5 دقائق قراءة

عدالة توافقية في المرحلة الانتقالية: دور مجالس الصلح في الرقة

عدا عن أن المحاكم التابعة للحكومة السورية في محافظة الرقة ما زالت في بدايات عملها حتى الآن، فإنها لا تراعي التداعيات الاجتماعية كما هو حال مجالس الصلح التي تأخذ بعين الاعتبار أن يكون الحل رضائياً.


20 أبريل 2026

الرقة – بعد سيطرة الحكومة الانتقاليّة السورية على محافظة الرقة، في 18 كانون الثاني/ يناير من هذا العام، برزت الخلافات بين الأفراد كواحدة من أهم القضايا الملحة في المحافظة، التي تعاقبت عليها العديد من القوى السياسية والتنظيمات العسكرية منذ آذار/ مارس 2013، عندما خرجت عن حكم الأسد آنذاك.

تعد الخلافات والخصومات بأشكالها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي قد تأخذ بعداً عشائرياً في بعض المحافظات السورية ومنها الرقة، من أبرز محركات النزاع في سوريا ما بعد الأسد، وقد أثرت هذه الخصومات بشكل كبير في بنية المجتمع السوري، وأضعفت الروابط المجتمعية بين أفراده، كما عززت الانقسامات والاستقطابات، الأمر الذي ينعكس سلباً على فرص المصالحة وإعادة النسيج الاجتماعي في بلد يبحث عن سِلمه الأهلي بعد حرب دامت أكثر من 14 عاماً. 

واقتداءً بباقي المحافظات السورية، تشكّل مجلس الصلح العام في الرقة بعد سيطرة الحكومة السورية، على المحافظة التي كانت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ويتبع المجلس بدوره لمجلس الصلح العام في سوريا، وهو هيئة مدنية تابعة للحكومة السورية، كما قال عادل الحاج، مسؤول مجلس الصلح في الرقة لـ”سوريا على طول”. هذا وقد كان في زمن “قسد” لجان صلح تتبع للمجالس المدنية التابعة للإدارة الذاتية.

“حل رضائي توافقي”

يكتسب المجلس أهميته في محافظة الرقة خصوصاً، بسبب كثرة السلطات التي تعاقبت على حكمها، وتنوع الأساليب والأدوات التنفيذية لهذه السلطات في حل المشكلات، ما يعيد طرح العديد من القضايا على الجهات المعنية لدى كل سلطة دون الوصول إلى أحكام تنهي حالة النزاع. وعدا عن أن المحاكم التابعة للحكومة السورية ما زالت في بدايات عملها حتى الآن، فإنها لا تراعي التداعيات الاجتماعية كما هو حال مجلس الصلح، كما قالت مصادر عدة من سكان المدينة لـ”سوريا على طول”.

وبالتالي، فإن مجالس الصلح واللجان التابعة لها، تلعب دوراً في تقليل القضايا التي يجب على القضاء النظر بها، وإيجاد حلول سريعة للمتخاصمين، وترسيخ التماسك المجتمعي.

سليم العمران (اسم مستعار)، عرض قضيته على مجلس الصلح في الرقة ، ويبحث عن حلّ لـ”خلاف مع أبناء عمومتي منذ عشرين عاماً تقريباً على أرض زراعية”، متأملاً أن ينظر المجلس في قضيته، “لأن المحاكم ما تزال في طور بدء العمل وربما يحتاج حل قضيتي لعدة أشهر بسبب كثر القضايا العالقة، أما إصدارالحكم عبر مجلس الصلح لا يأخذ كل هذا الوقت”، ناهيك عن أنه “يراعي الأبعاد الاجتماعية” كما قال لـ”سوريا على طول”.

وأضاف: “المحكمة تصدر حكماً قضائياً، بينما مجلس الصلح يحكم بين الطرفين مع الأخذ بالاعتبار بأن يكون الحل رضائياً بينهما”، كما أن “وقْع أحكام مجالس الصلح أخف على الأهالي من أحكام المحكمة”. 

يعمل مجلس الصلح في الرقة على “النظر في القضايا بين الأطراف المتخاصمة، والعمل على تقريب وجهات النظر سعياً للوصول إلى حل رضائي توافقي”، بحسب الحاج، موضحاً أن المجلس “مؤسسة رديفة يمارس دوره ضمن إطار تكاملي مع القضاء وليس منافساً أو بديلاً عنه”.

ويتبع لمجلس الصلح العام في الرقة عدة فروع منتشرة في أرياف المحافظة، من بينها: معدان، تل أبيض، الطبقة، الجرنية، دبسي عفنان، والمنصورة. ويهدف هذا التوزع الجغرافي إلى توسيع نطاق الاستفادة من الخدمات المقدَّمة، والتخفيف من أعباء السفر والتنقل على الأهالي، وفقاً للحاج.

