6 دقائق قراءة

عام على سقوط نظام الأسد: شمال شرق سوريا تحت وطأة الاعتقالات التعسفية

بعد عام على سقوط نظام الأسد، ينتظر بعض سكان شمال شرق سوريا، الخاضع لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية "تحريراً" خاصاً بهم، وسط ازدياد عمليات الاعتقال التعسفي، منها اعتقالات بسبب تأييد حكومة دمشق الجديدة.


8 ديسمبر 2025

دمشق- بعد أسابيع قليلة من سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، سافر خليل الأحمد (اسم مستعار) من مدينة الرقة شمال شرقي سوريا إلى دمشق لأول مرة في حياته، إذ كانت الرحلة مستحيلة قبل عملية ردع العدوان، التي استمرت 11 يوماً، لأنه كان مطلوباً للنظام، قبل أن تغير المعارضة بهجومها كلّ شيء.

كان الأحمد في العاصمة لتسوية مسألة عائلية، لكنه سرعان ما وجد نفسه مشاركاً في الاحتفالات التي استمرت في دمشق لأسابيع بعد انهيار النظام، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “احتفلت مثل أي سوري. ما حدث كان نهاية 50 عاماً من القمع”، مضيفاً: “لا أفهم ما المشكلة في ذلك”، أي في مشاركته.

خلال وجوده في دمشق، انتشر فيديو على الإنترنت، يُظهر الأحمد خلال مشاركاته في الاحتفالات. وعندما عاد إلى الرقة الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) – المدينة التي كانت تشهد توتراً وحظر تجوال – في أوائل كانون الثاني/ يناير، تم اعتقاله.

بعد 24 ساعة من توقيفه في منفردة، “سألني المُحقق لماذا ذهبت إلى دمشق”، قال الأحمد. لم تُغيّر إجابته – أنه كان في العاصمة لأسباب عائلية – من وضعه شيئاً. فقد بقي محتجزاً، دون أي تهمة رسمية أو موعد محكمة، لثلاثة أشهر.

مع سقوط نظام الأسد قبل عام، تراجعت أعداد الاعتقالات التعسفية – التي شكّلت طويلاً ركناً أساسياً في جهاز النظام القمعي – إلى حدّ كبير في معظم أنحاء سوريا، بينما ارتفعت الأعداد في مناطق “قسد” شمال شرقي البلاد، لا سيما في محافظتي الرقة ودير الزور، وفق مراقبي حقوق الإنسان. 

الأحمد، وهو عامل في منظمة غير ربحية في الثلاثينيات من عمره طلب عدم الكشف عن هويته لدواعٍ أمنية، واحدٌ من مئات الأشخاص الذين تعرّضوا للاعتقال التعسفي في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد” خلال العام الماضي، بعضهم بناء على خلفياتهم السياسية، وفقاً لمراقبي حقوق الإنسان.

وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان نحو 800 حالة اعتقال تعسفي في أنحاء شمال شرقي سوريا خلال العام الذي تلا كانون الأول/ ديسمبر 2024، من بينهم 87 طفلاً وثماني نساء، كما أفادت الشبكة لـ“سوريا على طول”، مقابل نحو 600 حالة اعتقال في العام السابق.

وأوضحت الشبكة أن الاعتقالات بسبب “انتقاد ممارسات قوات قسد” أو “دعم الحكومة السورية الجديدة”، بالإضافة إلى اعتقالات مرتبطة بالتجنيد الإجباري.

“حدثت اعتقالات بسبب الاحتفالات بعدة مناسبات: من سقوط نظام الأسد إلى اتفاق 10 آذار/ مارس [الاندماج] ورفع العقوبات الأمريكية”، ناهيك عن “اعتقال أشخاص لرفعهم علم الثورة السورية، أو لمجرد وجود صورة له على هواتفهم”، قال أسعد الموسى، مؤسس ورئيس مرصد الرقة لحقوق الإنسان، لـ“سوريا على طول”. 

تثير الاعتقالات المستمرة حالة الاستياء في المناطق ذات الأغلبية العربية الخاضعة لسيطرة “قسد”، في وقت يبقى فيه التقدم نحو دمج شمال البلاد في الدولة بطيئاً أو متعثراً، رغم اقتراب الموعد النهائي لتنفيذ اتفاق آذار/ مارس مع نهاية العام.

تصف “قسد” عملياتها الأمنية واعتقالاتها بأنها تستهدف منتسبي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والشبكات الإجرامية، وغيرهم ممن يقوّضون الأمن المحلي.

