سباق مع الجفاف: كيف يمكن التكيف زراعياً مع الواقع المائي في درعا؟
مع موجات الجفاف التي تجتاح سوريا، والتغيرات المناخية، تزداد الحاجة في المناطق الزراعية، بما فيها درعا، إلى التكيف الزراعي مع الواقع المائي الجديد، والعودة إلى المحاصيل التاريخية الأصيلة ذات الاستهلاك المائي الأقل.
1 أكتوبر 2025
باريس- أسوة بالعديد من فلاحي محافظة درعا، ينوي أبو خلدون، استبدال نصف مساحة محاصيله الصيفية بزراعات استراتيجية ذات مردود اقتصادي عالي، واستهلاك أقل للمياه وجهد أقل في العناية، من قبيل: الزيتون، العنب، والفستق الحلبي.
جاء قرار أبو خلدون، المزارع في ريف درعا الشمالي، بعد تكبده خسائر بزراعة المحاصيل الصيفية: البطيخ والطماطم (البندورة)، للعام الثاني على التوالي، مقدراً إجمالي الخسائر هذا العام وحده بنحو 30 ألف دولار أميركي، نتيجة تعرض إصابة الطماطم بآفة ألحقت بها ضرراً جزئياً، كما قال لـ”سوريا على طول”.
يعمل الفلاح الخمسيني في الزراعة منذ أكثر من 25 عاماً، وعلى مدار العام يزرع العديد من الأصناف الموسمية بشكل متلاحق. لكن خلال السنوات الأخيرة “صارت المواسم الصيفية والخريفية غير مربحة، وتكلفة إنتاجها مرتفعة مقابل أسعارها المتدنية عند طرحها في الأسواق”، ويعود ذلك إلى تفاقم آثار التغيرات المناخية من “زيادة في درجات الحرارة وظهور آفات وأمراض زراعية جديدة، وغوران الماء في باطن الأرض”، وهو ما يعمق أزمة الفلاحين في المنطقة، بحسب أبو خلدون.
تاريخياً، اشتهرت حوران بزراعة القمح، حتى عرفت باسم “أهراء روما” أي مستودع غذاء الإمبراطورية البيزنطية، لأن ناتجها من القمح كان يكفي روما، ويرسل إلى مصر ودور العبادة آنذاك، وذاع صيت القمح الحوراني في عهد الدولة العثمانية. لكن في بداية تسعينات القرن الماضي، برزت زراعة جديدة، أشهرها البندورة والبطيخ والخضراوات الصيفية، التي تحتاج كميات كبيرة من المياه.
تواجه سوريا هذا العام واحدة من أشد موجات الجفاف منذ أكثر من 60 عاماً، مع انخفاض حاد في معدل هطول الأمطار، هو الأدنى منذ عام 1997، ما ألحق أضراراً فادحة بالمحاصيل البعلية وجزئية بالمحاصيل المروية، كما فاقم أزمة مياه الشرب في عموم البلاد. إذ تراجع معدل الهطولات المطرية إلى 151 ملم في عام 2025 مقارنة بـ 293.5 ملم في العام الماضي.
ومع استمرار آثار التغيرات المناخية في المنطقة وما يترافق معها من موجات جفاف، يزداد الحديث عن ضرورة التكيف الزراعي مع الواقع المائي والمناخي الجديد في البلاد، لاسيما في جنوب سوريا، والعودة إلى المحاصيل التاريخية الأصيلة في سهل حوران من قبيل: القمح والشعير أو الزراعات الاستراتيجية ذات الاستهلاك المائي القليل والجدوى الاقتصادية المرتفعة.
زراعات استراتيجية
“توفي والدي وكانت وصيته ألا نزرع بندورة وخيار في الأرض”، قال معاوية الزعبي، الذي يدير اليوم مزرعة كروم عنب بريف درعا الشرقي، ورثها عن أبيه، الذي أنشأها في عام 2003. وتضم المزرعة إلى جانب العنب أشجاراً من الزيتون والرمان والدراق.
وقال الزعبي لـ”سوريا على طول”: “حوران منذ القدم هي أرض قمح وزيتون، هذه هي الزراعات الأصيلة والمتوطنة فيها، لكن في بداية تسعينيات القرن الماضي، صار فلاحو درعا يجلبون شبكات المياه من الأردن ومناطق مختلفة، وظهرت زراعات جديدة تستنزف مياه المنطقة”، مشيراً إلى أن “الطمع والجشع والرغبة بالربح السريع سيطرت على عقول الفلاحين إلى حد تحولت فيه الزراعة إلى أشبه بلعبة قمار، حيث يضع الفلاح أموال طائلة ثم ينتظر حظه في أن يجني ربحاً سريعاً أو يتكبد خسارة كبيرة”.
