12 دقائق قراءة

في ذكراها الثانية بعد سقوط الأسد: أين الثورة السورية من تحقيق أهدافها؟

في ذكرى الثورة السورية الثانية بعد سقوط الأسد، يحيي السوريون هذه الذكرى في سياق مختلف عن العام الماضي، حيث يبدو المشهد اليوم أكثر قابلية للتقييم واختبار الأداء الحكومي وقياس مستوى الرضا عن الخدمات والحريات.


18 مارس 2026

باريس- في مثل هذا اليوم من عام 2011، اندلعت شرارة الثورة السورية من محافظة درعا جنوب سوريا، التي “انتصرت” بسقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.

للعام الثاني على التوالي، يحيي السوريون هذه الذكرى من دون “الأسد”، لكن الذكرى الثانية، التي تصادف هذا اليوم 18 آذار/ مارس، تأتي في سياق مختلف عن الذكرى الأولى، التي أحياها السوريون آنذاك بعد أشهر قليل من “التحرير”، بسقف عالٍ من الطموحات والأمنيات لسوريا المستقبل، ولم يختبر الشعب حينها الإدارة السورية الجديدة ومؤسساتها، لذا كانت الإجابة عن سؤال “هل تحققت مطالب السوريين” غير دقيقة، على عكس العام الحالي.

تزامنت الذكرى الماضية مع أحداث الساحل الدامية، التي اندلعت في السابع من آذار/ مارس 2025، بعد هجوم من “فلول” النظام البائد على الأمن العام تسببت بمقتل المئات منهم، وما تبعه من انتهاكات تسببت بمقتل أكثر من 1400 شخص، غالبيتهم علويين، على يد مجموعات تابعة للحكومة السورية أو موالية لها. وبعدها بأشهر اندلعت أحداث السويداء في تموز/ يوليو من العام ذاته، التي تسببت بوقوع ضحايا مدنيين من الدروز والبدو. ناهيك عن محاولات التوصل إلى اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا.

لذا، يبدو المشهد السوري اليوم أكثر قابلية للتقييم، واختبار الأداء الحكومي على عدة أصعدة، بما في ذلك التعامل مع الأزمات، وقياس مستوى الرضا عن الخدمات والحريات، وما إن حصل السوريون حقاً على: الحرية، العدالة، والكرامة، التي صدحت بها حناجرهم في أولى مظاهراتهم.

يستطلع مراسل “سوريا على طول”، وليد النوفل، آراء شخصيات شاركت في الحراك المدني والسياسي والحقوقي، عن مآلات الثورة السورية، وما إن كانت حققت أهدافها، أم أن المسار ما يزال طويلاً؟

فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان 

على صعيد شخصي، هل تحقق ما كنت تنادي به خلال مشاركتك المبكرة في الثورة ضد النظام البائد؟

قدمتُ إلى هذا العمل في ربيع عام 2011، بصفتي شاهداً على فراغ صارخ. كان الجميع منشغلاً بالتنظير السياسي على أمل سقوط سريع للنظام، فيما كانت قوائم الشهداء والمعتقلين تتراكم من دون أن تجد منظومة توثيقية جادة تستوعبها. عندها قررتُ الفصل بين العمل الثوري والعمل الحقوقي، وهو قرار كلّفني عزلة عن بعض الحلقات الثورية.

ما تحقق على الصعيد الشخصي هو إثبات نموذج عمل قوامه أن التوثيق المنهجي الصارم يمكن أن يُترجم إلى أثر سياسي وقانوني حقيقي. هذا الجهد المتراكم على مدى سنوات أكسب الشبكة السورية مصداقية جعلت منها مصدراً أساسياً اعتمدته المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق المستقلة، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واليونيسيف والعديد من وزارات الخارجية. وهذا هو المعنى الحقيقي لشعار «لا عدالة بلا محاسبة»: هو منهج عمل وعقيدة مؤسسية.