منذ هزيمته الميدانية عام 2019، شنّ تنظيم “داعش” عملياته ضد قسد، ولوحظ ازدياد الهجمات المسجلة منذ سقوط النظام. ومع ذلك، وصف سكان الرقة الذين تحدّثت إليهم “سوريا على طول” في وقت سابق من هذا العام تهمة الانتماء لداعش بأنها “تهمة جاهزة يمكن إلصاقها بأي شخص”.

أضاف الموسى: “تستخدم قسد الاتهامات نفسها التي كان يستخدمها النظام السابق، مثل الإرهاب أو التواطؤ مع جهات خارجية، وكذلك العمل ضد الإدارة الذاتية المدعومة من قسد، أو انتقاد أوجلان”. عبدا لله أوجلان هو مؤسس حزب العمال الكردستاني (ب ك ك) في تركيا، ويُزعم أن “قسد” تابعة له.

تواصلت “سوريا على طول” عدة مرات مع المكتب الإعلامي لـ”قسد” خلال إنجاز هذا التقرير، لكنها لم تتلقَّ رداً حتى لحظة نشره.

“ظروف إنسانية قاسية”

خلال الأشهر الثلاثة التي قضاها الأحمد في سجون “قسد”، كان محتجزاً مع 15 سجيناً آخرين، في غرفة تبلغ مساحتها نحو 30 متراً مربعاً، من بينهم طفل يبلغ من العمر 14 عاماً، وشاب في الثالثة والعشرين يعاني من اضطراب في النمو، ورجلٌ سبعيني، كما قال.

شاهد الأحمد الحراس وهم يضربون بعض السجناء الآخرين أثناء احتجازه، وقد تدهورت صحته بسبب سوء المعاملة والظروف غير الصحية، على حد قوله، مضيفاً: “كانوا يعطوننا ماءً من المراحيض، وأُصبنا بالتهابات بولية”، كذلك “أُجبرنا على الوقوف لمدة 12 ساعة متواصلة ومُنعنا من الجلوس، لذا غادرت السجن وعندي انزلاق غضروفي”، وما يزال يعاني من صعوبة في المشي ومن الالتهابات التي أصيب بها رغم مرور أشهر على حادثة اعتقاله.

“مراكز احتجاز قسد تشهد ظروفاً إنسانية قاسية للغاية”، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. وخلال العام الماضي، وثّقت الشبكة “عدداً كبيراً من حالات ضحايا التعذيب… نتيجة سوء المعاملة والتعذيب، سواء عبر الضرب المبرح، أو الحرمان من النوم، أو الحبس الانفرادي الطويل”. كما وثّقت حالتي وفاة تحت التعذيب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025.

في نهاية المطاف، حضر الأحمد إلى جلسة تحقيق أخرى، وقال حينها ما توقع أن المحققين يريدون سماعه “قلت حتى يطلق سراحي: إن الحكومة الجديدة هي داعش”.

وخلال الأيام التالية، كانت سيارة – اشتبه بأنها تابعة للقوات الأمنية المحلية – تتعقبه هو وزوجته بشكل منتظم. لذا، غادر في نيسان/ أبريل إلى منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة السورية الجديدة، خوفاً من اعتقاله مجدداً.

“في عام 2024، قبل التحرير، كانت الاعتقالات أقل بكثير لأن الناس كانوا صامتين”، قال الموسى، الذي أشار إلى أن “أكبر شريحة من المعتقلين هم الشباب بين 15 و25 عاماً، لأنهم الأكثر حماسة للتعبير عن آرائهم السياسية”.

صدام القويدر، 21 عاماً، طالب تمريض وعامل بناء في الرقة، واحدٌ من هؤلاء، إذ اعتُقل بعد وقت قصير من مشاركته في الاحتفال باتفاق آذار/ مارس بين حكومة دمشق و”قسد”، بحسب أحد أفراد عائلته، الذي طلب من “سوريا على طول” عدم الكشف عن هويته.

قال قريبه: “اختطفته قوات الأمن الداخلي [الأسايش] في الساعة الثامنة ليلاً، ولم نكن نعرف مكانه لمدة شهرين”. بعد خمسة أشهر في السجن، مَثل القويدر أمام محكمة الإرهاب التابعة للإدارة الذاتية وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بتهمٍ من بينها إهانة أوجلان.

وأضاف: “لم يسمحوا لنا برؤية ملف قضيته أو إعطائنا أي تفاصيل حتى فات الأوان. سمحت لنا الأسايش فقط بفتح ملفه، وكان مكتوباً فيه أنه داس على صورة أوجلان، وأخبروهم أن هذا الفعل يستحق أن عليه قطع ساقيه”.

وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن قضية القويدر ليست حالة شاذة، إذ “يعكس غياب المحاكمات العادلة والضمانات القانونية خلال الاحتجاز – من بضعة أيام إلى نحو ثماني سنوات – واقعاً مأساوياً يفتقر إلى أبسط معايير العدالة والحقوق الأساسية، حيث يُحتجز الأفراد دون محاكمات أو بناءً على اتهامات غير مثبتة أو تقارير كيدية”.

وأضاف المصدر من عائلة القويدر: “لا توجد أي وعود بالإفراج عنه قبل مرور ثلاث سنوات. إنهم يحفرون الأنفاق، ويستعدون للحرب لا لإطلاق سراح أحد”.

“قبضة حديدية”

الاعتقالات التعسفية ليست تطوراً جديداً، لكن “قسد” شددت قبضتها منذ سقوط الأسد العام الماضي، بحسب خالد أبو صلاح، الصحفي والباحث المتخصص في شؤون المنطقة، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “هذه الحملات تتعلق بالترهيب السياسي أكثر من أي شيء آخر، وهي تهدف إلى جعل الناس يدركون أن الوضع لم يتغير منذ السقوط”.

قبل سقوط الأسد، كان العديد من العرب في منطقة الجزيرة، شمال شرقي سوريا، يعتبرون “قسد” بقياداتها الكردية أهون الشرّين مقارنة بنظام الأسد، وفقاً للموسى من مرصد الرقة لحقوق الإنسان. لكن بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، سعى كثيرون إلى أن تُحكم مناطقهم من قبل الحكومة السورية الجديدة، التي يشعرون أنها تمثّلهم بشكل أفضل.

شهدت محافظتا الرقة ودير الزور تاريخاً طويلاً من التهميش وغياب التنمية، سواء في ظل النظام السوري سابقاً أو في ظل “قسد” مؤخراً.

قال الباحث المتخصص في شمال سوريا، ألكسندر ماكيفر، لـ“سوريا على طول”: “من الصعب تحديد نسبة هذه الاعتقالات التي تعود لمخاوف أمنية حقيقية مقابل الاعتبارات السياسية، نظراً للغموض الذي تُنفّذ به”.

وأضاف: “على مدار العام، تعرضت قسد والأسايش في المنطقة لمجموعة واسعة من الهجمات، من داعش وهجمات لم يُعلن أحد مسؤوليته عنها. لذلك، من منظور قسد، قد يكون جزء من هذه الاعتقالات التي تقوم بها على الأقل مرتبط بمكافحة الخلايا”.

تشير “قسد” وبعض المحللين إلى ارتفاع مطرد في هجمات “داعش” منذ بداية العام، بعد فترة هدوء أولية أعقبت حملة الغارات الجوية التي شنها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد التنظيم بعد سقوط النظام.

وأضاف ماكيفر: “مع ذلك، فإن سقوط النظام السابق هزّ الوضع القائم الذي كانت تعتمد عليه قسد، وأثار في البداية اضطرابات سياسية وانشقاقات داخل صفوفها في الرقة ودير الزور“، معتبراً أن “تزايد التقارير المحلية عن اعتقالات بدوافع سياسية وعدم اليقين الذي يواجهه حكم قسد في هذه المناطق بعد سقوط الأسد يعطي مصداقية لهذه الادعاءات”.

ربط الصحفي أبو صلاح ما وصفه بـ “نهج القبضة الحديدية” لدى “قسد” بمسار المفاوضات البطيء بينها وبين دمشق لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار/ مارس، قائلاً: “ترى قسد أنه إذا خففت سيطرتها، فقد تتمرد المنطقة بالكامل، وهي لا تريد ذلك في سياق المفاوضات مع الحكومة، لأن موقفها سيضعف”.

واستبعد أبو صلاح أن تطرح مسألة الاعتقالات مباشرة في المفاوضات، مشدداً على ضرورة الضغط على كلٍّ من قسد ودمشق لجعلها قضية محورية. قال: “يجب على أهالي الجزيرة الضغط على دمشق لإعطاء الأولوية لمسألة الاعتقالات”، لافتاً إلى أن الكرد أيضاً تعرضوا للقمع.

وقد نظمت مظاهرات مناهضة لـ”قسد” في مناطق سيطرة حكومة دمشق كل يوم جمعة، خلال الشهرين الماضيين، بحسب ماكيفر.

وقال أبو صلاح: “لقد تخلّص الناس من نظام عمره 54 عاماً… ومع ذلك، حتى الآن، لم يعش سكان منطقة الجزيرة [السورية] هذه الفرحة”.

شارك هذا المقال