“داعش” في سوريا: تراجع عسكري ورهان على تعثر المرحلة الانتقالية
تحت ضعط الحملات الأمنية التي تقوم بها الحكومة السورية في سياق مكافحة تنظيم الدولة (داعش) يبدو أن الأخير غير قادر على العودة للسيطرة المكانية في سوريا، لكنه يحاول الحفاظ على حضوره عبر عمليات محدودة ورهانات أكبر على الفوضى وفشل المرحلة الانتقالية.
30 يونيو 2026
باريس – تبنى تنظيم الدولة (داعش)، في 21 حزيران/ يونيو الحالي، مقتل عنصرين من مرتبات وزارة الدفاع السورية، في قرية صلحة قرب مدينة منبج شرقي حلب، بعد أيام من تبنيه هجمات أخرى طالت مقراً أمنياً في مدينة الرقة، ومسؤولاً قضائياً في ريف دمشق، واستهداف حافلة مبيت عسكرية في الحسكة.
وتتزامن هذه العمليات مع إعلانات متكررة لوزارة الداخلية السورية عن تفكيك خلايا مرتبطة بالتنظيم واعتقال عناصر منه في محافظات عدة. آخرها، إلقاء وزارة الداخلية القبض على أحد قادة تصنيع المتفجرات لدى “داعش” في المنطقة الشرقية من سوريا.
ورغم أن عمليات التنظيم هذه، لا تبدو في حجمها العسكري مؤشراً على عودة التنظيم إلى مرحلة السيطرة المكانية -التي كان عليها قبل انهيار خلافته المزعومة في العام 2019- أو قدرته على تنفيذ هجمات واسعة ومركبة، كما كان الحال في سنوات سابقة. فإنها تكشف محاولة التنظيم الحفاظ على حضوره الأمني والإعلامي، عبر عمليات صغيرة ومنخفضة الكلفة، تستهدف عناصر الجيش والأمن وشخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة السورية أو تضرب مناطق رخوة أمنياً.
من منظور أمني، يرى الباحث العسكري والضابط المنشق عن النظام البائد رشيد حوراني، أن التنظيم يعمل حالياً وفق اتجاهين: “تنفيذ عمليات محدودة في مناطق انتشاره السابقة، لاسيما شرقي سوريا”، وكذلك “محاولة إيقاظ عملائه في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية” لتنفيذ عمليات ضد قواتها. وتهدف هذه التحركات إلى “شق عصا الحكومة وإضعافها وإرباكها في الوقت الذي تتجه فيه لبناء الدولة”، قال حوراني لـ”سوريا على طول”.
وفي أعقاب سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، انتقل التنظيم من استراتيجية الانتشار في “الفضاءات المفتوحة” مثل البادية السورية إلى محاولة التغلغل في المدن، إلا أنه اصطدم بالإجراءات الأمنية الحكومية، بحسب الباحث محمد أديب.
وقال أديب لـ”سوريا على طول”: “كلما ارتفعت وتيرة عمليات الحكومة ضد داعش، تصاعدت وتيرة عمليات التنظيم الصغيرة، مقابل تراجع قدرته على تنفيذ العمليات الاستراتيجية والمؤثرة”.
تفتح هذه الطروحات الباب للسؤال عن شكل حضور تنظيم “داعش” الحالي في سوريا، ومدى تأثير الضربات الأمنية الحكومية في بنيه ونشاطه، وهل يتجه التنظيم إلى التفكك أم يعيد التكيف مع الواقع الجديد؟
خلايا التنظيم تحت الضغط
كثفت وزارة الداخلية السورية، مؤخراً، إعلاناتها عن عمليات أمنية استهدفت خلايا مرتبطة بتنظيم “داعش”، في سياق ملاحقة التنظيم وتعطيل قدرته على تنفيذ هجمات جديدة. وبحسب إحصائية نشرتها الوزارة في 8 حزيران/ يونيو الحالي، أوقفت إدارة مكافحة الإرهاب بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة 235 عنصراً من “داعش” خلال ثلاثة أشهر (198 سورياً و 37 أجنبياً). وتضمنت الحصيلة، تفكيك سبع خلايا وإحباط سبع عمليات إرهابية، إضافة إلى ضبط أسلحة وآليات وأجهزة معدة للتفجير.