لكن، في عام 2013 تحولت مزرعة الزعبي إلى “حطب” نتيجة الحرب، قبل أن يعود في عام 2021 إلى زراعتها من جديد. جلب الزعبي أشجار العنب الصغيرة من لبنان، وعاد لإحياء مزرعة والده مرة أخرى بزراعة 11 صنفاً من العنب، وأصناف متعددة من الزيتون، وأشجار الرمان الذي زرعها كـ”سور” حول أرضه.
ورغم حرصه على زراعة أصناف لا تستنزف المياه، وجد الزعبي نفسه مضطراً إلى البحث من جديد “عن أصناف زراعية مقاومة للجفاف ولا تحتاج للكثير من المياه، وذات مردود اقتصادي جيد” من أجل مواجهة موجات الجفاف والتغيرات المناخية، لذا يجهّز حالياً حوالي 30 دونماً من أجل زراعتها بـ”الصبار الهجين” أو ما يعرف بالتين الشوكي.
“الصبار الهجين يعطي إنتاجاً عالياً، مرتين في العام، ولا يستهلك كميات كبيرة من المياه”، ناهيك عن أنه صنف لـ”التصدير الخارجي”، لذا فإنه “مجدٍ اقتصادياً أكثر من العنب”، بحسب الزعبي، مضيفاً: “العنب صنف جيد ومجدٍ، لكنه يحتاج أجواءً باردة خلال الشتاء ودرجات حرارة محددة، وهي شروط لم تعد تتحقق كثيراً في منطقتنا بسبب الجفاف والتغيرات المناخية”.
وأشار الزعبي إلى أن محصول العنب لهذا العام “كان جيداً”، لكنه ليس متأكداً من جدواه الاقتصادية خلال السنوات القادمة، بينما “الصبار أكثر مقاومة”، على حد قوله.
في السياق ذاته، كشف مهندس زراعي بمديرية زراعة درعا، عن توجه “الكثير من الفلاحين، خصوصاً في الريف الشرقي، إلى زراعة أشجار الصبار والفستق الحلبي، لأنها لا تحتاج لمياه كثيرة”، وكذلك “أشجار المشمش وبعض أصناف اللوزيات، التي يكون إنتاجها مبكر، أي في شهر أيار، وبالتالي لا تستهلك الكثير من المياه”.
وكذلك، “نلاحظ زيادة في زراعة الرمان والزيتون في المناطق الغربية من المحافظة، إضافة إلى المحاصيل الشتوية مثل الفول والبازلاء والملفوف والقرنبيط والجزر واللفت”، قال المهندس الزراعي لـ”سوريا على طول” شريطة عدم كشف هويته، كونه غير مخول بالحديث إلى وسائل الإعلام.
من جهته، شجع معاوية الزعبي الفلاحين على “العودة إلى الزراعات الأصيلة والمتوطنة في حوران، من القمح والزيتون، فهي زراعات استراتيجية، أو زراعات أخرى لا تستنزف الماء”، مشدداً على ضرورة “تنظيم زراعات البندورة والبطيخ والخضراوات بإشراف الحكومة، بحيث يحقق الفلاح الربح، ولكن في الوقت ذاته لا يستنزف مواردنا المائية”.
رسم بياني يوضح مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الزيتون المروية والبعلية في محافظة درعا للعامين 2011 و 2022، وأعدادها وإنتاجها، ويظهر الرسم تراجع المساحات المروية وأعداد الأشجار المروية إلى النصف، والبعلية بنسبة 20 بالمئة. فيما انخفض إنتاج الزيتون بشكل عام إلى قرابة الربع.
زراعات تستنزف المياه
“لم تكن الزراعات الشجرية معروفة في سهل حوران، الذي كان مركزاً مهماً تاريخياً لزراعة القمح منذ العهد الروماني”، لكن قبل عدة عقود “دخلت درعا في سباق متسارع مع زراعة مجموعة من المحاصيل الصيفية عالية الاستهلاك المائي ولا سيما البندورة والبطيخ إلى جانب دخول زراعة أشجار الزيتون بشكل واسع”، قال الدكتور موفق الشيخ علي، استشاري إدارة موارد طبيعية وبيئة، ومدير عام شركة الارض للتنمية المتطورة للموارد.
