عمليات القتل خارج نطاق القانون بحق العلويين تضرب حمص وتهدد السلم الأهلي
مع استمرار غياب العدالة الانتقالية، وقعت مئات عمليات القتل خارج نطاق القضاء منذ بداية العام الحالي، معظمها ضد العلويين في وسط سوريا، وهناك اتهامات للقوات الحكومية في الإدارة الجديدة بالتورط في بعض الحالات.
12 مايو 2025
حمص- في حوالي الساعة الواحدة والنصف فجر يوم 25 نيسان/ أبريل، كان محمد الوعري وعائلته نائمين في منزلهم بحي كرم اللوز -الذي تقطنه غالبية علوية- في مدينة حمص، قبل أن يستيقظوا على طرق عنيف على الباب.
نهض الوعري، 24 عاماً، لفتح الباب فوجد نفسه في مواجهة مجموعة من الملثمين الذين يرتدون ملابس سوداء. سألوا عن اسمه، ثم اقتادوه تحت تحديد السلاح إلى مكان غير معلوم.
“قالوا أنهم من الأمن العام”، وهي قوات تابعة لوزارة الداخلية في الحكومة السورية الجديدة، بحسب سيدة من العائلة، طلبت عدم الكشف عن هويتها حفاظاً على سلامتها، مضيفة في حديثها لـ”سوريا على طول”: “أعتقد لو أنني قاومتهم سيقتلونني في الشقة أيضاً”.
قبل أن يطرقوا باب منزل محمد، فتّش الملثمون شقة عمّ الشاب في الطابق السفلي، “وسألوهم إن كانوا علويين”، وسألوا عن الوعري بالاسم قبل أن يصعدوا إلى الطابق العلوي، بحسب المصدر.
بعد الحادثة، ذهبت والدة الوعري إلى مركز الأمن العام للسؤال عن ابنها لكنها لم تصل إلى نتيجة، وفيما بعد علمت العائلة أن الملثمين “قتلوه فور اختطافه رمياً بالرصاص”، وفقاً للمصدر، وأضافت قريبته بنبرة حزن أنه عُثر على جثة الشاب بعد دقائق بالقرب من مسجد العدوية.
يبدو أن الوعري كان مستهدفاً شخصياً لسبب غير واضح، لذا يعتقد قريبه أنه قتل لكونه علوياً، مستنداً في ذلك على أنه “لم يلتحق بالخدمة العسكرية سابقاً”، إذ كان طالباً في السنة الرابعة بكلية الهندسة في جامعة حمص (البعث سابقاً) وقت مقتله.
وصف أحد أقاربه محمد بأنه “كان مهذباً ومثقفاً وحسن الخلق، كل الصفات الحميدة فيه، والجميع يشهد له بذلك”.
الوعري واحد من بين 20 مدنياً على الأقل قُتلوا في مدينة حمص وسط سوريا، في غضون ستة أيام في أواخر نيسان/ أبريل، ومعظمهم من الطائفة العلوية، الأقلية التي ينتمي إليها الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وشملت الاغتيالات “أفراداً كانوا ينتمون إلى نظام الأسد”، بالإضافة إلى “عمليات قتل عشوائية يشتبه في أن دوافعها طائفية وانتقامية”، كما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهي مرصد مستقل، في 30 نيسان/ أبريل.

سيدة من عائلة محمد الوعري تشارك في مراسم العزاء بمدينة حمص، 26/ 04/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
بين كانون الثاني/ يناير ونهاية نيسان/ أبريل، وقعت عمليات قتل خارج نطاق القضاء لما لا يقل عن 361 مدنياً في محافظتي حمص وحماة، كما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ”سوريا على طول”، لافتة إلى أن معظمها وقعت في مناطق يقطنها علويون.
وتتزامن هذه الفترة مع اندلاع أعمال العنف في المحافظات الساحلية السورية، عندما قُتل أكثر من 800 شخص، في آذار/ مارس، بعد أن أثارت الاشتباكات بين فلول النظام السابق والقوات الحكومية موجة من عمليات القتل الطائفي التي استهدفت العلويين.
وفي نيسان/ أبريل، فاق عدد القتلى في حمص وحماة ما تم تسجيله في طرطوس واللاذقية، بحسب الشبكة السورية، كان آخرها مقتل أم وابنتها على يد مسلحين مجهولين في حي وادي الذهب بمدينة حمص في الرابع من أيار/ مايو الحالي.