وأثرت عمليات وزارة الداخلية السورية، “كثيراً في بنية التنظيم”، لأسباب عدة، أبرزها: “جدية الحكومة السورية في استهداف التنظيم، انتهاء العلاقة التخادمية غير المعلنة بين التنظيم وبعض الأطراف الأخرى بسبب خروجها من الساحة السوري، كقسد وإيران”، إضافة إلى “انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب“، وهو ما جعل تحركات التنظيم “صعبة”، بما في ذلك في مناطق انتشاره السابق، التي أعادت القوات الحكومية الانتشار بها، بحسب الباحث العسكري رشيد حوراني.
ولا تتعقب الحكومة السورية العمليات المنفذة التي يقوم بها عناصر داعش فقط، إنما “تركز على تتبع الخلايا والشبكات وتفككها”، بحسب الباحث أديب. مشيراً إلى أن “العمليات الحكومية تركز على التفكيك الكامل لشبكات التنظيم، وليس القبض على عنصر أو اثنين”، وهو ما يعكس استراتيجية دمشق في “ضرب البنية التنظيمية واللوجستية لداعش”.
وقال أديب: “فقد التنظيم جزءاً من هامش الحركة الذي كان يملكه سابقاً في البادية السورية ومناطق النفوذ المتداخلة بعد سقوط نظام الأسد”، وذلك لكون “انتشار القوات الحكومية، اليوم، هو حقيقي، خاصة مع اعتماد الحكومة على العناصر المحلية من أبناء المنطقة الذين يعرفون الطبيعة الجغرافية للمنطقة”.
واستغل التنظيم طيلة السنوات التي سبقت سقوط النظام البائد المساحات الواسعة في البادية السورية للانتقال بين مناطق نشاطه في سوريا والعراق، لاسيما مع الفراغات الأمنية التي تركتها الميليشيات الإيرانية وقوات الأسد وروسيا في البادية السورية.
ويتفق الباحثان أديب وحوراني، على أن التنظيم لم يفقد قدرته على الحركة، إذ يحاول بشكل دائم أن “يستفيد من نتائج الفوضى”، قال حوراني. في السياق ذاته، أشار أديب، إلى “تراجع قدرة “داعش” على تنفيذ عمليات ذات بعد استراتيجي وكبيرة، مقابل اعتماده على عمليات أصغر تستهدف عناصر الحكومة في المناطق المفتوحة والأطراف، حيث تكون القبضة الأمنية أضعف من مراكز المدن”.
لكن، تفكيك خلايا التنظيم المحلية، لا يعني بالضرورة تفكيك بنية التنظيم ككل، فمنذ خسارة التنظيم في الباغوز بريف دير الزور عام 2019، “تحول التنظيم من منظمة مركزية إلى منظمة لامركزية تعمل بنظام الخلايا العسكرية والأمنية، بمعنى أن هناك مركزية في اتخاذ القرار وتحديد الأهداف، ولا مركزية في التنفيذ تترك للأفراد والخلايا”، بحسب الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية.
“ولم يفقد التنظيم قدرته على التكيف، ويحاول أن يقتصد في عملياته، مع الحفاظ على القدرة التشغيلية والخطاب الأيديولوجي، الذي يستهدف نزع الشرعية عن السلطة الجديدة في دمشق”، قال أبو هنية لـ”سوريا على طول”.
إذ يراهن التنظيم على ما يسميه “الصبر الاستراتيجي” وانتظار مآلات الوضع السوري، قال أبو هنية. معتبراً أن “قوة التنظيم موضوعية أكثر من كونها ذاتية، أي ترتبط بوجود اختلالات أمنية وسياسية واقتصادية يمكن أن يستثمرها”.
عمليات صغيرة ورسائل أبعد
رغم تراجع قدرته على تنفيذ عمليات واسعة أو مركبة، واصل التنظيم حضوره خلال الأسابيع الأخيرة عبر هجمات محدودة، بعضها استهدف نقاطاً ذات دلالة أمنية وسياسية. ففي الرقة تبنى التنظيم هجوماً على مقر أمني، وفي ريف دمشق استهدف مسؤولاً قضائياً بمنطقة ببيلا، كما تبنى مقتل عنصرين من وزارة الدفاع في شرق حلب، بالتزامن مع هجوم على حافلة مبيت عسكري في الحسكة.
