كيف تحافظ الطائفة الإسماعيلية في سوريا على سلام هش
مدينة السلمية في محافظة حماة، التي تضم الغالبية العظمى من الطائفة الإسماعيلية في سوريا، تُعد "قصة نجاح" في مرحلة ما بعد الأسد. ويشدد قادة المجتمع والمحللون على أهمية الحوار والحكم الشامل في ضمان الانسجام المجتمعي
3 أكتوبر 2025
السلمية- تمسك شام، 17 عاماً، كأس المتة بيدها اليمنى، وتتناول بيدها الأخرى حفنة بوشار من وعاء كبير، بينما كانت تتبادل أطراف الحديث مع الجيران وأفراد العائلة الجالسين حولها على كراسٍ بلاستيكي. هذا التجمع تحت السماء المرصعة بالنجوم عادة منتظمة لعائلتها في مدينة السلمية، التابعة لمحافظة حماة وسط سوريا.
الأجواء يسودها الصمت، ويتخللها أحياناً ضحكة طفل أو هدير دراجة نارية بعيدة. قالت شام لـ”سوريا على طول”: “هنا في السلمية نحب السلام”، لكن المدينة لم تكن هادئة دائماً.
“خلال الحرب الأهلية، كنا نسمع كثيراً أصوات الغارات الجوية والاشتباكات حول المدينة، وكانت تخيفنا”، ناهيك عن “وجود عناصر المخابرات بيننا”، أضافت شام. وقد بقيت مدينتها تحت سيطرة نظام الأسد طوال سنوات الثورة السورية الـ14.
اليوم، تحتل مدينتها، الواقعة شرق مدينة حماة، موقعاً فريداً في سوريا ما بعد الأسد، إذ لا ترى مظاهر مسلحة، ونادراً ما تصادف قوات الأمن الحكومية، ولا توجد حواجز تفتيش في قلب المدينة، بخلاف كثير من المدن الأخرى.
يعيش معظم سكان السلمية من الطائفة الإسماعيلية، وهي فرقة تتفرع عن الشيعة، يقودها إمام بالوراثة، هو الآغا خان. وتضم المدينة الغالبية العظمى من الطائفة الإسماعيلية في سوريا، التي تشكل أقل من ثلاثة بالمئة من السكان، ولها أيضاً حضور بارز في مدينة مصياف وعدد من القرى في محافظة طرطوس الساحلية. كما يقع في السلمية مقر المجلس الوطني الإسماعيلي السوري، وهو هيئة مدنية ترعى شؤون هذه الأقلية وتخدمها.
تقع السلمية على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب شرق حماة، و45 كيلومتراً شمال شرق حمص، وهما مدينتان شهدتا معارك عنيفة خلال الحرب. ورغم أن السلمية لم تتحول إلى ساحة معركة بحد ذاتها، إلا أنها لم تسلم من تداعيات الصراع المستمر، ولا سيما عبر هجمات قريبة شنها تنظيم “داعش”.
تتذكر رانيا قاسم، رئيسة المجلس الإسماعيلي، مجازر قرى منطقة السلمية، مثل مذبحة المبعوجة عام 2015، والعقارب عام 2017، باعتبارها أحداثاً مؤلمة لا تُنسى. عبر السنوات، سقطت صواريخ على المدينة وأريافها، ما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة من بعض القرى. كما استهدفت السيارات المفخخة التابعة لـ“داعش” وجبهة النصرة قوات النظام السابق داخل المدينة، ولا تزال آثار بعض تلك الهجمات شاخصة حتى اليوم.
ومؤخراً، شنت إسرائيل غارات جوية شمال غرب المدينة، في أواخر عام 2024، استهدفت خلالها عناصر من حزب الله اللبناني، الحليف الوثيق لنظام الأسد البائد.

لافتة طريق تشير إلى قرية عقارب، الواقعة شمال شرق السلمية، حيث قُتل عشرات الأشخاص خلال مجزرة وقعت عام 2017 على يد تنظيم “داعش”، 15/ 09/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
الخطوة الأولى
في أواخر عام 2024، ومع تقدم قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام جنوباً نحو دمشق ضمن عملية “ردع العدوان” العسكرية للإطاحة بالنظام، كان على قادة المجتمع في السلمية تحديد موقفهم.
