قناة تفاوض “جديدة” بين دمشق والسويداء.. هل تنهي حالة الاستعصاء؟
بعد أشهر من الجمود، أعادت عملية تبادل الموقوفين بين دمشق وفصائل السويداء فتح قناة تفاوض "جديدة"، لكن الانقسام الداخلي داخل المحافظة وصراع التمثيل يعيدان طرح سؤال هل تنتهي حالة الاستعصاء؟
9 مارس 2026
باريس- بعد أشهر من “جمود” ملف السويداء، أعادت عملية تبادل الموقوفين بين الحكومة السورية والحرس الوطني في السويداء، التابع للشيخ حكمت هجري، في 26 شباط/ فبراير الماضي، تحريك المياه الراكدة في المحافظة، التي تطالب “حق تقرير المصير” وترفض الخضوع لدمشق منذ أحداث تموز/ يوليو 2025 التي تسببت بوقوع ضحايا مدنيين من الدروز والبدو.
أطلقت دمشق سراح 61 موقوفاً من أبناء السويداء احتجزتهم خلال أحداث تموز/ يوليو، فيما أفرج الحرس الوطني عن 25 موقوفاً، في خطوة جرت برعاية أميركية، وهي أول إجراء من نوعه بعد أشهر من القطيعة السياسية والأمنية بين الطرفين.
وتزامنت العملية مع تحولات محلية شهدتها السويداء، من قبيل: توترات بين الفصائل المحلية، ومغادرة العديد من الأشخاص من السويداء باتجاه دمشق، بينهم شخصيات معروفة، كما هو حال الأمير حسن الأطرش أمير “دار عرى”، وبروز مبادرات سياسية جديدة مثل مبادرة “التيار الثالث”، وهي مبادرة أهلية تضم شخصيات من مختلف المكونات السورية في السويداء تحاول تقديم حلول لإنهاء حالة الاستعصاء في السويداء ومنع الانزلاق نحو المزيد من الفوضى.
بدت عملية التبادل على أنها خطوة إنسانية في ظاهرها، ومع ذلك فإنها تعيد طرح أسئلة أوسع حول ما إذا كانت المحافظة تتجه نحو مسار تفاوضي تدريجي مع الحكومة السورية، أم أن ما جرى لا يتجاوز كونه “حدثاً” عابراً في واحدة من أكثر الساحات السورية استعصاءً. إذ تعيش السويداء في مشهد سياسي وأمني معقد، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع الضغوط الإقليمية والدولية، لاسيما الإسرائيلية.
بداية مسار تفاوضي؟
توسطت الولايات المتحدة الأميركية بين الحكومة السورية والرئيس الروحي للطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، لإتمام صفقة التبادل. وكان من المفترض أن يُفرج الحرس الوطني عن 30 عنصراً من العناصر الحكومية المحتجزين لديه بحسب الصفقة، إلا أنه أطلق سراح 25 عنصراً فقط، وأبقى على الآخرين “بسبب صلة قرابة تجمعهم مع شخصيات حكومية بارزة”، من أجل الضغط على الحكومة للإفراج عن بقية الموقوفين لديها من أبناء السويداء.
تشير عملية التبادل إلى أن الطرفين “تجاوزا مرحلة اختبار الثقة، وانخرطا في مسار تفاوضي”، خاصة أن الفصائل العسكرية في السويداء كانت “ترفض رفضاً قطعياً التفاوض مع حكومة دمشق”، قال صحفي مقيم في ريف السويداء طلب من “سوريا على طول” عدم كشف هويته لأسباب أمنية.
وربط المصدر العملية بالضغط الاجتماعي المحلي المتزايد، لأن “الأهالي يريدون معرفة مصير أبنائهم المعتقلين والمغيبين، والعودة إلى بيوتهم وأراضيهم، وهذا أدى بدوره إلى الضغط على الحرس الوطني للقبول بالتفاوض”.
“مجرد البدء بالتفاوض يعني أننا في طريق الحل في السويداء”، قال الصحفي، متوقعاً أن تستغرق العملية عدة أشهر، لكن في نهاية المطاف “حالة الاستعصاء سوف تنتهي”، لا سيما مع وجود “ضغط أميركي وإسرائيلي وعربي، خاصة الجانب الأردني، من أجل دفع السويداء إلى التفاوض”.
وكشف الصحفي عن وجود مسار تفاوضي بين دمشق والسويداء، يديره من جهة السويداء “شخصية مقبولة لدى الطرفين، وهو قيادي في الحرس الوطني ومقرب من دار قنوات، وعمل قبل سقوط النظام البائد مع فريق وزير الخارجية السورية الحالي أسعد الشيباني في السويداء”. لكن هذا المسار يصطدم بوجود أشخاص من الطرفين “لا يريدون الحل”.
