6 دقائق قراءة

ردود فعل متباينة حول أول انتخابات لمجلس الشعب في سوريا بعد الأسد

شهدت سوريا أول انتخابات برلمانية بعد سقوط الأسد، وهي عملية غير مباشرة، وسط ردود أفعال متباينة، إذ يجدها البعض خطوة إيجابية، فيما ينتقدها آخرون لغياب الشفافية.


6 أكتوبر 2025

دمشق- شهدت سوريا، أمس الأحد، أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام الأسد، بآلية تصويت غير مباشر عبر هيئات ناخبة، لاختيار أعضاء مجلس الشعب، لفترة مؤقتة مدتها ثلاثين شهراً قابلة للتمديد.

مع انطلاق عملية الاقتراع، أشاد الرئيس أحمد الشرع بـ”اللحظة التاريخية”، لأن سوريا تمكنت خلال أشهر قليلة من الدخول في عملية انتخابية تتناسب مع ظروفها الراهنة.

وتُعد هذه العملية الانتخابية غير مسبوقة وغير اعتيادية في البلاد. إذ لم تُنظم حملات انتخابية عامة، ومعظم المواطنين ليست لديهم فرصة للتصويت لممثليهم، ناهيك عن أن ثلاث محافظات سورية ما تزال خارج سيطرة الحكومة المركزية (السويداء، الرقة، ودير الزور)، لذا تم تأجيل الانتخابات فيها بسبب المخاوف الأمنية، بحسب مسؤولين حكوميين.

الناخبون يوم الأحد كانوا من أعضاء الهيئات الانتخابية على مستوى الدوائر، التي شكّلتها اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، المؤلفة من عشرة أعضاء اختارها الرئيس الشرع.

صوّت هؤلاء لاختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب البالغ عددهم 210 من بين قائمة تضم 1,578 مرشحاً، ويختار الرئيس مباشرة 70 عضواً المتبقين. أما المقاعد الباقية فهي 19 مقعداً مخصصاً للسويداء والرقة والحسكة. 

وقد صدرت النتائج الأولية تباعاً مساء يوم الأحد، على أن تعلن النتائج النهائية اليوم الاثنين أو غد الثلاثاء بعد إعطاء الفرصة للطعون. 

يرى كثير من السوريين أن عملية الاقتراع غير المباشر تمثل ضرورة عملية نظراً إلى التحديات التي تواجهها البلاد. إذ لم يُجرَ أي تعداد سكاني منذ عام 2010، فيما الملايين من المواطنين بين نازح ولاجئ، وكثيرون فقدوا وثائقهم الشخصية خلال الحرب. كما أن البلاد تخرج من عباءة الأسد بعد حكم استمر لأكثر من 50 عاماً، خلالها كانت الانتخابات صورية، وتعرضت الأحزاب السياسية الفاعلة لقمع ممنهج.

في المقابل، يرى آخرون، من بينهم طيف من منظمات حقوق الإنسان السورية، أن الانتخابات لا تستوفي أبسط المعايير الديمقراطية. وحتى في يوم الاقتراع نفسه، ظل بعض سكان دمشق مرتبكين بشأن آلية الاختيار، معتقدين أن الانتخابات عبر التصويت المباشر من المواطنين.

انتخابات “واعدة”

ظنّ مازن السادات، 69 عاماً، وهو مهندس متقاعد، أن التصويت مباشر كما هو حال النظام الانتخابي في لبنان، معبراً عن أمله في “اختيار ممثلين أثق بهم و يمثلون صوت الشارع”، كما قال لـ”سوريا على طول”، واصفاً الانتخابات بأنها “خطوة جديدة ومتقدمة في هذا البلد -انتخابات حقيقية لا شكلية كما في السابق – باتجاه تمثيل حقيقي لمكوّنات سوريا [العرقية والدينية]”.

أما آخرون ممن تابعوا عن كثب عملية الاقتراع غير المباشر قبل يوم الأحد، فاعتبروا أن النظام، وإن كان أقل من المثالي، فإنه واقعي بالنظر إلى التحديات الراهنة التي تواجهها سوريا.

قالت سِدرة العزي، 20 عاماً، طالبة في السنة الثالثة بكلية الهندسة في جامعة دمشق، لـ”سوريا على طول”: “أرى أن الانتخابات واعدة، وآمل أن تكون جزءاً من التحول السياسي الإيجابي”. وأضافت: “ليس ضرورياً أن تكون [الانتخابات] مثالية منذ المرة الأولى، من الطبيعي أن ترتكب الحكومة الجديدة أخطاء وألا ترضي الجميع”.

