4 دقائق قراءة

ذوو المعتقلين في ذكرى سقوط الأسد: فرحة لا تكتمل من دون عدالة

مشاعر مختلطة تنتاب ذوو المعتقلين، الذين ماتوا تحت التعذيب في سجون النظام، لأن الفرح بسقوط نظام الأسد، الذي كان سبباً بموت أحبائهم لا يكتمل من دون تحقيق العدالة


8 ديسمبر 2025

دمشق- خرج السوريون اليوم إلى شوارع العاصمة دمشق وساحاتها والعديد من المدن السورية الأخرى، احتفالاً بالذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، بعد عملية “ردع العدوان” العسكرية، التي شنتها فصائل المعارضة السورية العام الماضي، وأطاحت بحكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من خمسة عقود.

“زال الخوف والرعب، ولم يبق شيء اسمه تعذيب ولا اختفاء قسري في السجون، وتشعر أن عناصر الأمن العام، المتواجدين على الحواجز حالياً، من الشعب، كلهم مبتسمين”، قالت رقية الشيخ، 45 عاماً، من محافظة دير الزور، التي شاركت في وقفة نظمتها رابطة عائلات قيصر، مجموعة من العائلات التي فقدت أحبتها في سجون النظام، في العاصمة دمشق.

وزعت رابطة عائلات قيصر وروداً وبطاقات لتقول “إن الذاكرة حاضرة، وإن دفء الوردة قد يكون بداية طريق لوطن يعود فيه الفرح… ويعود فيه كل غائب”. ومع تمسكها بـ”الأمل”، شددت الرابطة على سعيها بكل ما تستطيع “لتحقيق العدالة، التي نرجوا أن تقترب أكثر، ليجد كل قلب طريقه إلى السلام”.

رقية الشيخ زوجة عقبة علي المشعان، الذي اعتقله نظام الأسد في أواخر آذار/ مارس 2012، وفي منتصف آذار/ مارس من عام 2015 عثرت على صورته ضمن “صور قيصر”، وهي مجموعة تزيد عن 50 ألف صورة، تظهر آلاف المعتقلين الذين قتلوا في زنازين النظام.

“أنا لي من [عقبة] طفلتين، ترك لي طفلة عمرها خمسة أشهر، وطفلة عمرها سنتين ونصف آنذاك. أخذوه من حاجز يتبع لفرع المخابرات الجوية أثناء ذهابه إلى دوامه”، قالت الشيخ لـ”سوريا على طول”. بحثت عائلته عنه في أفرع النظام بدير الزور، “بعد شهر وصلنا خبر أنهم نقلوه  بالطائرة إلى دمشق”.

استمرت عملية البحث ثلاث سنوات “عن طريق محامين، وضباط. ابتزّونا بالمال، أخذوا منا أموالاً طائلة، كان عندنا ذهب، وأهله باعوا بيتهم من أجله، وبعد آخر مبلغ أخذوه منا بعشرين يوماً ظهرت صورته ضمن صور قيصر”، بحسب الشيخ، قائلة: “قالوا لنا بأنهم سيطلقون سراحه وأنه على قيد الحياة، ولكن تبين أن كلامهم كذب، وأنه توفي تحت التعذيب من أول شهر بعد اعتقاله”.

رغم حجم خسارتها، بفقدان شريك حياتها وأب طفلتيها، عبّرت الشيخ عن سعادة غامرة بسقوط النظام “بعد أن عانينا من الظلم، من الحواجز، ومن الابتزاز”، وأضافت: “أنا سعيدة جداً اليوم، اليوم هو يوم عزنا ونصرنا، يوم كرامتنا، ويوم تحررنا من الظلم والاستعباد والاستبداد. اليوم شعرنا بكرامتنا كمواطنين، بينما كنا سابقاً أذلّة، وكان حاكمنا مستبد ظالم”.

ومع أن “الوضع المادي مازال سيئاً [ويعاني الناس] من الفقر، إلا أننا تنفسنا الصعداء وارتاحت نفوسنا”، بحسب الشيخ، معتبرة أن الأمور في سوريا تسير “نحو الأفضل”.

وشددت الشيخ على العدالة، التي تتمثل من وجهة نظرها بـ”محاسبة الجلادين، محاسبة السجانين، وعلى رأسهم بشار الأسد نفسه. نطالب بمحاسبته وعقابه”. 