لكن، ما لم يتحقق بعد هو الهدف الأساسي، المتمثل بـ”المحاسبة الفعلية”، فسقوط النظام الأسدي حدث تاريخي بالغ الأهمية، لكنه لا يمحو إرث الإفلات من العقاب الذي راكمه النظام على مدى عقود، ولا يزال كثير من مجرمي الحرب أحراراً.

إذن، من منظور حقوقي، هل تحقيق العدالة هو شرط أساسي لازم لانتصار الثورة؟

من منظور حقوق الإنسان، لا يمكن الحديث عن “انتصار” بمعناه الكامل ما لم تقترن إزاحة النظام بمنظومة عدالة فاعلة. كان سقوط الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024 شرطاً ضرورياً، لكنه ليس كافياً، فقد انطلقت الثورة السورية من أجل الكرامة وسيادة القانون والمساءلة، وهذه القيم لا تُقاس بلحظة السقوط وحدها، بل بما يحدث في اليوم التالي لها.

ما أبرز التحديات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا اليوم، خاصة فيما يتعلق بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات؟ وهل ترى أن غياب المحاسبة قد يهدد بإعادة إنتاج الانتهاكات في المرحلة المقبلة؟

يمكن إجمال أبرز التحديات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية في سوريا اليوم على النحو الآتي:

أولاً: القضاء والإطار القانوني: يعاني النظام القضائي السوري من إرث البنية البعثية القمعية، ولا يزال بحاجة إلى إصلاح جذري قبل أن يُعهد إليه بمحاكمات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. 

ثانياً: المختفون قسراً: وثّقت الشبكة، حتى آب/ أغسطس 2025، ما لا يقل عن 177,057 حالة اختفاء قسري منذ آذار/ مارس 2011، ويتحمل نظام الأسد مسؤولية أكثر من 90 بالمئة منها. الكشف عن مصيرهم بحاجة إلى جهد جبار ووقت طويل.

ثالثاً: المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب: أكثر ما يثير قلقي المقاربة الانتقائية في المحاسبة، من خلال التسوية مع بعض أذرع النظام الأسدي العسكرية والاقتصادية على حساب مبدأ المحاسبة الشاملة، وهذا يرسخ منطق الإفلات من العقاب.

بعد أكثر من عام على سقوط الأسد، ما هي أبرز القضايا الملحة التي لم تتحقق بعد؟

القضايا الملحة غير المنجزة:  ملف التشاركية السياسية والتعددية واحترام الإعلان الدستوري. إن غياب إطار دستوري تشاركي يضمن حقوق الجميع والتوزيع العادل للسلطة يُبقي البلاد على شفير أزمات هوياتية متجددة. 

وبكل تأكيد، ملف العدالة الانتقالية الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وإمكانيات وخبرات كي يتقدم إلى الأمام.

مزن مرشد، رئيسة رابطة الصحفيين السوريين

ما هو تقييمك لواقع حرية الصحافة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد؟

بعد سقوط نظام الأسد، يمكن القول إن هناك انفراجاً أولياً في واقع حرية الصحافة، خصوصاً على مستوى كسر حاجز الخوف وتعدد المنابر الإعلامية. وهذا بحد ذاته تحول مهم مقارنة بمرحلة كانت فيها الصحافة محكومة بالكامل بمنظومة أمنية مغلقة.

لكن في المقابل، هذا التحسن ما يزال غير مكتمل وغير مستقر. حرية التعبير لم تتحول بعد إلى منظومة قانونية ومؤسساتية راسخة، بل ما تزال مرتبطة بهوامش متغيرة، وهو ما يجعل أي تقييم حاسم مبكراً. نحن أمام مرحلة انتقالية تحمل فرصاً حقيقية، لكنها تحتاج إلى تثبيت وضمانات واضحة.

كيف تغيرت بيئة العمل الصحفي من حيث الأمان والقدرة على الوصول إلى المعلومات، وما هي التحديات الجديدة التي ما تزال تعيق العمل الصحفي في سوريا؟

بيئة عمل الصحفيين شهدت بعض التحسن من حيث إمكانية الحركة والوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات مقارنة بالسابق، لكن مسألة الأمان ما تزال هشة ومقلقة في بعض المناطق. 

