصحفي داخل السويداء كان بعد اجتياح تموز في العام الماضي”، إذ “تأثر العمل الصحفي بحالة الاستقطاب الشديد، وبات العمل بشكل موضوعي من أهم التحديات بالنسبة لغالبية الصحفيين”.
ونفى الصحفي، الذي طلب من “سوريا على طول” عدم الكشف عن هويته، أن تكون “السلطات الناشئة في السويداء قد وضعت ضوابط وقوانين تتعلق بآليات العمل الصحفي”، معتبراً أنها “لم تقيد الحريات بشكل معلن، وإنما حرية العمل الصحفي تأثرت بالمزاج العام بالدرجة الأولى”.
خطوط حمراء
في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، شهدت السويداء توترات أمنية عقب حملة اعتقالات نفذتها ميليشيا الحرس الوطني طالت شخصيات معارضة للهجري، من بينهم رجال دين دروز. وأظهرت تسجيلات مصورة، آنذاك، تعرض الشيخ رائد المتني، أحد المستهدفين بالحملة، إلى عمليات إهانة وتعذيب، أدت إلى مقلته، كما قتل أيضاً تحت التعذيب ماهر فلحوط، وكرم منذر.
أكد ثلاثة مصادر لـ”سوريا على طول” وجود خطوط حمراء -غير معلنة رسمياً- للتغطية الصحفية في السويداء، تتمثل في حظر أي انتقاد للشيخ الهجري والفصائل العسكري والفساد.
حاولت “سوريا على طول” الحصول على رد من الحرس الوطني في السويداء حول الاتهامات الموجهة إليه بخصوص تقييد الحريات، لكنها لم تتلق أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير.
وقالت الصحفية حميد: “يمنع الصحفيون في السويداء من ممارسة عملهم بشكل حر، إذ يشترط الحرس الوطني الحصول على موافقة مسبقة لتصوير أي دائرة حكومية أو خدمية أو حتى مراكز الإيواء، ويطال تدخلهم المادة الصحفية نفسها”، مشيرة إلى أنه “يسمح للصحفي التحدث عن معاناة الناس من السلطة في دمشق، بينما لا يمكن تناول شخصية الهجري والفصائل والفساد والسرقات والانتهاكات التي يقومون بها”.
وادعت حميد أن “الملف الإعلامي داخل السويداء يدار من سلمان ابن حكمت الهجري، الذي يعمل على استقطاب بعض الشخصيات والمؤثرين، ويتم استغلال أي حادثة حتى لو كانت خارج السويداء للتزيف والتحريض”.
وبذلك، فإن “حرية الصحافة وحرية العمل السياسي والاجتماعي والتنموي في السويداء معدومة”، إلا بما يتناسب مع “رؤية الهجري والحرس الوطني ودولة الباشان المزعومة”، بحسب الصحفي مرهف الشاعر.
وأضاف الشاعر: “لا يوجد في السويداء اليوم صحافة مستقلة. هناك سردية واحدة يجب أن تُحكى، وهي سردية مدعومة من إسرائيل وتيار النظام البائد، وهي موجهة وقائمة على التحريض وتخالف مبادئ العمل الصحفي وأخلاقياته”.
وقال الصحفي نبيل العيسى، الذي يعمل لصالح مؤسسة صحفية أجنبية، أن السويداء “تمنع دخول المؤسسات الصحفية، بما في ذلك الأجنبية منها”، لافتاً إلى أنه حاول أكثر من عشرة مرات خلال الأشهر الماضية الحصول على موافقة لمؤسسته، من أجل التصوير في السويداء، لكن جميع طلباته رفضت من قبل الحرس الوطني.
“إنهم يخشون أن يتحدث المواطنون الدروز بشيء لا يوافق سرديتهم. يخشون أن يقول أحد نعم نحن تعرضنا لمجزرة بشعة لكن هناك أخطاء وقعنا بها”، بحسب السعيد، لافتاً إلى “وجود شريحة واسعة ترفض الهجري في السويداء”.
وأضاف: “يريد الهجري أن يصدّر رواية واحدة تقول أن الدروز كلهم مع إسرائيل ويعادون الدولة السورية ويرفضون السلطة، وأن كل الدروز ضد السنة والشيعة”.
واتهم السعيد الصحفيين والمؤسسات الصحفية العاملة داخل السويداء حالياً بأنهم “يتبعون للحرس الوطني، أو أن هذه المؤسسات تدار مباشرة من أشخاص في الحرس الوطني، كما هو حال إحدى أهم المؤسسات المحلية المعروفة، التي يديرها قيادي من الحرس الوطني”، دون أن يكشف عن اسمها.
استنكر الشاعر أن تكون مواضيع مثل “السلم الوطني، أو الحديث الوطني محرمة [في السويداء]، حتى لو كانت ضد السلطة [في دمشق] لكنها تعمل لأجل فكرة الدولة”، ومن يعمل لأجل ذلك “خائن بنظرهم. إنهم قلبوا المفاهيم وزرعوا هاجس التخوين بين الناس، ويمارسون التشدد الشبيه بتشدد داعش”، وفقاً له.