تكشف هذه العمليات المتكررة في الأشهر الأخيرة عن طبيعة الأهداف التي يختارها التنظيم، فبحسب الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، فإن “التنظيم في هذه المرحلة لا يزال يحافظ على قدرة تشغيلية من خلال عمليات محدودة، تركز على محاولة اغتيال رموز النظام الجديد، وتوجيه ضربات تعيد حضوره إلى الواجهة، من دون الذهاب إلى عمليات كبرى أو مفتوحة”. بينما في الوقت ذاته، “يعمل على إعادة العمل كمنظمة وترسيخ فكرة الخلايا العسكرية المتواجدة في مناطق الفراغ الأمني وداخل المدن، ويحاول استقطاب وتجنيد أكبر عدد ممكن وبناء شبكة واسعة في مناطق مختلفة”.
في السياق ذاته، قال الباحث أديب، أن التنظيم، اليوم، يعتمد على مستويين من العمليات، الأول: “عمليات ذات طابع رمزي، تستهدف أماكن وشخصيات يمكن أن تخلق أثراً يتجاوز الفعل الأمني نفسه”، والثاني: “استهداف عناصر الحكومة في مناطق مفتوحة وبعيدة على الأطراف”.
بدوره، قال الباحث العسكري حوراني، “حاول داعش التشويش على الحكومة السورية فيما يتعلق بالطائفية”، من خلال استهداف شخصيات أو مواقع ذات حساسية دينية واجتماعية، بما يهدف إلى توسيع أثر العملية من بعدها الأمني إلى بعدها السياسي والمعنوي.
رهان على الفوضى
تكشف عمليات التنظيم الأخيرة كيف يحاول الحفاظ على حضوره تحت الضغط والتكيف بشكل مستمر مع الواقع الأمني، لذا فإن مستقبل “داعش” في سوريا، قد لا يرتبط بقدرته العسكرية فقط، بل أيضاً بالظروف التي يمكن أن تسمح له بإعادة إنتاج نفسه، فمنذ خسارته السيطرة المكانية قبل سنوات، وتراجع قدرته على تنفيذ العمليات الواسعة والمركبة، ظل التنظيم يملك هامشاً للحركة، لاسيما حيث تتوفر له بيئات رخوة أمنياً أو توترات سياسية واجتماعية.
إذ حافظ التنظيم خلال السنوات الماضية قبل سقوط النظام البائد على “نسق ثابت من العمليات المركبة في سوريا”، قبل أن ينخفض مستوى عملياته بعد سقوط النظام، مع محاولة التنظيم التركيز على “إعادة تشكيل خطابه الأيديولوجي والفقهي والفكري، وكذلك الهيكل التنظيمي”، قال أبو هنية.
وأضاف: “بدأ التنظيم ببناء دعاية في كيفية التعامل مع النظام الجديد، وتدرج وصولاً إلى القول بأنه مرتد وكافر، ولا يطبق أحكام الإسلام والشريعة، وعمل للولايات المتحدة ومتهاون مع إسرائيل”، وبالتالي حاول التنظيم “نزع الشرعية عن حكومة الشرع [الرئيس السوري أحمد الشرع]، التي حصلت على شرعيتها بعد إسقاط نظام قاتل مجرم وطائفي، والتنظيم يدرك الحاضنة الشعبية والدعم الكبير الذي تحظى به إدارة الشرع لذا تدرج في خطابه وفي تصادمه وعملياته”.
“قوة التنظيم موضوعية أكثر من إنها ذاتية”، بمعنى أنها لا تقوم فقط على ما يمكله من خلايا وتمويل وخطاب أيديولوجي، بل “على ما يحيط به من اختلالات، فالتنظيم يراهن على الفوضى وفشل النظام الجديد، وينتظر مآلات الوضع السوري، لاسيما في ظل عدم وضوح شكل الدولة وتعقيدات العلاقة مع القوى المحلية والعوامل الإقليمية والدولية المحيطة بسوريا”، قال أبو هنية.