التحديات لم تختفِ، بل تغيّر شكلها. ولم يعد الخطر فقط من القمع المباشر، بل هناك تحديات مثل: غياب تشريعات واضحة تحمي الصحفيين، ضعف الشفافية في بعض المؤسسات، انتشار الفوضى الإعلامية والمعلومات المضللة، وضغوط سياسية أو مجتمعية غير مباشرة

بمعنى آخر: البيئة أصبحت أقل انغلاقاً لكنها ليست آمنة بما يكفي بعد لممارسة صحافة مهنية مستقلة بشكل كامل.

من وجهة نظرك، هل يمكن اعتبار ما تحقق حتى الآن انتصاراً لحرية الإعلام، أم أن الطريق ما يزال طويلاً لبناء صحافة مستقلة ومهنية في سوريا؟

ما تحقق حتى الآن يمكن اعتباره خطوة مهمة باتجاه حرية الإعلام، لكنه ليس انتصاراً نهائياً. الانتصار الحقيقي لا يُقاس فقط بزوال الرقابة المباشرة، بل بقيام منظومة متكاملة تشمل: قوانين تضمن حرية الصحافة وتحمي الصحفيين، مؤسسات إعلامية مستقلة فعلاً، معايير مهنية واضحة والتزام بها، ووصول عادل وشفاف إلى المعلومات.

الطريق ما يزال طويلاً، لكن الفارق اليوم أن هذا الطريق أصبح ممكناً السير فيه، وهذا بحد ذاته تحول جوهري يجب البناء عليه بحذر ومسؤولية.

ياسمين مشعان، عضوة هيئة العدالة الانتقالية، وإحدى مؤسسات رابطة عائلات قيصر

هل يمكن الحديث عن “انتصار” للثورة السورية من وجهة نظر عائلات الضحايا رغم أن الآلاف ما زالوا يكافحون من أجل معرفة مصير أبنائهم؟

ذكرى انطلاق الثورة بالنسبة لنا هي ليست فقط ذكرى عزيزة وغالية وفرح، بل دائماً ما يرافقها غصة على أحبتنا والأشخاص الذين فقدناهم وكنا نتمنى لو أنهم بعد الانتصار كانوا معنا، ومما يزيد الألم والتعب أن الكثير من العائلات حتى الآن لا تعرف مصير أبنائها، وهم بحاجة إلى أن يعرفوا كيف يبدأ طريق الحقيقية ومن أين، وكيف تتحقق العدالة لهم، وهذا طبيعي لأن الأمر ليس كما كانت تتخيل عائلات الضحايا.

من خلال زياراتي واطلاعي على تجارب دول العالم، قبل التحرير وبعده، كنت أعرف أن المشوار طويل، وأن مشوار [كشف مصير المفقودين] قد لا يبدأ بعد الانتقال السياسي والتحرير مباشرة، لأنه يحتاج إلى جهود مالية وتقنية وخبرات، من قبيل وجود كوادر الطب الشرعي والأجهزة المناسبة والقدرة على إجراء فحص (DNA) والخبرات المعنية بالتحقيقات.

هل طرأ أي تقدم فعلي في ملف المفقودين والمعتقلين، أم أن عائلاتهم ما تزال تعيش حالة الانتظار والغموض نفسها؟

لدينا الآن هيئة خاص بالمفقودين، وهي تقوم بعملها على أكمل وجه، وبدأت بالتعاون مع جهات دولية  مثل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية التابعة للأمم المتحدة (IIMP)، والصليب الأحمر، بالإضافة لمنظمات المجتمع المدني السوري. ومن أهم المهام الحالية هي تلقي البلاغات عن المقابر الجماعية والعمل على حمايتها كخطوة أساسية في مسار البحث عن الحقيقة.

مشوار العدالة الانتقالية بدأ بترتيب خطط العمل، ولدينا الآن هيئة عدالة انتقالية، وهي تضم 6 مديريات، تعمل بشكل متوازٍ ومتكامل: مديرية الحقيقة، مديرية المساءلة والمحاسبة، مديرية جبر الضرر، مديرية تخليد الذكرى والذاكرة الوطنية، مديرية الإصلاح المؤسساتي، ومديرية المصالحة الوطنية.