لا تزال الظروف المحيطة ببعض عمليات القتل غير واضحة، إذ قال مصدران لـ”سوريا على طول” أن قتلة أقاربهم عرّفوا عن أنفسهم بأنهم عناصر من الأمن العام.
تواصلت “سوريا على طول” مع الناطق باسم وزارة الداخلية السورية للحصول على تعليق عن الاتهامات الموجهة لقوات الأمن وما إذا تم اعتقال أي شخص من هؤلاء على خلفية عمليات القتل الأخيرة في حمص، لكنه قال أن الوزارة ليست في وضع يسمح لها بعد بالإدلاء بتصريحات للصحافة.
وكانت إدارة الأمن العام قد أعلنت عدة مرات عن إلقاء القبض على عصابات تمتهن الخطف والابتزاز بحق المواطنين في عدة محافظات منها حمص وحماة، منتحلة صفات أمنية.
قتل انتقامي؟
في الأسبوع الذي قتل فيه الوعري، أواخر نيسان/ أبريل الماضي، اقتيد حسين النصر، 41 عاماً، في ظروف مشابهة بعد أن طرقت مجموعة مسلحة من الملثمين باب منزله في حي كرم الزيتون، وعندما فتح لهم الباب عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من الأمن العام ثم اقتادوه، كما قال أحد أفراد عائلته لـ”سوريا على طول”.
النصر من خلفية عسكرية، إذ خدم “سنة أو سنتين” في الفرقة الرابعة، سيئة السمعة، بقيادة ماهر الأسد، وكانت خدمته في نقطة تفتيش بالقرب من منبج في ريف حلب، بحسب قريبه.
عندما حاول علاء شقيق النصر، وهو مدني، التدخل أثناء عملية الاعتقال، تم اقتياده هو الآخر، وأطلق النار على كليهما في الشارع بعد دقائق.
”كنا متفائلين بالعفو والعدالة والمساواة والديمقراطية المفترضة، لكن تبين أن هذا الكلام غير صحيح”، بحسب قريب النصر، مضيفاً: “نحن كعلويين عانينا في زمن بشار الأسد ونعاني مع النظام الحالي”.
يخشى قريب النصر على نفسه عند ذهابه إلى عمله، لكن وضعه المادي لا يسمح له بالبقاء في المنزل، قائلاً: “نحن نعاني كل يوم من كل شيء. أنا في نفق مظلم لا أعرف إلى أين أذهب”.
استهداف من دون سبب!
بينما كانت بعض عمليات القتل مستهدفة أشخاصاً بوضوح، كما في حالة حسين النصر ومحمد الوعري، تبدو أن هناك عمليات قتل أخرى، وقعت في أواخر نيسان/ أبريل، عشوائية، حتى وإن تركزت في الأحياء ذات الأغلبية العلوية.
في الأسبوع الذي قتل فيه الوعري، قُتلت الأم منال حسن مع ابنتيها التوأم لونا ولين، البالغتين 18 عاماً، بإطلاق نار من دراجة نارية في حي كرم اللوز بحمص أيضاً.
وقال مصدر مقرب من العائلة لـ”سوريا على طول”: ”لا أعرف ما إن كان الاستهداف بسبب طائفتهم”، أم أن الفاعل “شخص حاقد أرعن، أو مخمور”.
بينما قالت قريبة أخرى للضحايا أن ما حدث ربما “صدفة”، إذ إن الأم وبناتها من الطائفة المرشدية، وربما اعتقد أنهنّ علويات فتم استهدافهنّ.
أخبرها الجيران، الذين شهدوا الحادثة أن المهاجمين استخدما بندقية كلاشينكوف، وأن أحدهما كان يرتدي ملابس سوداء والآخر يرتدي ملابس عسكرية، ورجحت هي أنهما تصرفا بمفردهما وليس بالنيابة عن الأمن العام.
”نحن نعيش في فوضى السلاح. أين الحكومة إذا كانت عاجزة عن السيطرة على السلاح؟”، قال المصدر بإحباط شديد، مضيفاً: ”ما يهمنا هو أن يتوقف القتل”.