تعتبر محاصيل البندورة والبطيخ من “المحاصيل العصارية، أي محتوى الثمرة مكون من الماء بنسبة تتجاوز 90 بالمئة، لذا فإن كيلوغرام واحد منها يحتاج من 35 إلى 45 لتراً من الماء”.
فوق ذلك، انخفضت أسعار هذه المحاصيل نتيجة غزارة الإنتاج، إذ “لا يتجاوز سعر مبيع الكيلوغرام الواحد من البطيخ للمستهلك حالياً ألف ليرة سورية [أقل من 0.10 دولار]، والبندورة قرابة ثلاثة آلاف ليرة [0.3 دولار]”، كما أضاف الشيخ علي لـ”سوريا على طول”.
ومع أن المحاصيل الصيفية (البندورة، البطيخ، الباذنجان، والفليفلة) زراعات مستهلكة للمياه، إلا أن “ترشيد زراعتها واستخدام شبكات ري حديثة وجديدة، وضبط الري حسب الاحتياج المائي للنبات يحد من استنزاف المياه”، بحسب المسؤول الزراعي، وهذا يعني أنه “لا داعي إلى استبدال المحاصيل بشكل نهائي، وإنما تطبيق تقنية الخطة الزراعية أو ما يسمى استيعاب البئر والمساحة التي يستطيع أن يرويها”.
“إذا كان لدينا بئر 3 إنش [قطر ماسورته 7.6 سم]، فإنه يجب أن يروي 50 دونماً فقط، مع حساب عدد ساعات ريّ دونم البندورة أو أي محصول صيفي آخر، وبذلك ليس هناك حاجة للتخلي عن زراعات يحتاجها السوق”، كما أوضح المسؤول، وبتطبيق هذه الآلية “تصبح المحاصيل الأكثر استهلاكاً للمياه -وهي الخضار- مجدية”.
وبالتوازي مع الزراعات العصارية، “أُدخلت زراعة الزيتون بشكل واسع إلى سهل حوران قبل قرابة أربعة عقود، وتوازت مع انتشار وتوسع زراعة الحمضيات في الساحل السوري على حساب الزيتون”، وهو ما شكل “بداية الكارثة، لأن استبدال جزء من زراعة الزيتون البعلي في الساحل بزراعة الحمضيات المروية، والتوسع في زراعة الزيتون المروي في درعا والسويداء وشرق حمص ومناطق أخرى أدى إلى تضاعف الاستهلاك المائي في زراعتين مرويتين في سوريا”، قال الشيخ علي.
يعتبر الزيتون من المحاصيل الخريفية التي تحتاج إلى ريّ بكثافة وانتظام طيلة فترة الصيف للوصول إلى مرحلة القطاف، ونتيجة تراجع الموارد المائية في محافظتي درعا والسويداء، الواقعتين على نفس الحوض المائي، تراجع عدد أشجار الزيتون والإنتاج السنوي في المحافظتين، بحسب الشيخ علي.
“استخدام تقنية الري الحديثة، أي التنقيط، توفر في استهلاك المياه بشكل كبير، لأن الزيتون يحتاج للري مرة واحدة في الشهر الواحد شتاء ومرتين في الشهر صيفاً”، بحسب المسؤول من وزارة الزراعة.
على عكس محافظة درعا، يظهر الرسم البياني زيادة المساحات المروية والبعلية وأعداد أشجار الزيتون المروية في محافظة السويداء. بالمقابل انخفض أعداد الأشجار البعلية بشكل طفيف، وتراجع الإنتاج بنسبة 40 بالمئة.
طرق ري تقليدية تستنزف المياه
يؤثر استمرار زراعة المحاصيل الشرهة للمياه على توفر مياه الشرب للسكان، خاصة أن “الحوض الجوفي والسطحي المائي واحد، وقد يحدث هذا التضارب أو يصل لمرحلة الصراع بين الاستخدامين”، قال الشيخ علي.