مديرية الحقيقية تضع الآن خططها الاستراتيجية وتبني فرقها، وقريباً سوف تنطلق إلى المحافظات لمباشرة عملها، كذلك مديرية المساءلة والمحاسبة أعدت بعض الملفات من أجل تقديمها للقضاء، وأيضاً جبر الضرر بدأت عملها ونعمل على سجل الضحايا ومراكز التعافي ونظام الإحالة لتخفيف الضرر عن الضحايا، لكن كل هذا يحتاج إلى وقت وجهد.

قد نشعر نحن الضحايا بأن المسار تأخر، لكن عملية المأسسة الصحيحة تعطي نتائج صحيحة، ونحن نبذل كل جهودنا حتى نؤسس بشكل صحيح حتى تكون النتيجة صحيحة ومرضية للضحايا.

العدالة الانتقالية ليست قضاء وتقاضي، وإنما هي عملية شاملة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وقانونياً، وتهدف إلى إعادة النسيج المجتمعي السوري ليكون متماسكاً من جديد، وتعمل على إصلاح المشاكل البينية في المجتمع ومنظومة القوانين الموجودة حالياً، وهي عملية طويلة ومعقدة ولا تنحصر في محاسبة المجرمين ومقاضاتهم.

كامرأة، وكسيدة تنحدر من دير الزور، إحدى المناطق المهمشة في زمن النظام السابق، ما هو تقييمك للوضع بالنسبة للنساء وللمناطق المهمشة بعد أكثر من عام على سقوط الأسد؟

ما يزال التهميش مستمراً أو هكذا نشعر نحن أبناء دير الزور، رغم وجود شخصيات بمواقع حساسة في السلطة، لكن مقارنة بحجم الدمار وحجم التدخل الذي تعرضت له المحافظة نشعر بالتمييز والتهميش ليس فقط من السلطة بل حتى من منظمات المجتمع المدني والمؤسسات التي تركز عملها في مراكز المدن الكبرى فقط وتنسى الأرياف والمناطق الأخرى، وكأنه لا يوجد ضحايا سوى في دمشق وريفها وحلب وإدلب!

دير الزور بحاجة لاهتمام أكبر ومزيد من الرعاية، لأن المحافظة تعرضت لكثير من الاحتلالات ولكل احتلال إيديولوجية مختلفة، ومؤخراً انقسمت المنطقة إلى قسم خاضع لسيطرة “قسد” وآخر لسيطرة الدولة السورية، وهذا أثر على الناس وآلية تعاملهم معنا.

نحتاج إلى تعزيز دور الشباب والاهتمام بالمدارس والتعليم أكثر، لأن هذه المناطق تعرضت لداعش وقسد والنظام الأسدي والتشيع، لذا نحن بحاجة لإعادة بناء المجتمع من جديد على أسس صحيحة، وهذا يتطلب أن تكون دير الزور بمركزية عمل السلطة والمنظمات، لأن الإهمال مجدداً سوف يولد مزيداً من المشاكل.

وجزء من مسار العدالة الانتقالية أن يكون لدينا آلية عادلة لتوزيع عمل المنظمات، وهذا الجهد يقع على عاتق الجميع من هيئة العدالة الانتقالية والمنظمات والمؤسسات والإعلام والمجتمع والأفراد، الجميع لديه دور في العدالة الانتقالية وفي كيف يعيد بناء عدالة اجتماعية.

كامرأة لا أرى تمييز بحق النساء في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية بل نحن في قلب عملية صنع القرار، لكن هناك  تهميش للنساء بمفاصل الحياة الأخرى، وهذا يحزّ في نفسي أننا مازلنا بحاجة لأن نثبت للعالم من جديد أننا قادرات على العمل.

عبد الباسط سيدا، كاتب وسياسي كردي، شغل منصب رئيس المجلس الوطني السوري (المعارض) في عام 2012.

