كشف الرفات في الأنقاض: نحو إدماج حقوق المفقودين في سياسات إعمار سوريا
مع استمرار عمليات إزالة الأنقاض وتدويرها في أنحاء سوريا، والإعلان عن مشاريع ضخمة لإعادة تدويرها في البناء، تبرز الحاجة الملحة إلى تنظيم هذه العمليات بما يراعى مسألة البقايا البشرية وحقوق الضحايا وعائلات المفقودين
29 ديسمبر 2025
منذ أن وقعت عيناي على صور بيت طفولتي في دمشق الذي تحول إلى ركام شاهد على الحرب السورية، وأنا أفكر بما قد تخفيه أنقاضه. لم يتبق منه إلا كتل الإسمنت والحديد، ولكن هذا الدمار لم يستطع محو ذكريات طفولتي، بل أيقظها بشكل أكبر. تواردت في مخيلتي صور الأصدقاء الذين كنا نلعب معاً، ووجوه الجيران.
مع هذا الاستدعاء المؤلم للذكريات، تسلل إليّ سؤال صادم: كم من رفاقي وجيراني يغفون مفقودين الآن تحت هذا الركام؟
كانت منطقة البيت في خطوط الجبهة الأمامية، وشهدت على قسوة البراميل المتفجرة وعبث الطيران. هذه الأنقاض الصامتة ليست مجرد ركام مبعثر، بل قد يُخفي تحته بقايا مفقودين يبحث أهاليهم عنهم. قد تخفي هذه الأنقاض الهامدة في جنباتها ضجيج أجساد وأشلاء تتوسل عدم سحقها في كسارة حجارة، وسجنها للأبد في قالب إسمنتي، أو مدّها في طريق إسفلتي.
شهد السوريين لسنوات عديدة عبر آلاف المقاطع المصورة، المحاولات المستميتة التي بذلها الدفاع المدني والأهالي لانتشال الأحياء والجثث من تحت الأنقاض وركام الأبنية التي دمرها القصف الجوي والبراميل المتفجرة وغيره.
مع رحيل نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، وانفتاح البلاد على مأساتها، أصبحت مشاهد الدمار الهائل جزء يومياً من مشاهداتنا، وتحولت الأنقاض إلى أكثر من مجرد بقايا أبنية مهدمة، بل شواهد صامتة على مأساة إنسانية عميقة، قد تخفي بينها أشلاء مفقودين وأجوبة للعائلات المكلومة. خاصة في مناطق الجبهات والمناطق التي تعرضت للقصف بالطائرات والبراميل المتفجرة. الأنقاض الناتجة عن سنوات الحرب في سوريا قد تحوي، أعداداً كبيرة من جثث المفقودين.
لا يزال العثور على الجثث والأشلاء والعظام مستمراً في أنحاء سوريا، ليس فقط في المقابر الجماعية المكتشفة، بل في مواقع ومرافق متنوعة تشمل الآبار ومخازن الأدوية والمواقع العسكرية وأقبية المباني السكنية والأراضي الزراعية.
رغم هذا الواقع المأساوي، لا توجد حتى اليوم أي خطة وطنية معلنة للبحث المنهجي عن الجثث والبقايا البشرية، حيث تظل “الصدفة” هي المحرك الأساسي للاكتشافات التي يقوم بها المواطنون، مما يعرض الأدلة الجنائية والرفات لخطر الطمس النهائي، ويقوض جهود البحث عن المفقودين.
من بين المخاطر التي تواجه ملف المفقودين في سوريا هو الإزالة العشوائية للأنقاض وإعادة تدويرها بلا فحص للكشف عن بقايا بشرية. عدم فحص الأنقاض ينتهك واجبات الدولة تجاه مواطنيها، والمعايير الدولية المتعلقة بإدارة الموتى في الكوارث والنزاعات، وغيرها من التزامات سوريا الدولية المتعلقة بالمفقودين وحقوق الضحايا والعائلات.
تتركز الأنقاض الهائلة عموماً في مناطق المعارك الرئيسية التي تعرضت لقصف مكثف، وفي الوقت الذي بدأت فيه جهود ترحيل الأنقاض ومعالجتها وإعادة تصنيعها في أنحاء مختلفة من سوريا كخطوة إيجابية وحيوية نحو إعادة الإعمار، تبرز معضلة أخلاقية وإنسانية كبرى: كيف يتم التأكد بشكل قاطع من خلو هذه الأنقاض من رفات المفقودين قبل معالجتها وإعادة استخدامها في البناء؟ وقبل أن يختفي أي أثر للمفقودين عن وجه الأرض، وقبل أن تمتزج أشلاءهم بالاسمنت وتصب في قوالب بلوك وأبنية وطرقات.
مع استمرار عمليات إزالة الأنقاض وتدويرها في أنحاء سوريا، وتصاعد وتيرتها والإعلان عن مشاريع ضخمة لإزالة الأنقاض وإعادة تدويرها في البناء، تبرز الحاجة الملحة إلى تنظيم هذه العمليات والمشاريع التي تبعث الحياة في سوريا، بما يراعى مسألة البقايا البشرية وحقوق الضحايا وعائلات المفقودين. ففي تشرين الأول/ نوفمبر 2025، أطلق الدفاع المدني السوري – بتمويل سعودي – مشروع إزالة الأنقاض في الغوطة الشرقية. لا يقتصر المشروع على ترحيل الأنقاض، بل يهدف إلى إعادة تدوير عشرات آلاف الأمتار المكعبة منها، على أن تنفذ جزء من عمليات الإزالة والتدوير شركات خاصة.