وأضاف الحاج: “يستقبل مجلس الصلح الشكاوى من المواطنين، ويرتبها بدوره وفق الأولويات، بحسب خطورتها وتأثيرها واحتمالية تفاقمها، ومن ثم يعرضها على المحكمين من رجال قانون وشخصيات دينية واجتماعية ذات خبرة في حل النزاعات، وهم بدورهم يتولون الاستماع لطرفيّ النزاع و دراسة الدوافع والظروف المسببة له، و بناءً على ذلك، يصدر المجلس الحكم استناداً على مصادر التشريع الإسلاميّ، مع الاستعانة أحياناً بالأعراف العشائرية السائدة في المنطقة”.

وقبل أن يستمع المجلس للقضية وينظر فيها، يشترط إقرار طرفيّ القضية (الخصوم) بالموافقة المسبقة على الحكم الذي سيصدرلاحقاً عن المجلس. وبعد صدور الحكم يتم إعطاء الطرفين صكاً صُلحيّاً، يستطيع أحد الطرفين إبرازه للقضاء إذا حاول الطرف الآخر فتح القضية أمام القضاء من جديد، وبالتالي ينظر القضاء في الصك “فإذا كانت بنود الصك منفذة وغير  مُخَل بها ، تُرَد الدعوة”، بحسب الحاج.

صك صلحي نشره مجلس الصلح العام في محافظة الرقة على صفحته الرسمية في "فيسبوك" بتاريخ 13 نيسان/ أبريل الحالي

صك صلحي نشره مجلس الصلح العام في محافظة الرقة على صفحته الرسمية في “فيسبوك” بتاريخ 13 نيسان/ أبريل الحالي

النظر في النزاعات الجنائية

في ناحية معدان بريف محافظة الرقة الشرقي ، و التي أُنشِئ فيها مجلس صلح في شباط / فبراير 2025، كونها كانت تحت سيطرة الحكومة السورية منذ سقوط نظام الأسد، تم النظر في أكثر من 200 قضية حتى الآن، كما قال رمضان الرمضان، عضو المجلس في معدان، مشيراً إلى أن القضايا “تنوعت بين القتل والثأر العشائري، الميراث، الديون، الملكيات الزراعيّة، وقضايا أخرى تتعلق بالأذيّات الممارسة من قبل أشخاص ارتبطوا سابقاً بالجهات العسكرية التي سيطرت على المحافظة، كقضايا الابتزاز أو السمسرة التي تخص معتقلين سابقين، أو انتهاكات مورست بحق مدنيين  كمصادرة ممتلكات أو أي أعمال عدائية أخرى”.

في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سوريا ومع وجود العديد من القضايا التي تهدد تداعياتها السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، فإن السرعة في حلّ القضايا مهمة جداً، لأن “مرور الوقت على القضية قد يؤدي إلى تطور الخلاف و أخذه منحى آخر”، كما قال محمد صالح النجم، رئيس فرع نقابة المحامين في الرقة لـ”سوريا على طول”.

باشرت محاكم الرقة عملها بعد سيطرة الحكومة، لكن “نقص الكوادر البشرية من قضاة وخبراء قانونيين في عدلية الرقة، والضغط الكبير على المحاكم، وكثرة القضايا العالقة التي تنتظر إصدار الأحكام، تدفع العديد من الناس للجوء إلى مجالس الصلح”، بحسب النجم.

من جانبه، قال المستشار القانوني مزيد الحرامي أن الإقبال المتزايد على مجالس الصلح يرتبط بالأثر النفسي والاجتماعي لآلية الصلح، إذ تُعالج الخلافات ضمن إطار رضائي بين الأطراف، ما يساهم في تقليل حدة التوتر وإعادة الحد الأدنى من العلاقات الاجتماعية، مقارنة بالأحكام القضائية التي قد تُفرض بصورة ملزمة وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تعميق الخلاف”.

في المقابل، قد يطرح هذا النوع من التقاضي عبر مجالس الصالح بعض الإشكالات، من بينها أن “الأحكام الصادرة تقتصر على تسوية الحقوق المدنية ولا تشمل العقوبات الجزائية، وهو ما قد يحدّ من قدرتها على معالجة بعض أنواع النزاعات ذات الطابع الجنائي أو الردعي”، بحسب الحرامي، ناهيك عن أن “الطبيعة التوافقية لهذه المجالس قد تؤدي في بعض الحالات إلى درجة من المرونة الزائدة [المماطلة] في تنفيذ القرارات مقارنة بالقضاء الرسمي”.

وأوضح الحرامي أن “الحق العام مصان ولا يُلغى”. على سبيل المثال، في قضايا القتل، إذا تم الحل عبر مجالس الصلح بإلزام القاتل دفع الديّة مقابل إسقاط الإدعاء الشخصي، لا يعني ذلك إسقاط الحق العام، “فما يتم التوافق عليه في مجالس الصلح يبقى ضمن نطاق الحقوق الشخصية وليس الحق العام”.

شارك هذا المقال