بعد سقوط نظام الأسد، هل حققت الثورة السورية أهدافها، وما هي الأهداف الأساسية التي لم تتحقق بعد؟

طالب السوريون في البداية بالإصلاح وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، ورفع حال الطوارئ؛ ولكن سلطة آل الأسد، واجهت تلك المطالب العادلة بالرصاص والقتل، وتحولت الانتفاضة إلى ثورة تطالب باسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه، وتطالب في الوقت ذاته بالحرية والكرامة والعدالة. 

تخلص السوريون من النظام، ولكنهم ما زالوا ينتظرون العدالة الانتقالية، وينتظرون النصوص الدستورية التي تبدد الهواجس على صعيد الحريات والحقوق سواء على الأفراد والجماعات، كما ينتظرون الاجراءات الفعلية التي تعزز الثقة المتبادلة بين سائر  المكونات المجتمعية السورية، وتحترم الحريات الفردية والحقوق على مستوى الأفراد والجماعات بغض النظر عن الانتماءات المجتمعية والجهات الجغرافية، وكل ذلك لا يمكن أن يتم ويكتمل من دون وجود مؤسسات ذات مصداقية وفعالية وتمتلك الشرعية الشعبية القانونية. 

كما أن الهاجس المعيشي بات يقضّ مضاجع السوريين. السوريون يحتاجون اليوم إلى أبسط شروط ومستلزمات العيش الكريم، فالشعارات  والكرنفالات لا تشبع أحداً، ولا يمكن أن تكون هي المعالجة في وضع يحتاج فيه الناس إلى حلول واقعية تقنعهم، وتضمن احتياجاتهم. 

إلى أي حد يمكن القول أن مطالب السوريين – بما فيهم الكرد على وجه الخصوص – قد تحققت؟ وما أبرز التحديات التي لا تزال قائمة أمام القضية الكردية في سوريا؟ وهل هناك خشية من إعادة إنتاج التهميش بحق الكرد في المرحلة المقبلة رغم التغيرات السياسية؟

المرسوم الرئاسي رقم ١٣ الخاص بالحقوق الكردية خطوة جريئة صحيحة في طريق صحيح، ويعد أرضية مناسبة لمناقشة القضية الكردية والتوافق على حل شامل ضمن الإطار الوطني السوري. ولكن مخاطر التراجع موجودة بفعل جهود البعض ممن ما زالت الأيديولوجيا، لا مصلحة البلد الحقيقة، توجههم. لذلك لا بدّ من متابعة الموضوع والتحاور مع ممثلي الكرد، فالموضوع الكردي أكبر من “قسد”، رغم أن هذه الأخيرة تحاول استغلال عدالة القضية الكردية واحتكارها، واستخدامها في صالح أجنداتها، وبلوغ مكاسب حزبية ضمن مؤسسات الدولة السورية.

هناك حاجة ماسة إلى أن يقر الدستور السوري بالحقوق الكردية المشروعة وحقوق سائر المكونات والمواطنين السوريين، لتبديد الهواجس وطمأنة الجميع. علينا أن نفعل ذلك بناء على مصالحنا الوطنية العليا، لا فقط لإرضاء المجتمع الدولي. فسوريا الموحدة جغرافياً والمتماسكة مجتمعياً، ستكون قوية وقادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، خاصة في ظروف الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران وتبعاتها الآنية والمستقبلية التي ستتأثر بها منطقتنا، وسيتأثر بها بلدنا الذي هو في عين العاصفة.