وأضاف: “هناك بعض الزملاء الصحفيين يعملون في مؤسسات صحفية، وهم شباب وطنيين وأبناء ثورة، لكن تم فرض إرادة الحرس الوطني وسلمان الهجري عليهم ولا يستطيعون الخروج عن هذه السردية، وربما لو توفرت لهم الحماية أو الخروج الآمن لكان موقفهم مختلف تماماً”.
رداً على ذلك، قال الصحفي المقيم في السويداء الذي يعمل مع مؤسسة إعلامية فيها: “إن الوسط الصحفي -عموماً- تأثر بحالة الاستقطاب الشديد، فهناك صحفيون يميلون لتأييد السلطات الانتقالية في دمشق ويحاولون ترسيخ سرديتها، وبالمقابل هناك صحفيون يسعون لتصدير سردية السلطات الناشئة داخل السويداء، ما يعني أننا أمام صراع سرديات ينخرط فيها صحفيون من الجانبين”.
ولم يتعرض الصحفي أو مؤسسته لأي استدعاء رسمي من أي جهة داخل السويداء، بحسب قوله، وإنما “تواجهنا أحياناً ضغوط ذات طابع اجتماعي، لأن غالبية المجتمع داخل السويداء لا زال يعيش في صدمة منذ اجتياح تموز، ولديه عداء شديد تجاه السلطات الانتقالية في دمشق، لذلك نتعامل مع هذا الواقع بحساسية شديدة”.
وأضاف: “اعتقد أن السويداء من أكثر المناطق التي تُعرف أدق التفاصيل فيها، رغم حساسية الأوضاع، نتيجة النشاط الإعلامي الواسع والمتعدد لصحفييها”، مضيفاً: “من الطبيعي أن تحاول أي سلطة فرض قيود، خصوصاً في حالات الاستقطاب الشديد، فالإعلام الحر والمستقل لا يعجب أحداً، لا السلطات في السويداء ولا السلطات في دمشق”.
ورغم أن “اللجنة القانونية العليا اشترطت الحصول على موافقة مسبقة للتصوير في مراكز الإيواء، إلا أن غالبية الصحفيين لم يلتزموا بهذا الإجراء”، بحسب الصحفي، مؤكداً أن “مسألة فرض خطوط حمراء على التغطية من الفصائل حديث مبالغ فيه”، وقال:” لم يفرض علينا أحد ذلك”.
الحرق الاجتماعي
كثيراً ما تعرضت سارة حميد لحملات تشويه السمعة و”الحرق الاجتماعي” قبل سقوط نظام الأسد، من قبل النظام نفسه وشخصيات محسوبة عليه، ومع ذلك “لم نهتم لمثل هذه الحملات حينها لأن المجتمع داعم لنا”، لكن اليوم “المجتمع المحلي لا يحميك لو قرروا حرقك واتهموك أنك من حكومة دمشق”، كما قالت.
وأضافت: “في أغلب حالات الخطف والقتل التي جرت في السويداء، كانوا قبل تنفيذها يحرقون الشخص اجتماعياً عبر تخوينه بين الناس وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لا تتحرك عائلته للمطالبة به، وفي بعض الحالات كانوا لا يحرقون الشخص نفسه بل يحرقون العائلة كلها”.
وفي هذا السياق، قال الصحفي السعيد: “إن سياسة الاغتيال الاجتماعي التي يمارسها الهجري ضد أي شخص يأخذ موقف عقلاني هي سياسة خطيرة”، إذ تمكن الهجري من إقصاء شيخي العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي إضافة إلى زعامات اجتماعية مثل الأمير عاطف هنيدي، عبر اغتيالهم اجتماعياًً بسبب مواقفهم.
وأضاف: “هذه السياسة تشكل خطراً وجودياً على السويداء كلها بين المكونات السورية، وهي خطر يحاول طمس هوية الطائفة الدرزية الإسلامية ونزعها من عمقها الإسلامي والعربي والوطني باتجاه تشكيل هوية دخيلة، وتشكيل قومية باسم الدروز”.
وحذّر السعيد من أن “محاولة [الهجري] سلخ الطائفة لصالح مشروع طلائع الباشان، هو بمثابة مشروع تهجير للدروز من مناطقهم، ويحول القضية إلى صراع داخل البيت الداخلي نفسه”.
أهالي السويداء “يعرفون حقيقة أن الهجري يستثمر دماء الناس ويصادر رأيهم، ولكنهم لا يستطيعون الانتقاد أو الاعتراض على وسائل التواصل الاجتماعي أو في الشارع، ويكتفون بالحديث عن ذلك في المضافات وفي مجالسهم الخاصة”، بحسب الشاعر.