اكتسبت المدينة أهمية استراتيجية في مسار تقدم المعارضة، إذ كانت تحتضن مقرات عدة ميليشيات بارزة تابعة للنظام. وفي مطلع كانون الأول/ ديسمبر، تواصلت هيئة تحرير الشام مع المجلس الإسماعيلي لبدء محادثات، أعقبها حفاظ المؤسسات الإسماعيلية على “تنسيق وثيق” مع الفصائل المسلحة المعارضة المتقدمة، كما أوضح مأمون الخطيب، عضو المجلس الإسماعيلي والمسؤول عن السلامة والأمن الإقليمي، لـ”سوريا على طول”.
“بدأ التواصل الرسمي معهم في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2025، وعليه جرى تشكيل لجنة تنسيق ومتابعة تمثل المنطقة، وتمت الموافقة على مرورهم [عبر السلمية] من دون اعتراض”، بحسب الخطيب.
وبحلول الرابع من كانون الأول/ ديسمبر، كانت قوات النظام قد انسحبت من السلمية، ورافق بعض سكان المدينة قوات المعارضة لحظة دخولها في السادس من الشهر نفسه. وبعد دخولهم من دون أي صدام، “تركوا بعض عناصر الهيئة في المدينة وتوجهوا جنوباً نحو حمص، واستمر تعاوننا معهم”، وفقاً للخطيب.
وفي الأيام التي تلت سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، توصلت حكومة الإنقاذ السورية، حكومة مدعومة من هيئة تحرير الشام كانت تدير شؤون جزء كبير من شمال غرب سوريا منذ عام 2017، إلى اتفاق مع المجلس الإسماعيلي يقضي بتسليم جميع الفصائل المسلحة في السلمية أسلحتها.
الاتفاق، الذي نُفذ قبل أن تستلم الحكومة الانتقالية مهامها رسمياً في أواخر آذار/ مارس 2025، كان “الخطوة الأولى التي ضمنت أمن المنطقة”، أضاف الخطيب.
“الناس يثقون بالمجلس الإسماعيلي لذلك اتبعوا رؤيته”، ومن جهتها “ضمنت القيادة الجديدة أمن جميع سكان السلمية وأريافها، وكذلك المناطق الأخرى التي يتواجد فيها الاسماعيليون”، قال الخطيب.
وفي بلدة القدموس بمحافظة طرطوس، التي تضم أيضاً عدداً كبيراً من الإسماعيليين، هناك علاقات قوية بين الحكومة والإدارة المحلية، مع مساهمة قوات محلية في بسط الأمن.
قال إبراهيم المواس، رئيس إدارة الأمن الداخلي التابعة لحكومة دمشق في السلمية، إن نسبة كبيرة من أسلحة المدينة قد سُلّمت بموجب الاتفاق، لافتاً إلى أن بعض الأفراد ربما يحتفظون بالسلاح لأسباب “تتعلق بتجارة السلاح، وليس بالضرورة بدافع مناهضة الدولة”.
وتابع المواس في حديثه لـ”سوريا على طول”: “نريد الاستمرار في عمليات تسليم السلاح، حتى لا يبقى أي سلاح خارج يد الدولة”، لأن نزح السلاح كان إحدى الخطوات “الأكثر أهمية” لضمان السلامة العامة.
متطوعون محليون
بعد فترة قصيرة من شروع سكان السلمية بتسليم أسلحتهم، جنّد المجلس الإسماعيلي عدداً من أبناء المجتمع المحلي للوقوف حراساً متطوعين غير مسلحين في مواقع مختلفة، من بينها المساجد والمباني الإدارية.

متطوعون يقفون عند مدخل مبنى المجلس الإسماعيلي في مدينة السلمية بمحافظة حماة، 15/ 09/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول).
أوضح الخطيب أن دور المجلس والمتطوعين، البالغ عددهم نحو ألفي شخص، يتمثل في حماية الأحياء وإبلاغ قوات الأمن العام عن أي تهديدات أمنية تطال المنطقة وسكانها.
وأشار المواس إلى أن “التعاون مع الهيئات المحلية” عنصر أساسي للحفاظ على الاستقرار، وهو أولوية بالنسبة لكل من الحكومة الانتقالية والسكان المحليين.