هل تسير الحكومة السورية والمجتمع الدولي- باعتباره مراقباً ضاغطاً – بالاتجاه الصحيح فيما يخص المكونات السورية، أم أننا نتجه إلى تأسيس نظام طوائف كما هو الحال في لبنان؟ 

حصر الموضوع الكردي في التوافقات مع “قسد” يؤسس لنظام زعماء الطوائف؛ لأن قيادات “قسد” وكوادر حزب الاتحاد الديمقراطي ومن خلفهم سيعتبرون أن الموضوع هو حكر عليهم، بل هو ملكهم، ومن حقهم أن يكونون الممثلين الشرعيين والوحيدين للكرد في سوريا، وهذا أمر يجانب الواقع. لذا، لا بد من مناقشة الموضوع الكردي مع سائر ممثلي الكرد من القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والفكرية والثقافية، وهذا ما يضع القضية في إطارها الوطني الصحيح، فهذه القضية هي قضية وطنية بامتياز تخص سائر السوريين؛ ومعالجتها بصورة عادلة يؤسس لعلاقات طبيعية منتجة بين جميع المكونات المجتمعية السورية وعلى كامل التراب الوطني السوري. والأمر كذلك بالنسبة للمكونات المجتمعية السورية الأخرى سواء في الساحل أم السويداء أو المسيحين والسريان الآشوريين والتركمان وغيرهم.

شغلتم سابقاً منصباً قيادياً رفيعاً في المعارضة. بحكم هذه التجربة، ما هي أهم القضايا التي ترى ضرورة العمل عليها حالياً لو كنت من ضمن صناع القرار؟

المهم في هذه المرحلة هو عدم الخلط بين مهام الحكومة المؤقتة والحكومة المنتخبة. الحكومة المؤقتة الحالية ليس من صلاحيتها مصادرة مسؤوليات ومهام الحكومة المنتخبة المنتظرة.

الإسراع في إصدار قانون الأحزاب والجمعيات حتى ولو بمرسوم رئاسي (نظراً لأهمية الموضوع وطبيعة المرحلة، وضرورة التمهيد للمرحلة القادمة). وهذا يدخل ضمن دائرة هدف الحرية الذي استشهد لأجله مئات الآلاف من السوريين.

⁠إعطاء الأولوية القصوى للموضوع المعيشي واعتماد الحلول الواقعية السريعة؛ فالجائع والمريض والعاري والمشرد لا يمكنهم أن ينتظروا أكثر. وهذا يدخل ضمن هدف العدالة التي ضحى في سبيلها السوريون خلال الثورة.

⁠العمل الدؤوب من أجل اعادة سائر المهجرين واللاجئين إلى ديارهم بكرامة واحترام وتأمين الاساسيات المعيشية لهم.

⁠اعتماد خطاب وطني جامع يطمئن الجميع في الإعلام الرسمي، ومحاسبة المسيئين الذي يعتمدون الخطاب الطائفي أو القومي وسيلة للتجييش والكراهية أمام القضاء العادل وبصورة علنية. هنا علينا ألا ننسى هنا الشعار المبدع الذي رفعه شباب الثورة في أيامها الأولى: (واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد).

المهندس مظهر شربجي، خبير حوكمة وانتخابات

من موقعكم كرئيس بلدية سابق لمدينة داريا بريف دمشق، وخبير في الإدارات المحلية، كيف تقيمون اليوم واقع الخدمات والبنية التحتية بعد انتصار الثورة السورية، وهل هناك تحسن ملموس في حياة السكان؟

بشكل عام الخدمات متدنية بسبب عدم وجود موازنات للوحدات الإدارية والبلديات في سوريا، وهذا يخلق مشكلة في حوكمة المؤسسات. وكذلك نتيجة عدم تعيين موظفي إدارات أصحاب كفاءة وخبرة، ما ينعكس على الخدمات ويجعلها متدنية. 

كان من المفترض أن يكون لدينا تمثيل حقيقي عبر انتخابات حقيقية بدلاً من التعيين، الذي يجري حسب المحسوبيات وبناء الثقة، والذي لا يفضي إلى نتيجة جيدة على صعيد الخدمات، لذلك فالناس لديها ردة فعل على مستوى الخدمات التي تقدم، وهذا كان من الممكن تجاوزه كما حدث في كثير من الثورات والتجارب التي سبقتنا عبر توظيف أشخاص وطنيين وأصحاب خبرة وكفاءة.