قالت العزي: “أعتقد أن معظم المرشحين مؤهلون، بغض النظر عن كيفية اختيارهم كناخبين، لكن معظمهم تم انتقاؤهم بالدرجة الأولى بسبب خبرتهم وكفاءتهم”. ورأت أن الانتخابات ستكون “طريقة عادلة لمعرفة رأي الناس فعلاً”.

واتفق معها علي سليمان، 39 عاماً، ناشط مدني من الرقة يقيم في دمشق، قائلاً: “الانتخابات خطوة جيدة لأن البلاد بحاجة إلى مجلس تشريعي”، مضيفاً “من وجهة نظري، من الطبيعي أن تكون الانتخابات تمثيلية وناقصة في آن، لأن البنية التحتية للانتخابات غير جاهزة”، في إشارة إلى غياب التعداد السكاني.

وأضاف: “المشكلة أن الناس يظنون أنهم يعيشون في ديمقراطية راسخة، بينما الواقع أنهم في دولة مدمرة تخطو نحو البناء”.

وفي النهاية، رأى سليمان أن العملية الانتخابية الحالية هي “ضرورة، مع أنها ليست مثالية”، قائلاً:  “لم يكن هناك حياة سياسية [في ظل الأسد]. إذا أردت ديمقراطية، فأنت بحاجة إلى بنية تحتية ديمقراطية، بدءاً من السماح بعمل منظمات المجتمع المدني وغيرها”.

وينص الدستور المؤقت في سوريا (الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار/ مارس) على “ضمان عمل الجمعيات والنقابات”، لكنه يترك مسألة تشكيل الأحزاب السياسية خاضعة لـ”قانون جديد”.

ترسيخ السلطة التنفيذية

أما آخرون، مثل محمد الميداني، 27 عاماً، صاحب مقهى في دمشق، اعتبروا أن انتخابات مجلس الشعب ليست ذا قيمة كبيرة، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “أي شيء أقل من الانتخابات الرئاسية غير مفيد. لا تهمني بقدر ما يهمني رئيس الحكومة، أي الرئيس، لأنه هو من يحكم كل شيء حالياً”. الميداني كان يعتقد في البداية أن ما تشهده البلاد انتخابات رئاسية.

ورأى الميداني أن قوة الشعب السوري آخذة في “الانكماش”، وتتركز بشكل متزايد في يد الرئيس، الذي يعتقد أنه اختير من قبل “دول خارجية، سواء عربية أو غربية”.

وقد أثارت منظمات سورية ودولية مخاوف مماثلة من أن الإعلان الدستوري، الذي سيحكم البلاد حتى يتم صياغة دستور جديد والتصديق عليه من قبل البرلمان، يرسخ السلطة في يد الرئيس ويقوّض استقلال القضاء.

أبدى الميداني تشاؤمه إزاء قدرة مجلس الشعب على لعب دور رقابي لسلطة الرئيس، معتبراً أن “رئيس الجمهورية العربية السورية لديه حق النقض [الفيتو] على القوانين أو يوافق عليها. في النهاية نعود إلى الرئيس، إلا إذا حصل [هناك] تصويت بثلثي الأعضاء لتجاوز الفيتو الرئاسي، وهذا مستحيل”.

إلى جانب التعيين المباشر من قبل الشرع لثلث أعضاء مجلس الشعب، فإن استبدال أي عضو في مجلس الشعب في حال استقالته أو وفاته أو فقدانه للأهلية من صلاحيات الرئيس.

مجلس الشعب السوري قبيل الانتخابات البرلمانية، 02/ 10/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول) 

مجلس الشعب السوري قبيل الانتخابات البرلمانية، 02/ 10/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)

“ليست انتخابات وإنما تعيين”

يتشارك مدنيان الرأي مع البيان الصادر عن ائتلاف 14 منظمة مجتمع مدني، في منتصف أيلول/ سبتمبر، في أن العملية الانتخابية غير المباشرة “تكشف عن منظومة انتخابية تعاني خللاً بنيوياً عميقاً، يجعلها بعيدة عن تحقيق الحد الأدنى من المعايير الدولية للمشاركة السياسية”، رغم إدراك المنظمات بـ”صعوبة تنظيم انتخابات عامة مباشرة في المرحلة الراهنة”.

وقال بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، إحدى الجهات الموقعة على البيان: “لدي مشكلة جوهرية مع تسمية هذه العملية بالعملية الانتخابية. لا توجد عملية انتخابية؛ هي ليست انتخابات وإنما تعيين. رئيس الجمهورية يعيّن ثلث [أعضاء مجلس الشعب] ويعيّن مجموعة تقوم بتعيين الباقي”.