من جهته، اعتبر الدكتور كنان مسعود، المتحدث باسم مبادرة “التيار الثالث”، أن “صفقة التبادل هي بادرة حسن نية جيدة، وتقلب الطاولة على من يحتكر قرار السويداء”، إذ “جاءت الصفقة بعد ثمانية أشهر من حالة الاستعصاء والاستقطاب التي تعيشها السويداء لتؤكد على أنه لا يوجد حل سوى الحوار”.
“قد تفتح العملية الباب لخطوات لاحقة تساهم في إعادة بناء الثقة، وتفتح مساراً تفاوضياً أوسع يهدف لتحقيق المطالب المحقة لجميع مكونات السويداء بدل البقاء في حالة استعصاء”، قال مسعود لـ”سوريا على طول”، موضحاً أن “من يحتكرون قرار السويداء لم يكونوا موافقين على التفاوض، لكنهم أجبروا على التفاوض مع الحكومة”.
في المقابل، تظل المخاوف قائمة من أن تتكرر عرقلة التفاهمات كما حدث قبل أحداث تموز/ يوليو الماضي، ولعب الشيخ الهجري دوراً سلبياً معطلاً فيها. لكن الصحفي من السويداء، قال أن “الهجري موافق على المسار التفاوضي، وهو منخرط فيه، ولم تكن عملية التبادل لتتم دون موافقته وقبوله بالتفاوض”.
في السياق ذاته، اعتبر الصحفي قتيبة جمال عزام، المقيم في السويداء، أن “تبادل الأسرى هو انعكاس لانتصار القضية في السويداء”، وقال لـ”سوريا على طول”: “من غير المقبول أن تقوم سلطة ودولة بأخذ الناس رهائن وتدخل في صفقة تبادل أسرى، ولم تعرض هؤلاء المعتقلين على قاضي وهم في غالبيتهم مدنيين مقابل مقاتلين بعضهم غير سوري وغير منتسب للجيش والأمن الداخلي”.
وأضاف عزام “زادت الصفقة الحقد والكره ضد السلطة في دمشق، بينما مؤسسة الحرس الوطني لم تترك أولادنا معتقلين”، لذا استبعد أن تفضي عملية التبادل إلى “مسار تفاوضي أوسع”.
من جهته، رأى الأكاديمي السوري، الدكتور رفعت عامر، أنه “لا يمكن فتح مسار تفاوضي كحل دائم لمسألة السويداء دون العودة إلى الأسس التي يجب أن تُبنى عليها الدولة”، لذا “حتى نصل إلى مسار تفاوضي فعلي وليس وهمي أو مؤقت، تحتاج البلاد العودة إلى فتح حوار وطني يفضي إلى اختيار لجنة للبدء بعمل مشروع دستور جامع، تمهيداً للانتخابات”.
وشدد عامر، الذي ينحدر من السويداء ويقيم في السويد، على ضرورة “طرح ملف العدالة الانتقالية في البلاد، ودونه لا يمكن لسوريا ولا أي بقعة منها أن تعيش بسلام وتمضي بالمسار السلمي حتى النهاية”.
وعليه، لا تعدو عملية التبادل أكثر من كونها “نوع من التقريب أو تجميد الصراع، وهي خطوة مهمة في ظل انسداد كل المسارات في سوريا”، معتبراً أن “فتح أي مسار بهذا الشكل إيجابي ومهم، وكل خطوة تحمي الناس وتطلق سراح المعتقلين لا بد أنها مهمة، وتعيد تدريجياً الثقة في ظل انعدام ثقة أهالي السويداء بالسلطة، وانعدام ثقة السلطة وفصائلها بفصائل السويداء”.
في الطرف المقابل، اعتبر الخبير العسكري والأمني، عصمت العبسي، القريب من حكومة دمشق، أن عملية التبادل “لا تشكل بالضرورة بداية مسار تفاوضي رسمي، وإنما يمكن اعتبارها إجراءً تقنياً لوقف التصعيد”. مشيراً في حديثه لـ”سوريا على طول”، إلى أن “المشكلة الأساسية تكمن في تدني عامل الثقة بين الحكومة والقوى المسيطرة في السويداء، إضافة إلى تعبئة قرار هذه القوى لإسرائيل”.
من يمثل السويداء؟
لا يقتصر تعقيد ملف السويداء على العلاقة المتوترة بين الحكومة السورية والفصائل في السويداء، بل يمتد أيضاً إلى حالة الانقسام داخل المحافظة نفسها، وبينما تكشف عملية التبادل المحتجزين عن وجود قناة تواصل جديدة مع دمشق، تبرز مجدداً أزمة احتكار قرار السويداء وتمثيلها.