وأضاف: “النبات بشكل عام يستخدم أقل من 10 بالمئة من المياه لعملياته الفيزيولوجية أما الباقي يتوزع بين عمليات التبخر عن سطح التربة والنبات وعملية النتح الفيزيولوجي التي يقوم بها النبات”، بالتالي فإن طرق الري التقليدية “تطرح كميات كبيرة من المياه على سطح التربة، والتي لن يستفيد منها المحصول الزراعي ذاته، وإنما ستضيع على شكل تبخر أو سيتم الاستفادة منها من نباتات الحقل غير الزراعية (الأعشاب)”.
“كل الدراسات العلمية والأبحاث التطبيقية تشير إلى أن طرق الري الحديث تعطي كفاءة في استخدام مياه الري بنسب تصل إلى أعلى من 60 بالمئة من الطرق التقليدية، ولا سيما في المحاصيل الحقلية مثل القمح والأشجار المثمرة”، بحسب الشيخ علي.
في السياق ذاته، قال المسؤول من مديرية الزراعة إلى أن “طرق الري المتبعة من قبل فلاحي درعا تستنزف المياه والموارد، لاسيما مع استخدام الطاقة الشمسية العشوائي لتشغيل الآبار دون علم ومعرفة، حيث يتم استنزاف كامل المياه الجوفية”، بينما “لو طبقت أنظمة الري بالتنقيط، وتم ضبط شبكات الري، ومعرفة الاحتياج المائي لكل نبات، نستطيع حينها أن نقلل من الاستنزاف المائي”.
وتسعى مديرية زراعة درعا إلى “مساعدة الفلاح على التكيف مع الظروف الحالية من خلال حملات التوعية والإرشاد التي نقوم بها من أجل بناء زراعات ذات جدوى اقتصادية مرتفعة واحتياج قليل من المياه والطاقة”، قال مدير زراعة درعا، المهندس عاهد الزعبي. مؤكداً أن المديرية تعمل مع المنظمات الدولية على “دعم المزارعين المتضررين من الجفاف”.
وأشار المهندس الزعبي إلى أن خسائر الفلاحين في درعا للموسم الماضي بلغت نسبة مئة بالمئة للمحاصيل البعلية و 30 بالمئة للمروية.
محاولات للتكيف الزراعي
أطلع مدير زراعة درعا عاهد الزعبي “سوريا على طول” على تعميم نشرته المديرية في الثامن من أيلول/ سبتمبر الحالي، يدعو الفلاحين إلى ضرورة “الالتزام بالخطة الإنتاجية الزراعية والمساحات المعتمدة فيها للموسم 2025-2026، وعدم تجاوز تلك المساحات للحفاظ على الموارد المائية ومواجهة الجفاف وتحقيق استقرار في الإنتاج الزراعي يحول دون تذبذب الأسعار والتعرض للخسارة بسبب فائض الإنتاج”. والتوجه نحو “زراعة المحاصيل ذات الاحتياج المائي الأقل والأصناف عالية الإنتاج”.
وفي محاولة لتكييف الخطة الزراعة مع الواقع المائي الجديد والجفاف، تعمل مديرية الزراعة على “نشر تعاميم نوعية للفلاحين للالتزام بالمساحات المحددة بالخطة وعدم تجاوزها”، إضافة إلى “التخطيط للمحاصيل ذات الاحتياج المائي الأقل والمتحملة لظروف الجفاف”، قال الزعبي.
ودعا الزعبي الفلاحين لزراعة: القمح، الشعير، البقوليات، البطاطا، البصل، الثوم، وباقي الخضروات غير المستهلكة للمياه، مشيراً في الوقت ذاته إلى “عدم وجود منع لأي محصول، لكن ينصح بعدم زراعة مساحات كبيرة من البندورة والخضار ذات الاستهلاك المائي المرتفع”.
وشدد المسؤول من وزارة الزراعة على ضرورة الالتزام بـ”الخطة الزراعية التي وضعتها مديرية زراعة درعا، التي تضمن تحقيق الفائدة للمزارع وعدم استنزاف الموارد”، مشيراً إلى أن “الخطة تعتمد على تنوع الزراعة، وهي المنقذ الوحيد للزراعة من حالة الجفاف التي تمر بها البلاد”. مضيفاً: “يجب التركيز على المحاصيل والخضار الشتوية لأنها أقل استهلاكاً للمياه، مقابل الحد من المساحات المزروعة بالخضار الصيفي”.
ودون الالتزام بالخطة الزراعية والإرشادات السابقة فإن “حوران سوف تكون عطشى وتصبح أراضيها شبه صحراوية بحلول عام 2030″، ختم المسؤول.
