غوطة دمشق تنهض من تحت رماد الحرب بجهود مزارعيها
ألحقت سنوات الحرب والجفاف وسوء الإدارة في عهد نظام الأسد الدمار بسهول غوطة دمشق، وهو ما يزيد من التحديات التي تواجه المزارعين في إعادة الحياة لأراضيهم
26 مارس 2025
داريا/دوما- في القرن الثاني عشر، وصف الشاعر والرحّالة الأندلسي ابن جبير بساتين غوطة دمشق أنها أحدقت بالعاصمة إحداق الهالة بالقمر.
”وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر، وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر”، وقد صدق من قال: “إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء تساميها وتحاذيها”، كما قال أثناء رحلته إليها.
تقع دمشق وسط واحة خصبة اسمها “الغوطة”، حيث كانت بساتين الزيتون والأشجار المثمرة مزدهرة في يوم من الأيام. وفي الوقت الذي كتب فيه ابن جبير، ولمئات السنين بعد ذلك، كان نهر بردى، الذي ينقسم إلى سبعة فروع، يروي أراضي الغوطة.
ولكن بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدى التطور الحضري السريع والعشوائي وسوء إدارة الموارد في ظل نظام الأسد البائد، بالإضافة إلى موجات الجفاف الشديد، إلى جفاف جزء كبير من النهر، كما قال محمد فارس، كاتب وباحث بيئي يركز على ريف دمشق.
ثم جاءت ثورة آذار/ مارس 2011، وعلى مدار سنواتها والحصار الذي فرضه النظام خلال سنواتها الأولى، تحولت الكثير من الأراضي -التي تعاني من جفاف- إلى ميادين للمعارك، حيث قتل آلاف الأشخاص، ودُمّرت مساحات شاسعة من حقول الغوطة وبساتينها.
قال فارس لـ”سوريا على طول”: ”يمكن وصف الثورة السورية بأنها ثورة الريف”، حيث برزت مدن الغوطة وبلداتها كمراكز مقاومة ضد النظام، و”مع الأسف، دفع ريف دمشق ثمناً باهظاً أكثر بكثير من دمشق”، وفقاً له.
في عام 2018، بعد توقف المعارك في المنطقة، بموجب اتفاق تسوية بين المعارضة السورية ونظام الأسد، انتهى بسيطرة الأخير على الغوطة، بدأ بعض مزارعي الغوطة بحراثة أراضيهم وإعادة زراعتها. فيما عاد آخرون بعد سقوط النظام، في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وبدأ الكثير منهم العمل من الصفر، رغم وجود العديد من التحديات التي تواجههم لإعادة الحياة إلى أراضيهم، بسبب التلوث ونقص المياه والوقود وحجم الدمار الهائل.
“لم يكن فيها بقعة خضراء واحدة”
في يوم غائم بمدينة داريا في الغوطة الغربية، كان عمر أبو الهوى، 52 عاماً، يحصد الكراث من أرضه التي زرعتها عائلته على مدى أجيال. فرّ المزارع من أرضه في عام 2011، بعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة، ليعود إليها في عام 2019، بعد سنوات قليلة من توصل الأسد إلى اتفاق أفضى إلى خروج مقاتلي المعارضة، عام 2016، من المدينة إلى الشمال السوري.
يتذكر أبو الهوى قائلاً: “لم يكن فيها بقعة خضراء واحدة، كانت الأرض أشبه بالصحراء”. على مدى السنوات الثماني التي كان غائباً عنها “كانت الأرض مليئة بمخلفات الصواريخ والقذائف” كما قال لـ”سوريا على طول”، مضيفاً: “جئنا لإعادة تأهيل الأرض، لكننا نبدأ من جديد”.

عمر أبو الهوى يقف لالتقاط صورة في مزرعته بمدينة داريا في غوطة دمشق الغربية، 10/ 02/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
ترك الهجوم بالغازات الكيميائية، في شباط/ فبراير 2015، أجزاء كبيرة من أرضه البالغة مساحتها 15 دونماً غير صالحة للزراعة لعدة سنوات، على حد قوله. ذكرت مبادرة الإصلاح العربي في عام 2021 أن الأسلحة الكيميائية لوثت المياه الجوفية والتربة، لذا “من المرجح أن يسبب مخاوف بيئية خطيرة على مستقبل الزراعة في سوريا“.