إذ شهدت السويداء، في 20 شباط/ فبراير الماضي، توتراً أمنياً إثر عملية اختطاف تعرض لها القائد السابق لحركة رجال الكرامة، الشيخ يحيى الحجار، من مزرعته، على يد “مكتب أمني يتبع للحرس الوطني”، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد ساعات قليلة.
اعتبر الخبير العسكري والأمني العبسي أن “التوتر بين رجال الكرامة والحرس الوطني يعكس صراعاً على السلطة والنفوذ داخل المشهد الدرزي”. لكن عزام قلل من شأن تلك الحادثة، معتبراً أن المجموعات والفصائل المحلية في مرحلة “الاندماج والتجانس، وهي تتنازل عن خلافاتها الداخلية لتفعيل الشرطة والقضاء”.
وعلى خط موازٍ، حمل خروج الأمير حسن الأطرش -أحد أبرز الشخصيات الاجتماعية في السويداء- من مكان إقامته في “دار عرى” جنوب غرب مدينة السويداء إلى محافظة درعا، في 16 شباط/ فبراير الماضي، دلالات إضافة على أزمة تمثيل المحافظة واحتكار قرارها. بعد يومين من خروجه، قال الأطرش في تسجيل مصور له من ساحة المرجة في دمشق، أن قرار خروجه من السويداء إلى دمشق كان “حقناً للدماء ومنعاً لفتنة كانت تدبر في الخفاء تستهدف تصفيته وعائلته”.
وتبرز مكانة الأمير الأطرش انطلاقاً من كونه حفيد قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي، سلطان باشا الأطرش. كما تمثل “دار عرى”، التي يتسلم حسن الأطرش إمارتها، ثقلاً سياسياً واجتماعياً في المحافظة، مقابل الثقل الديني لدار قنوات، دار عائلة الهجري، بحسب الصحفي المقيم في ريف السويداء.
وقال الصحفي: “عندما يلتقي القائم بدار قنوات والقائم بدار عرى على مدخل باب ما، فإن من يدخل أولاً هو أمير دار عرى، وكذلك الحال لو اجتمعا في مضافة فإن القهوة تقدم أولاً للأمير قبل الهجري”، في إشارة إلى تفوق مكانة دار عرى اجتماعياً وسياسياً داخل السويداء.
لكن هذه التراتبية لم تمنع إعادة تشكيل موازين القوة داخل الجبل، إذ تمكن الشيخ الهجري خلال الأشهر القليلة الماضية، من “تحييد شيخي العقل الآخرين وكذلك أمير دار عرى وكل الزعامات الدينية والتقليدية بالمحافظة”، بحسب الصحفي، مشيراً إلى أن “شخصية الأمير حسن الأطرش الضعيفة وعدم امتلاكه لشخصية قيادية أدت إلى نجاح الهجري في تهميشه وخسارته لمكانته الاجتماعية بين الناس”.
وسط هذا المشهد، ظهرت مبادرات جديدة في المحافظة تحاول تقديم مقاربة مختلفة للخروج من حالة الاستعصاء، أبرزها مبادرة “التيار الثالث” التي تسعى إلى طرح مسار مدني يخفف من حالة الاستقطاب بين القوى المختلفة داخل السويداء.
وتهدف المبادرة إلى تحويل حالة الجمود السياسي إلى مطالب واضحة وقابلة للتنفيذ، بحسب المتحدث باسم المبادرة مسعود، قائلاً: “نحن نطرح فكرة تحويل حالة الاستعصاء في السويداء إلى مطالب محقة ومجدولة وفق جدول زمني، ونحن ناشطون من مختلف المكونات نقدم مثالاً جديداً بعيداً عن احتكار القرار الحاصل في السويداء”.
إذ تحاول المبادرة كسر ثنائية الاصطفاف بين مؤيدين للسلطة ومعارضين لها، موضحاً: “أسمَينا المبادرة بالتيار الثالث، لأننا نرفض أن نكون في صف التيار الذي يعادي السلطة أياً كانت والتيار المؤيد لها، فنحن ضد المشاريع الانفصالية والخارجية، وفي الوقت نفسه لا نوافق على كل تصرفات السلطة في دمشق”.
وواجهت المبادرة ضعوطاً بعد الإعلان عنها، ما دفع بعض القائمين عليها من داخل السويداء الانسحاب منها “بعد ساعتين من الإعلان عنها، بسبب تهديدهم بالقتل”، بحسب مسعود.
السويداء بين التسوية والاستعصاء السياسي!