ووفق هذه القراءة، “لا يبدو التنظيم مستعجلاً للعودة إلى عمليات كبيرة ومواجهة مفتوحة، فهو يراقب مسار المرحلة الانتقالية وما قد تنتجه من أزمات”، على صعيد الاقتصاد والبطالة، والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والملفات الداخلية المتعلقة بالمقاتلين الأجانب وقوات سوريا الديمقراطية، والسويداء، قال أبو هنية. مضيفاً “كل هذه الملفات في حال بقيت مفتوحة أو أُديرت بطريقة تزيد التوتر يمكن أن تتحول إلى مادة يستثمرها التنظيم في الدعاية والاستقطاب”.
إضافة إلى ما سبق فإن “إسرائيل تلعب دوراً حاسماً في الملف السوري، وهي تملك نظرة عدائية جداً تجاه سوريا، وتريدها مقسمة ومفتتة، وهذا يساعد تنظيم الدولة، لذا فمستقبل التنظيم مرتبط بمستقبل الإقليم ولا نعرف حتى الآن شكل الإقليم، خاصة بعد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، والتنظيم ينتظر حالة الفوضى والفشل”، قال أبو هنية.
في السياق ذاته، حاول التنظيم الاستثمار في ملف المقاتلين الأجانب في سوريا، فبحسب الباحث حوراني، “دعا التنظيم المقاتلين الموجودين في صفوف الجيش السوري للانضمام إليه، مستخدماً خطاباً يتهم الحكومة بالعلمانية”.
من جهته، يرى الباحث أديب أن مكافحة “داعش” لا يمكن أن تبقى أمنية فقط، لأن “التنظيم يربط وجوده ببعد أيديولوجي و فلسفي وفكري”، إضافة إلى أنه “يحاول تقديم نفسه كملاذ للساخطين أو المعترضين على سياسات الحكومة وتوجهاتها”. لذا فإن التحدي لا يقتصر على ملاحقة شبكات وخلايا التنظيم، بل على “معرفة الشرائح التي يحاول استقطابها، ومعالجة أسباب سخطها قبل أن ينجح التنظيم في استقطابها”.
وقال أديب إلى أن “التنظيم ما يزال قادراً على التجنيد، وإن كان ليس بنفس القدرة السابقة، بسبب محدودية موارده وتراجع قدرته على الحركة”، مشيراً إلى أن خطورة التنظيم “تكمن في بحثه المستمر عن شرائح أكثر قابلية للتأثر بخطابه، سواء من الساخطين على سياسات الحكومة أو من الفئات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً، أو من أشخاص يملكون اندفاعاً دون معرفة كافية بطبيعة التنظيم وخطورته”.
وأضاف: “الأخطر هو أن يستثمر التنظيم في شبكات نظام الأسد من الفلول وشبكات المخدرات التي تواجه ضغط مستمر من قبل الحكومة، ويتحول إلى ملاذ ومهرب آمن لهذه الشبكات، حتى وإن كانت لا تتبنى أفكار التنظيم، لاسيما وأن التنظيم استثمر خلال السنوات السابقة في شبكات المخدرات التي تقاطعت مصالحها معه”.
“يُعتبر حجم التحدي المرتبط بوجود التنظيم ضخم، ويرتبط بعوامل كثيرة تجعل منه تحدٍ عابر للحدود، من قبيل: اتساع الصحراء في سوريا والعراق والأردن، وتواجد بؤر نشطة للتنظيم في العراق، تواجه الحكومة العراقية تحديات في مكافحتها وضبطها”، إضافة إلى أن “السياسات الحكومية لا تراعي سياق تشكل ونشاط التنظيم. فرفع حدة الضغط الأمني والإجرائي تجاه “شرائح معينة في المجتمع واقصائها سياسياً واجتماعياً، يزيد من قدرة التنظيم على استقطاب هذه الفئات”، لذلك “تحتاج معضلة تفكيك التنظيم إلى العمل الجاد لتكون أكثر تكاملية وتعاون في الأدوار بين القوى الإقليمية، وأكثر شمولية من ناحية السياسات والإجراءات الأمنية والاجتماعية والتنموية بما يضمن معالجة أكثر ديمومة للمعضلة”، وفق أديب.
وختم حوراني: “مع مضي الدولة السورية في تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، أعتقد أنه خلال عام على الأرجح ينتهي عمل داعش وقدرته على التجنيد وتنفيذ العمليات في مناطق الدولة السورية المختلفة”.