وعلى صعيد آخر، ترى الشيخ أنه من حق أبناء وذوي المفقودين في سجون النظام “التعويض”، قائلة: “عندي بنتين ليس لهم معيل. نحن عانينا وضحّينا، لذا نريد تأمين تعليم [أطفالنا] ومصدر معيشة لهم، بالإضافة إلى السكن”.

أطفال يشاركون في وقفة نظمتها رابطة عائلات قيصر، لذوي المفقودين في سجون نظام الأسد وأبنائهم، عند الجامع الأموي بدمشق، 08 /12/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

أطفال يشاركون في وقفة نظمتها رابطة عائلات قيصر، لذوي المفقودين في سجون نظام الأسد وأبنائهم، عند الجامع الأموي بدمشق، 08 /12/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

فقدت فاطمة النزال، 48 عاماً، زوجها ماهر عبد العزيز العلي، في شباط/ فبراير 2012 بمدينة دمشق، ومن حينها حاولت أن تصل إلى معلومة عنه لكن “من دون نتيجة”، قائلة لـ”سوريا على طول”: “راجعنا الدوائر الحكومية ولم نجد اسمه”، وعندما تم تسريب صور قيصر “وجدنا صورة زوجي من بين المتوفّين تحت التعذيب”.

الفرحة ذاتها تعيشها النزال، رغم مصابها، معتبرة أن “النصر، التحرير، هو العزاء الوحيد، ولا نعطي فرحتنا لأحد”.

“نتمنى من الجهات المعنية محاسبة كل من عمل على إيذاء إنسان”، قالت النزال، متأملة أيضاً أن “تستطيع الحكومة معرفة الأماكن التي دُفن فيها الشهداء”. منذ سقوط النظام، عُثر على العديد من المقابر الجماعية لضحايا قضوا على يد نظام الأسد. 

وكذلك، طالبت النزال الحكومة الجديدة بـ”النظر إلى حالنا. نحن عائلات متعبة وفقيرة، لا بيوت ولا رواتب شهرية، وعندنا أطفال أيتام في مراحل عمرية صغيرة، نتمنى أن يواصلوا تعليمهم”.

رغم أن صور قيصر انشرت عام 2014، إلا أن عائلة جودي الحلاق، 19 عاماً، لم تجد صورة والدها إلا عام 2020. قالت لـ”سوريا على طول”: “اعتقل والدي وتوفيّ في المعتقل عام 2013، ولكن لم نعرف أنه توفي إلا عام 2020”.

في الذكرى السنوية الأولى لسقوط النظام أحسّت الحلاق بـ”مشاعر مختلطة جداً. أتذكر ما حدث في الماضي، وكيف كان النظام يتعامل معنا، وأقارن ذلك بمعاملة الجيش اليوم”، كما قالت.

جموعٌ من السوريين تحت جسر الحرية، المعروف سابقاً بجسر الرئيس، في وسط دمشق، أثناء توجههم إلى ساحة الأمويين للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، 08/ 12/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول).

جموعٌ من السوريين تحت جسر الحرية، المعروف سابقاً بجسر الرئيس، في وسط دمشق، أثناء توجههم إلى ساحة الأمويين للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، 08/ 12/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول).

وأضافت: “أنا سعيدة جداً بسقوط النظام وتحرير سوريا، ولكن في نفس الوقت لست سعيدة بما يخص المعتقلين والمغيبين قسراً. لحد الآن لا يوجد أحد يعمل على موضوعهم بشكل جدي، وما زلنا كأهالي المعتقلين تائهين بين منظمات المجتمع المدني وبين الحكومة وبين الهيئات”.

“العهد الجديد في سوريا محا عهد الإجرام، ونطمح أن تكون سوريا حلوة، من دون اختفاء قسري، وفيها عدالة للجميع”، بحسب الحلاق.

تريد الحلاق تنفيذ “العدالة لكل السوريين قولاً وفعلاً، ليس فقط للذين تعرضوا لانتهاكات على يد النظام الأسدي، وإنما من كل الجهات: هيئة تحرير الشام، داعش، وقسد”. وفي السياق ذاته تطالب بـ”العدالة للشهداء، وأن لا يتم تعويم الأشخاص المسيئين والمجرمين، لأننا نريد أشخاصاً نظيفين يعملون للبلد”.

شاركت ناتاشا دنون في إعداد هذا التقرير من دمشق

شارك هذا المقال