مع تراجع حدة التوتر في ملف شمال شرق سوريا نتيجة التفاهمات التي حققتها دمشق في ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، زاد الحديث عن إمكانية تحريك ملف السويداء. لكن خصوصية المحافظة الجنوبية، وتعقيد التوازنات داخلها، إضافة إلى حساسية حضور القوات الحكومية فيها، تبقي السويداء واحدة من أكثر الساحات السورية استعصاءً على التسوية حتى الآن، رغم الخطوات المحدودة التي ظهرت مؤخراً، مثل تبادل الموقوفين.
“المزاج العام في السويداء ينتظر الحل، لكن لدى الأهالي خوف كبير من إعادة دخول القوات الحكومية، فهناك شرخ لا تحله تسوية سياسية، والمجتمع لا يتقبل تسوية تسمح بدخول الجيش والأمن للمحافظة حتى لو كانوا من أبناء السويداء”، قال الصحفي عزام.
وأضاف: “الإشارات التي تصل من السلطة ومسؤوليها لأهالي السويداء مستفزة، وكذلك الخطاب والقرارات الحكومية تكون سلبية وتزيد حالة النفور وعدم الثقة”.
في المقابل لفت الصحفي من ريف السويداء إلى هشاشة التوزانات الداخلية أمام أي ضغط خارجي، قائلاً: “نتمنى أن لا تقع الحكومة في نفس الخطأ الذي حصل في تموز الماضي”، مشيراً إلى أنه على الرغم من الخلافات الداخلية والانقسامات الحادة فإن “المجتمع الدرزي ينكمش على نفسه ويصبح كتلة واحدة في حالة الخطر الخارجي وينحّي خلافاته الداخلية لحماية وجوده”، لذا “يجب على الحكومة أن لا تقع في نفس الخطأ وتزيد حالة الانكماش”.
أعطى تعامل الحكومة السورية مع ملف “قسد” “حالة من الأمان والثقة” للاهالي والفصائل العسكرية في السويداء، و”أضعف التيار الانفصالي في السويداء”، بحسب الصحفي من ريف السويداء، مضيفاً: “لسان حال فصائل السويداء: طالما اندمجت قسد [في الدولة] فإن شعرة معاوية لم تنقطع، وأن اندماجنا في الجيش والأمن الداخلي السوري ما يزال ممكناً”.
وأضاف: “الفصائل العسكرية دائماً ما تبحث عن مصالحها: رواتب عناصرها، وتنظيمها في القوات الحكومية”.
وحذر الصحفي الحكومة السورية من السيناريو العسكري “حتى لو كان محدوداً أو جراحياً، لأنه سوف يعقد المشهد في السويداء”، مشدداً على أن “الحل يجب أن يكون عبر فكفكة ملف الاستعصاء بطريقة سياسية”.
من خلال احتكاكه مع مجتمعه المحلي، لاحظ الصحفي أن “الناس بدؤوا يغيرون قناعاتهم”، وهذا يشير إلى إمكانية قبول أهالي السويداء بتسوية، على أن تكون “قريبة من شكل تسوية قسد، بشقها السياسي دون العسكري، مع دمج الحرس الوطني، وتعيين محافظ من أبناء السويداء ومنحها لا مركزية إدارية”.
من جهته، قال العبسي: “إن خارطة طريق حل الأزمة في السويداء واستقرار جنوب سوريا التي أعلنتها وزارة الخارجية السورية، تقوم على مقاربة تركز على: تثبيت وقف إطلاق النار، استعادة الأمن والاستقرار، دمج الأقليات، وتطبيق الآليات المشتركة مع الأردن والولايات المتحدة”.
هناك ثلاثة سيناريوهات لأزمة السويداء، بحسب العبسي، يتمثل السيناريو الأول بـ”الاستقرار النسبي واستمرار وقف إطلاق، ومن ثم تطبيق خارطة الطريق بفعالية عبر تدويل الملف مع الأردن والولايات المتحدة”. أما السيناريو الثاني: “التصعيد المتقطع مع انتكاسات أمنية محدودة، واستمرار التوتر بين الفصائل والأجهزة الأمنية، واستمرار التدخل الإسرائيلي المحدود لتفجير الوضع”.
والسيناريو الثالث: “التسوية الجزئية لقضايا محددة مثل: الأسرى، والملفات الأمنية. مع استمرار الخلافات على القضايا الجوهرية: الحكم المحلي، والإدارة. وتجميد الأزمة دون حل جذري”، أضاف العبسي.
رجح العبسي السيناريو الأول، مع “احتمال اندلاع موجة عنف محدودة خلال الأشهر القادمة، خاصة مع وجود عوامل خارجية وإقليمية تؤثر على الملف السوري بشكل عام والسويداء بشكل خاص”.