وأضاف أبو الهوى: ”تعرضت داريا لإهمال كبير، وكانت منبوذة إلى حدّ ما خلال فترة حكم النظام”، مشيراً إلى أنه كان يُحظر الدخول إليها “وتُعامل على أنها منطقة حرب”.
التفت أبو الهوى إلى جانب الطريق، حيث يوجد أكوام من التراب الجاف المتشقق، مستذكراً طفولته، عندما كانت أشجار الفاكهة تظلل الطريق ذاته، وأغصانها محمّلة بالمشمش واللوز والخوخ.
قال: “كان بإمكانك السير ثلاثة كيلومترات دون أن ترى ضوء الشمس، لقد كان هذا المكان غابة وكان هناك الكثير من الأشجار”، وحينها كان عندك الكثير من الخيارات “التفاح والخوخ ومزيج من جميع الفواكه. أي شيء تريده”.
في أوائل التسعينات، تسبب الجفاف بموت العديد من الأشجار التي كان أبو الهوى يمشي تحتها عندما كان طفلاً، فيما دمرت الحرب ما تبقى منها.

أشجار فاكهة مزروعة على ممر مزرعة عمر أبو الهوى في مدينة داريا بالغوطة الغربية، 10/ 02/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
“مدينة العنب والدم”
قال أبو الهوى وابتسامة عريضة ترتسم على وجهه: إن كروم العنب كانت تمتد على مسافة بعيدة، لافتاً وهو يشير إلى كرم العنب الصغير الذي زرعه في أرضه بجانب أشجار الفاكهة، إلى أن “هذه المنطقة مشهورة بزراعة العنب”.
وفي وسط مدينة داريا، على بعد مسافة قصيرة بالسيارة من أرض أبو الهوى، أشار حسام اللحام، مسؤول حكومي محلي، إلى رمزية العنب بالنسبة للمدينة، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “تشتهر داريا بالعنب، لدرجة أنها سميت مدينة العنب والدم”.
في بداية الثورة السورية عام 2011، كانت داريا مركزاً للحراك السلمي ضد نظام الأسد، إلا أن الأخير رد بعنف. في 20 آب/ أغسطس 2012، بدأت قوات النظام بقصف المناطق السكنية والمستشفيات بشكل عشوائي، وسرعان ما دخلوا المدينة وارتكبوا مجزرة في غضون 72 ساعة، كما نفذوا إعدامات جماعية للرجال والنساء والأطفال. وعلى مدار ستة أيام، قتل النظام أكثر من 700 شخص، في واحدة من أكثر المجازر دموية في الحرب.
قال اللحام: ”خلال الثورة، كان سفك الدماء كبيراً، واختلط عنب داريا بدمائها، حتى أصبح يشار إليها باسم: مدينة العنب والدم”.
كان اللحام وعائلته من بين ألف عائلة عادت إلى داريا بعد الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر، والعديد منهم مزارعين، إذ يعمل بين 30 و40 بالمئة من سكان داريا بالزراعة، وفقاً له.
”كان الحصاد وفيراً”
“تاريخياً، كانت داريا تزود دمشق بثمارها، وكان الحصاد وفيراً في السابق”، بينما الآن “بسبب الحرب، قُطعت جميع الأشجار، ولم يبق شيء شاهداً على ما كانت عليه في السابق”، بحسب اللحام.

حصاد الكراث في مزرعة عمر أبو الهوى بمدينة داريا، 10/ 2/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
وأشار اللحام إلى أنه بالإضافة إلى القصف العنيف، أسهمت قوات النظام في تدمير بساتين داريا، إذ تم قطع الأشجار وبيعها كحطب.
اقرأ المزيد: فأس “التحطيب” يفتك بالأشجار المثمرة والحراجية في درعا
وأضاف : من بين “التحديات الزراعية الكبيرة” التي يواجهها المزارعون “فقدان الكثير من أراضيهم الصالحة للزراعة بسبب نقص الري وإمدادات المياه”، إذ “تحتاج المحاصيل التي تشتهر بها داريا إلى المياه، وخاصة مياه الأمطار، وهي شحيحة”.