وبينما دعت الحكومة الجديدة جميع الأطراف إلى تسليم أسلحتها ونفذت حملات لجمع السلاح، إلا أنها اتُهمت بـ”الانتقائية“ ونزع السلاح بشكل غير متناسب من المجتمعات التي تعتبر موالية للنظام السابق، علماً أنها أطلقت عمليات جمع الأسلحة في مناطق المعارضة السابقة كما هو الحال في درعا.
وقال المصدر إن عائلة حسن أبلغت الشرطة عن عملية القتل، وقد حاولت الأخيرة “المساعدة”، كما قام ممثل عن مجلس المحافظة بزيارة العائلة، لكن “حتى الآن لا يوجد ثقة” بتحقيق العدالة، على حد قوله.
وفي حادثة أخرى، ذهب محمود حامد الديب، 69 عاماً، وهو مهندس مياه من حي وادي الذهب بحمص، إلى عمله، في أواخر نيسان/ أبريل، ولم يعد بعدها. قال أحد أقاربه لـ”سوريا على طول”: “بقينا طوال الليل نقول أنه سيعود، ولكن مع حلول اليوم التالي فقدنا الأمل”.
وقال قريب الديب: “لم يكن هناك سبب لاستهدافه”، وأضاف: “نريد أن نعرف من هو القاتل، ومن هو المتسبب في هذه المشاكل. حتى الدفاع المدني، الذين أحضروا الجثة، لم يقولوا من أين جاؤوا بها. ما سبب هذا التكتم؟!”.
عمل الديب بالتدريب في جامعة حمص (البعث سابقاً)، بالإضافة إلى عمله كمفتش مياه. وقد تم اعتقال ابنه، وهو ضابط سابق في جيش النظام، ضمن حملة اعتقالات في كانون الثاني/ يناير، دون توجيه تهمة له.
وقال قريب الديب: “لا أعرف إذا كان ما حدث مع الديب على أساس طائفي أم لا”، لافتاً إلى أن الضحية “لم يكن طائفياً أبداً في حياته”. قاطعه قريب آخر قائلاً: “سوف تخرب البلد بسبب الحالات الفردية”.
تأخير العدالة الانتقالية
عزا فراس السعيد، باحث سابق في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، ينحدر من ريف حمص الشمالي ويقيم في فرنسا حالياً، “انتشار القتل في سوريا” إلى “تأخر العدالة الانتقالية“، محذراً من أن وسط سوريا أصبح نقطة ساخنة للعنف بسبب تركيبته الديموغرافية والمظالم التاريخية.
“حمص هي الأكثر تعقيداً بسبب التداخل الديموغرافي أو على المستوى الطائفي أو بسبب انتماء هؤلاء الأفراد إلى كيانات عسكرية خلال الثورة“، قال السعيد لـ”سوريا على طول”.
مدينة حمص ذات أغلبية سنية، ويوجد فيها عدد كبير من العلويين، بالإضافة إلى نسبة قليلة من المسيحيين، وفي ريفها يعيش عدد كبير من العلويين والشيعة.
وأضاف السعيد: “خرجت أحياء من حمص ضد النظام منذ البداية، وبالتالي كان هناك حرب بين الأحياء”، مشيراً إلى أن “الأشخاص الذين قُتلوا يعرفون من قتلهم”.
خلال سنوات الحرب، كانت حمص ”منطقة استراتيجية“، وكانت محور الجهود العسكرية للنظام والميليشيات المتحالفة معه، بحسب السعيد، الذي قال أن حمص “كانت نقطة انطلاق قوات حزب الله، وممر عبور للميليشيات الشيعية القادمة من العراق”.
انضم إلى هذه القوات “بعض أبناء المنطقة الذين قتلوا جيرانهم”، وفقاً للسعيد، مشيراً إلى أن أعداد هؤلاء كبير، “وهو ما دفع الناس إلى الانتقام بأيديهم بدلاً من انتظار الحكومة”.
ومع ذلك، ليس كل من يتعرضون للقتل “ارتكبوا انتهاكات”، بحسب السعيد، مشيراً إلى أن هناك “بعض الحالات عشوائية أسبابها غير معروفة، وبعضها عمليات قتل انتقامية، وهناك عمليات قتل دوافعها خلافات شخصية، وبعضها عن طريق الخطأ”.