وأشار البيان المشترك إلى غياب “الرقابة القانونية المستقلة”، بالنظر إلى أن لجان الطعون، وهي هيئات قانونية تفصل في النزاعات الانتخابية، مرتبطة بالسلطة التنفيذية بدلاً من القضاء المستقل.

عينت اللجان الانتخابية المرشحين وفق معايير غير معروفة. راني علي، 41 عاماً، ناشطة نسوية وحقوقية، قدمت نفسها كمرشحة لكنها لم تُدرج ضمن القائمة النهائية المكوّنة من 1,578 مرشحاً. وحتى الآن، لا تعرف لماذا لم يتم اختيارها عن منطقتها، النبك في ريف دمشق.

قالت: “استوفيت جميع المؤهلات، لكن كل محافظة أو منطقة اختارت بناءً على معايير محددة، معايير مخفية”، مضيفة أنها على علم بوجود نساء أخريات في منطقتها قدمن طلبات ترشح أيضاً، لكن في النهاية تم اختيار المرشحين من الذكور فقط، إذ إن نسبة النساء في قائمة المرشحين النهائية لا تتجاوز 14 بالمئة.

وأشارت إلى أن “معظم المرشحين كانوا خارج سوريا أو يعيشون في مناطق خارج سيطرة النظام السابق، ولديهم علاقات جيدة مع الإدارة الحالية”.

كانت علي مترددة في المشاركة بالانتخابات بدايةً، لكنها في النهاية قررت أن تقدم نفسها، قائلة: “إذا أنا وأشخاص آخرون يؤمنون بالمصلحة العامة، ويؤمنون بالحاجة إلى التغيير، قررنا ألا نفعل شيئاً، فإننا بذلك نتخلى عن المساحات التي يُفترض بنا أن نناضل من أجلها”.

انتقد الأحمد “المصطلحات الفضفاضة” المحيطة بمن يُستبعدون من الانتخابات. ففي المرسوم الرئاسي الذي يحدد العملية الانتخابية، يمنع أي شخص يُعتبر “مؤيداً للنظام السابق” أو عضواً في “منظمات إرهابية” أو داعياً إلى “الانفصال أو التقسيم أو الاعتماد على قوى خارجية” من المشاركة.

وتساءل الأحمد: “هل يمكن للجنة [الانتخابات] أن تحقق مع ملايين الأشخاص بناءً على اتهامهم بأنهم من النظام السابق أو انفصاليين أو إرهابيين”، موضحاً أن الدعوات إلى اللامركزية أو الفيدرالية قد تُصنَّف على أنها انفصالية. بالنسبة لعلي، لا تعرف ما إذا كانت قد استُبعدت على هذا الأساس.

وتوقع الأحمد أن يكون مجلس الشعب الذي سيولد من هذه الانتخابات متماشياً مع عقيدة الحكومة القائمة، مضيفاً: “قد تكون هناك بعض الأصوات المعارضة في المجلس [التشريعي]، ولكن… في النتيجة سوف يكون مجلساً يتفق مع أيديولوجية هيئة تحرير الشام أو النظام الجديد. لن يكون هناك تمثيل حقيقي”.

هيئة تحرير الشام هي الفصيل المعارض الذي قاده الشرع في إدلب، قبل أن يتم حلها رسمياً في كانون الثاني/ يناير من هذا العام، لكن المقاتلين السابقين وأعضاء “حكومة الإنقاذ” المدعومة من هيئة تحرير الشام في إدلب ممثلون بقوة في الحكومة الجديدة في البلاد. ومع ذلك، لا يشغل سوى عضوين سابقين في الهيئة مقعدين ضمن اللجنة العليا للانتخابات المؤلفة من 11 عضواً التي اختارها الشرع بنفسه.

وصف الأحمد انتخابات الأحد بأنها الحلقة الأحدث ضمن سلسلة من إخفاقات الحكومة الانتقالية، إذ “كان هناك خطاب عن الحوار الوطني لكنه لم يكن حواراً وطنياً، وكان هناك خطاب عن العدالة الانتقالية لكنه اقتصر فقط على انتهاكات النظام”.

واتفقت علي مع ذلك، مضيفة: “نفتقد إلى الكثير من الشفافية، حتى على مستوى الحوار الوطني. قالوا إن تقريراً سيصدر، وفي النهاية لم يحدث شيء”، وختمت قولها: “تشعر أنهم فقط يؤدون واجباً شكلياً لا أكثر”.

شارك هذا المقال