من جهتها، تحاول الإدارة المدنية بداريا دعم المزارعين، لكن مواردها قليلة، كما أوضح اللحام، معرباً عن أمله في الحصول على تمويل من أجل توفير ألواح الطاقة الشمسية لتشغيلِ مضخات المياه. وأضاف: “إذا تمكنا من تزويد المزارعين بوسائل استخراج المياه، سواء من خلال المولدات أو أنظمة الطاقة الشمسية، يمكننا مساعدتهم على زراعة أراضيهم واستعادة خضرتها”.
تعاني سوريا من سوء الخدمات، لا سيما الكهرباء، خاصة بعد الدمار الواسع الذي لحق بمحطات توليد الكهرباء وشبكة توزيعها خلال الحرب، كما أن الديزل (المازوت) مكلف وتختلف تسعيرته بشكل مستمر.
وقال المزارع أبو الهوى: ”هناك صعوبات كبيرة، وبصراحة، الوضع مزرٍ للغاية“، مشيراً إلى أنه لم يتلق سوى القليل من الدعم منذ سقوط الأسد. في السابق، كانت المنظمات الدولية تقدم من حين لآخر شتلات للأشجار أو غيرها من النباتات، لكن الآن ”لا يتم تزويدنا بالوقود أو الأسمدة أو أي موارد يمكن أن تساعد في إعادة أرضنا إلى سابق عهدها“.
وأضاف ”ومع ذلك، لا يزال لدينا أمل في أن تدعمنا الحكومة في استعادة ما فقدناه“.
نقص الوقود والمياه
على بُعد حوالي 30 كيلومتراً من داريا، وقف محمد فطوم، البالغ من العمر 50 عاماً، بجانب مضخة صدئة كان يستخدمها لسقي الملفوف (الكرنب) في حقل قريب بمدينة دوما في الغوطة الشرقية.
قال فطوم لـ”سوريا على طول” أنه كان يسحب المياه -عبر المضخة- من عمق حوالي 25 متراً، وهي مهمة تتطلب كمية باهظة من الوقود، لافتاً إلى أن موسم زراعة الملفوف (الكرنب)، الذي يمتد لأربعة أشهر، يحتاج حوالي 120 لتراً من الديزل (المازوت) للتر الواحد، أي أن العشرة دونمات المزروعة بالكرنب تحتاج 1200 لتر، بتكلفة إجمالية مقدارها 1200 دولار أميركي.
“نعمل بجد في زراعة المحاصيل، لكن غالباً لن نغطي تكاليف إنتاجنا، أو ربما لا نجني أكثر من دولار واحد إن حالفنا الحظ!”، قال بتهكم.
لم يكن الأمر دائماً على هذا النحو، وإنما كانت المياه وفيرة وسهلة الاستخراج، بحسب فطوم، مشيراً إلى المنطقة كانت تسمى الغوطة “نظراً لوفرة المياه والأنهار التي تجري فيها. كانت المنطقة مليئة بأنواع كثيرة من الأشجار، بما في ذلك الجوز والرمان والتين وأنواع مختلفة من المكسرات”، إلا أن الحرب حولت “المساحات الخضراء إلى أراض جرداء قاحلة”.
وتحدث فطوم عن فقدان أشجار الجوز في الغوطة، التي كانت تنمو على ضفاف نهر بردى. وقال: ”للأسف، اختفى هذا النوع من الجوز تقريباً من الغوطة“. ”وبسبب الحرب ونقص المياه، لم يتبق سوى القليل منها.“

بقرة عيسى مصطفى المصري ترقد في أرضه بمدينة دوما في الغوطة الشرقية، 10/ 02/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
وعلى غرار داريا، تعرضت دوما لسنوات من الحصار والقصف العنيف من قبل النظام والمعارك. في عام 2018، أدى هجوم بالأسلحة الكيميائية على المدينة إلى مقتل أكثر من 40 شخصاً وإصابة المئات.
“جف بقرار”
“من دون نهر بردى، لن يكون هناك غوطة ولا دمشق، لأنه مصدر الري ومياه الشرب الرئيسي”، قال فارس، الباحث البيئي.
وأشار فارس إلى أن نبع بردى يزود دمشق بحوالي 15 بالمئة من مياه الشرب، فيما يوفر نبع عين الفيجة 65 بالمئة من مياه العاصمة. ويتعرض كلا المصدرين الحيويين للتهديد.