من جهته، يرى محمد صالح، وهو ناشط مجتمعي ضمن مجموعة السلم الأهلي بحمص، أن العدالة الانتقالية والمحاسبة هي السبيل الوحيد لوقف دوامة العنف. أمضى صالح، وهو علوي، 12 عاماً في سجن صيدنايا لانتمائه إلى حزب العمل الشيوعي، واعتقل عدة مرات خلال الثورة السورية بسبب معارضته لنظام الأسد.
وأضاف صالح لـ”سوريا على طول”: ”تريد الحكومة أن تضيع العدالة الانتقالية، ولكن من دونها سيكون هناك المزيد من الدماء والانتقام لن ينتهي”، مشدداً على أنه “من دون العدالة لا يمكن الوصول إلى السلم الأهلي”.

الناشط المجتمعي محمد صالح يجلس في منزله بمدينة حمص، 27/ 04/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
“السوريون يدفعون فاتورة النظام السابق. ولكن ليست الطائفة [العلوية] هي من يجب أن تتحمل العبء”، قال صالح.
لطالما صوّر نظام الأسد نفسه على أنه حامياً للأقليات، رغم أنه أجج التوترات الطائفية، خلال سنوات الثورة، عندما استهدف المناطق ذات الأغلبية السنية مقابل بينما تجنب مناطق الأقليات الدينية والعرقية إلى حد ما.
يعمل صالح الآن كوسيط بين طائفته والإدارة السورية الجديدة مستفيداً من تاريخه الثوري. وقد تمكن بجهوده من استعادة بعض منازل العلويين، التي استولت عليها الجهات المسلحة، ويدعو إلى وضع حد لعمليات القتل خارج نطاق القضاء.
تتحمل الدولة مسؤولية الأسلحة، بحسب الصالح، قائلة: “الدولة، السلطة [الحاكمة]، تتحمل المسؤولية وعليها حماية الجميع. وعندما تتخلى عن الحماية، نحن نتهمها بغض النظر أو التقصير… هي المسؤولة طالما هي المسيطرة”.
وأضاف: “نحاول، قدر الإمكان، أن نقول للسلطات أن القتل ممنوع، ونشدد على ضرورة أن تكون هناك محاكم، وأن تأخذ العدالة مجراها من خلال القانون“.
في تقريرها حول عم ليات القتل التي وقعت في حمص أواخر نيسان/ أبريل، شددت الشبكة السورية لحقوق الإنسان على “المسؤولية المتزايدة” للحكومة في الحفاظ على سيادة القانون في فترة ما بعد النزاع. وقالت: ”إن عدم الاستجابة الفعالة أو التأخير في التحقيق بهذه الجرائم وملاحقة مرتكبيها يمثل إخلالاً بالتزامات الدولة، ويرسخ ثقافة الإفلات من العقاب”.
في كانون الثاني/ يناير، قال الرئيس أحمد الشرع إنه يجب دعم السلم الأهلي من خلال “السعي لتحقيق العدالة الانتقالية ومنع الهجمات الانتقامية”. وفي شباط/ فبراير تعهد بإنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، والتي لم يتم الإعلان عنها بعد.
وكانت دمشق قد شكلت لجنة مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري، في آذار/ مارس، وقد تم تمديد المهلة الأولية التي حددتها اللجنة بـ30 يوماً إلى أوائل تموز/ يوليو المقبل.
وقال قريب النصر، الذي كان مع الفرقة الرابعة والذي قتل مع شقيقه في أواخر نيسان/ أبريل: وعدت الدولة بأن يكون هناك “تسامح وعدالة انتقالية، لكنهم حولوها إلى انتقامية”، مضيفاً: “نحن استبشرنا خيراً بالرجل [الشرع]، وللأمانة هناك أشخاص جيدين في قوات الأمن، لكن الفصائل دمرتنا”.
وكشف تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز، الشهر الماضي، أن بعض أفراد فصائل المعارضة السابقة والقوات الحكومية شاركوا في مجازر الساحل، نقلاً عن مصادر مدنية وحكومية سورية.
وقال المصدر المقرب من الأم وبناتها اللواتي قُتلن في إطلاق نار بحمص: ”لا نريد أن يتكرر ما حدث لـ [منال حسن] وبناتها“، وأضاف: ”لترقد أرواحهنّ بسلام، ولتكن شعلة لسوريا الجديدة“.