هناك انتشار كبير جداً للمخالفات، إضافة إلى عدم فهم واقع الإدارة المحلية. برأيي الوضع ليس جيد على مستوى البنى التحتية وعلى مستوى الخدمات، رغم وجود تحسن عن ما كانت عليه بداية الثورة. مثلاً هناك تحسن في الكهرباء والمياه، لكن ملف البنى التحتية والخدمات والطرق، فالوضع سيء للغاية، والخدمات محدودة ضمن الظرف الحالي بعد مرور سنة على التحرير، وأتوقع كان من الممكن أن يكون الأمر أفضل لو تم إجراء انتخابات حقيقية وتمثيل حقيقي للمجالس المحلية والإدارات والمؤسسات.

كيف تغير سلوك عمل المؤسسات الحكومية والإدارات المحلية بعد سقوط النظام؟

بعد التحرير، نجد أن سلوك عمل المؤسسات بشكل عام غير واضح، هناك فوضى بسبب التعيينات غير المنطقية، وبسبب انتشار الفساد إلى حد ما من فلول النظام السابق الذين علّموا الأقسام الجديدة. هناك انتشار للفساد خاصة في المصارف والبنوك، وأيضاً في بعض المؤسسات الحكومية لكن بشكل غير معلن أو من تحت الطاولة.

موظفو الإدارات المحلية بعد سقوط النظام هم أشخاص جيدون لكن ليسوا أكفاء أو أصحاب خبرة، وذلك لكون الاختيار تم بناء على الثقة والمحسوبيات والمعارف والعلاقات العائلية. 

لا يوجد محاسبة ولا رقابة على هذه الأعمال والممارسات بشكل كامل، بالمقابل هناك تركيز جيد على المستوى الأمني والأمن والسلامة، والذي أصبح متوفراً في البلد. لكن يجب أن يسير ملف الخدمات بالتوازي مع النجاح الأمني، خاصة أن لدينا محافظات ومؤسسات وبلديات تعمل. خلال الأشهر الماضية حصل تغيير كبير في رؤساء البلديات وهذا يدل على فشل الوحدات الإدارية.

برأيك، ماهي أبرز التحديات التي تواجه إعادة بناء الإدارة المحلية في مدن مدمرة مثل داريا، وما الذي يجب تغييره لضمان مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية؟

يوجد عدم وضوح في الرؤية المستقبلية للمناطق المدمرة، مثل: جوبر، داريا، دير الزور، وكل المناطق المدمرة، بمعنى هل تذهب نحو الاستثمار أم نحو التخطيط الجيد أم نحو إعادة إعمار كما كانت عليه؟. الاستثمارات القادمة غير واضحة حالياً.

أيضاً هناك تأخير في انعقاد مجلس الشعب، الذي قد يصدر تشريعات جديدة تتعلق بكل القطاعات، من قبيل: التعليم، الصحة، الخدمات، الإدارة المحلية، البنية التحتية، والمشاريع الاستثمارية، لذلك وجهات النظر بين المخططين والمسؤولين الحكوميين ضائعة، وأيضاً هناك غياب للوزارات وخططها وبرامجها، والتي تنتظر انعقاد البرلمان لطرح مشاريع القوانين التي تعمل عليها.

عدم توفر المال هو من أبرز التحديات، فالأموال التي جمعت لتمويل الجانب الخدمي عبر الحملات الشعبية كانت وهمية، ولم تغيّر شيئاً على أرض الواقع.

ويجب الاعتماد على الخبرات والكفاءات وفق معايير ومبادئ الحوكمة الرشيدة، وهي التشاركية، وسيادة القانون ومن ثم الشفافية، لكن لا يوجد وضوح ولا سيادة للقوانين لأنها مجمدة، ولا يوجد تشاركية في القرار في أغلب المدن لا على مستوى إعادة الإعمار ولا على مستوى الوحدات الإدارية أو البلديات، أيضاً لا يوجد شفافية في طرح المناقصات والعروض، وهناك غياب للرقابة والمحاسبة، لذلك نلاحظ انتشار الفساد وبداية توسعه.

من ناحية أخرى، هناك تحديات مرتبطة بالفلول من جهة والأوضاع الأمنية القلقة في الشمال الشرقي والجنوب السوري.

شارك هذا المقال