عندما عاد فارس إلى نبع بردى، في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وجده جافاً تماماً، مستذكراً طفولته في أواخر التسعينيات، عندما كان النبع يملأ بحيرة بأكملها، حيث كان السكان المحليون والسياح على حد سواء يقضون صيفهم في السباحة.
”جف النهر بقرار، بسبب سوء إدارة المنطقة وليس بسبب كارثة طبيعية”، وفقاً لفارس.
شكّل ارتفاع عدد سكان دمشق في تسعينات القرن الماضي ضغطاً جديداً على موارد المياه في المدينة، بحسب فارس، مضيفاً: “بدلاً من أن يقوم النظام بإيجاد تقنية علمية لحل المشكلة عمل ضد العلم وضد الجيولوجيا والجغرافيا لحفر الآبار داخل نبع بردى وحوله”. كان هذا هو القرار الذي حرم وادي بردى من المياه وأدى في نهاية المطاف إلى نقص المياه الذي يواجهه السكان اليوم.
وقال فارس: “إذا لم يتم حل مشكلة توزيع المياه -والموارد بشكل عام- فإن المزيد من المشاكل ستظهر في المستقبل”.

عيسى مصطفى المصري يقف إلى جانب شجرة زيتون قطعت أغصانها لاستخدامها كحطب للتدفئة أثناء حصار النظام لمدينة دوما، 10/ 02/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
”قطع أشجار الزيتون المعمّرة”
ليس بعيداً عن أرض فطوم في دوما، كان عيسى مصطفى المصري يتجول في حقله المزروع بالملفوف (الكرنب) والفاصوليا بالقرب من شجرة زيتون قديمة مشوهة. كانت الشجرة جرداء، وجميع أغصانها مقطوعة، وهي تشبه باقي أشجار الزيتون الأخرى في أرضه، بعضها مقطوع وبعضها الآخر عبارة عن جذوع بارزة من الأرض.
قال المصري لـ”سوريا على طول” وهو يشير إلى مزرعته: “قبل الحرب، كانت أشجار الزيتون موجودة في كل مكان”.
بين عامي 2013 و2018، حاصرت قوات النظام دوما، وقطعت عنها الغذاء والوقود، بحسب المصري قائلاً: “لم يكن هناك غاز ولا مازوت ولا كهرباء”.
وأضاف: “كان علينا حرق أغصان [أشجار الزيتون] من أجل التدفئة والطبخ”، لإنقاذ الأطفال “الذين كانوا يموتون من البرد والجوع”. قدّر المصري عمر بعض الأشجار بمئات أو ربما آلاف السنين.
داخل منزل المصري، تروي زوجته فاتن المصري تفاصيل الحصار قائلة: “لمدة سبع سنوات، كنا عالقين في منزلنا. لم نتمكن من الزراعة أو تربية الحيوانات أو أي شيء”، وأضافت “كان الخوف والقلق يسيطران علينا، لم يكن هناك طعام، لم يكن هناك أي شيء. اضطررنا إلى قطع أشجار الزيتون المعمرة التي كانت مهمة جداً بالنسبة لنا”.
وبينما كانا يتحدثان، انضم إليهما ابنهما محمد المصري، البالغ 20 عاماً من العمر، ومن ثم أحضرت فاتن القهوة والزيتون والمكدوس (الباذنجان المحشو بالفليفلة والجوز).

عيسى مصطفى المصري وابنه محمد يجلسان في منزلهما بمدينة دوما في الغوطة الشرقية، 10/ 02/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول)
بعد سقوط النظام في ديسمبر/كانون الأول، عاد محمد إلى المزرعة. كان قد فرّ إلى الأردن في عام 2023 لتجنب التجنيد الإجباري في الجيش، لكنه قال إنه يخطط الآن للبقاء لمساعدة والده.
”يومياً يحضر لي المواد الطازجة من الحقل مباشرة. شعور رائع أن أحصل على البندورة الطازجة والزهور التي يعطيني إياها ابني”، قالت فاتن وهي تبتسم.
تتذكر فاتن ذكريات طفولتها الجميلة في دوما، عندما كانت تركض في الحقول وبساتين الزيتون، وتمنت وهي تنظر إلى ابنها أن يكون له “ذكريات جميلة” في أرضهم.