في الأخبار والمقابلات والتقارير التي تتحدث عن إعادة الأعمار وترحيل الأنقاض وإعادة تدويرها، لم يرد ذكر أي إجراء متعلقٍ بالفحص للكشف عن بقايا بشرية، رغم الكشف شبه اليومي عن جثث وبقايا بشرية في مناطق متنوعة بمختلف أنحاء سوريا.
اقرأ المزيد: نبش الحقيقة: كيف تواجه سوريا ملف المقابر الجماعية والمفقودين؟
لمواجهة مخاطر انتهاك حقوق الضحايا والتزامات سوريا الدولية، يجب إعداد خارطة طريق وطنية للانتقال الفوري من منهجية الإزالة العشوائية للأنقاض واكتشاف الصدفة إلى الترحيل الآمن والبحث المنهجي عبر خطوات منها:
أولاً: إنشاء سجل وطني للأنقاض، وبناء قاعدة بيانات شاملة تدمج سجلات القصف مع شهادات الناجين وسكان المناطق المتضررة، لتحديد المواقع وتصنيفها بدقة وفق درجة احتمالية وجود بقايا بشرية فيها.
ثانياً: إعداد تعليمات تقنية تلزم الشركات والجهات المنفذة لإزالة الأنقاض بفحص الأنقاض ومعالجتها بوسائل تقنية تضمن خلوها من البقايا البشرية قبل البدء بأي عمليات تدوير، منعاً لتحول رفات المفقودين إلى جزء من مواد البناء الجديدة، وضياع الحقيقة وأمل العائلات بالعثور على أحبائهم.
ثالثاً: لضمان الالتزام بالخطة الوطنية لمعالجة الأنقاض يحب سن تشريعات تفرض عقوبات رادعة على الشركات التي لا تلتزم بتعليمات الكشف عن الرفات. يجب أن تتضمن هذه التشريعات تكييفاً قانونياً يعتبر إهمال الفحص إعاقة للعدالة والتحقيقات الجنائية وطمس الأدلة الجنائية، مما يستوجب الملاحقة القضائية والغرامات المالية.

آليات الدفاع المدني تعمل على إزالة الأنقاض في ريف دمشق، ضمن مشروع إعادة تدوير وتأهيل وإزالة الأنقاض، بتمويل من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، 26/ 11/ 2025، (سانا)
يمكن وضع خطة إلزامية متعلقة بالبناء وإعادة الإعمار، بما فيه للشركات العاملة في مجال إزالة ومعالجة الأنقاض. وقد استُخدمت تقنيات الكشف عن الرفات البشرية بالطائرات المسيرة والمجسات وأجهزة الرادار المخترقة للأرض في دول عديدة منها إسبانيا، والمكسيك، وتشمل التقنيات المتخصصة في الكشف والفحص بما يسبق عملية الترحيل:
- المسح الجيوفيزيائي والراداري (GPR) عن طريق الرادار المخترق للأرض (Ground Penetrating Radar – GPR). ترسل هذه التقنية موجات رادارية إلى عمق الركام، وتقوم بتحليل انعكاساتها بما يمكنها من الكشف عن الفراغات أو التغيرات في الكثافة داخل الأنقاض، والتي قد تشير إلى وجود أجسام بما فيها الرفات.
- الكشف الحراري والمستشعرات الكيميائية، باستخدام الكاميرات الحرارية (Thermal Imaging) والطائرات المسيرة. قد تساعد هذه التقنية في المناطق التي لم يمضِ وقت طويل على تدميرها، حيث يمكنها رصد البصمة الحرارية الناجمة عن التحلل العضوي، أو رصد حرارة الأنقاض الناتجة عن تحلل المواد العضوية. يمكن تطوير أو استخدام مستشعرات كيميائية متخصصة قادرة على رصد المركبات الكيميائية المتطايرة (Volatile Organic Compounds – VOCs) الناتجة تحديداً عن تحلل الأنسجة البشرية.
- الفرز الميكانيكي واليدوي المدروس بالرغم من ضخامة العمل، لا يمكن الاستغناء عن الفرز الأولي اليدوي أو الميكانيكي البطيء والمُنظَّم في المواقع ذات الأولوية العالية مثل الأقبية والملاجئ.
- قاعدة بيانات المفقودين والنمذجة التنبؤية باستخدام تقنيات نظم المعلومات الجغرافية (GIS) وبيانات خطوط الجبهة وأنماط القصف لإنشاء خرائط نقاط الاحتمالية التي يُرجّح وجود جثث المفقودين فيه.
تمثل الأنقاض الهائلة المتراكمة في سوريا إشكالية مزدوجة ومعقدة. فهناك ضرورة لإعادة الإعمار تتطلب ترحيل هذه الأنقاض ومعالجتها أو إعادة تدويرها، وهناك المعضلة الإنسانية والأخلاقية الكامنة في كيفية معالجة هذا الأنقاض التي قد تضم أعداداً كبيرة من المفقودين ورفاتهم المدفونة تحت الركام والأنقاض، بما يبرز الحاجة الملحة لوضع خطة وطنية تضمن إعادة الإعمار بما يراعى الكشف عن البقايا البشرية.