وأضاف الخطيب أنه في الأشهر الأولى بعد سقوط النظام، شهدت السلمية بعض حالات الخطف وسرقة المواشي، خصوصاً في ريفها. لكن وزارة الدفاع قامت لاحقاً بتوحيد جميع الفصائل المسلحة، كما عززت قوات الأمن العام وجودها في المنطقة، وبعدها “تدريجياً، أصبحت الأمور أكثر تنظيماً، وتمكنا من توزيع المسؤوليات”، وفقاً له.
وعاد الخطيب بذاكرته إلى أحداث السويداء الدامية، في تموز/ يوليو، عندما توجه مقاتلون من القبائل البدوية في شمال سوريا جنوباً لقتال القوات الدرزية في محافظة السويداء، حينها رفضت قوات الأمن العام المتمركزة على أطراف السلمية السماح لهم بالمرور، فاضطر المقاتلون إلى سلوك طريق آخر.
ورغم هدوء المدينة، ما يزال الخوف من المجهول قائماً داخل المجتمع. قالت شام: “عندنا خوف من بعض الأفراد المسيئين، لكننا نثق أن المجلس الإسماعيلي سيحمينا”.
اختبار
كان الاختبار الأبرز للسلام في السلمية حتى الآن في تموز/ يوليو، عندما دخل رجال من قرية تل الدرة المجاورة إلى مبنى المجلس الإسماعيلي في القرية في إطار نزاع على الأرض، وبدأوا يطالبون المجلس بدفع مبالغ مالية.
لم تطل الحادثة، ولم تكن ذات طبيعة طائفية، لكن بعض الرجال استخدموا “خطاباً طائفياً”، بحسب ما قالت قاسم.
في نهاية المطاف، جرى احتواء الموقف، عبر تنسيق رفيع المستوى بين السلطات الرسمية والإدارة المحلية وقوات الأمن الحكومية، بحسب الخطيب، معترفاً أن النزاع نفسه “قضية معقدة”.
تعليقاً على ذلك، قال المواس، من مديرية الأمن العام، أن الحادث كان مدفوعاً بمشاعر استياء لدى أشخاص أجبروا على النزوح عن أراضيهم خلال الحرب، واصفاً ما حدث في تل الدرة بأنه “أفعال فردية”.
وأضاف: “أجرينا عدة اجتماعات جمعت بين الهيئات الإدارية في المنطقة والأهالي، وكان هناك تنسيق فيما بينهم”، متابعاً: “الأمور تسير بشكل جيد، والموضوع أغلق من الأساس”، وهو ما أكده المجلس الإسماعيلي أيضاً.

سكان السلمية يسيرون في أحد شوارع أحياء المدينة الواقعة وسط سوريا، 14/ 09/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول).
“قصة نجاح”
في آذار/ مارس 2025، تعهّدت شبكة الآغا خان للتنمية، وهي شبكة من الوكالات الدولية الخاصة التي تقدم دعماً إنسانياً للدول النامية، بتقديم 100 مليون يورو للحكومة السورية الجديدة من أجل “توسيع الجهود الإنسانية؛ الاستثمار في الطاقة المتجددة وغيرها من القطاعات الحيوية في الاقتصاد؛ تعزيز توفير الرعاية الصحية والتعليم؛ مواجهة انعدام الأمن الغذائي؛ والحفاظ على الأصول الثقافية الغنية في سوريا وترميمها”.
وجاءت هذه الخطوة من المؤسسة التي يرأسها الأمير رحيم آغا خان الخامس، الإمام الوراثي للطائفة الإسماعيلية، بعد نحو أسبوع من انفجار العنف في الساحل السوري ذي الغالبية العلوية، حيث تسبب القمع الأمني الذي أعقب محاولة تمرد فلول نظام الأسد بمقتل أكثر من 1,400 شخص، بينهم ضحايا مجازر طائفية ارتكبتها قوات الحكومة ومقاتلون متحالفون معها.
مقارنة بعلاقة حكومة دمشق مع الأقليات الأخرى، كالعلويين والدروز والأكراد، تُعد الطائفة الإسماعيلية في السلمية “قصة نجاح”، على حد وصف نانار هواش، كبير محللي الشأن السوري في “مجموعة الأزمات الدولية”. وهي قصة تمنح الدولة بدورها “شرعية خارجية وفرصاً اقتصادية”.
“إن الروابط طويلة الأمد للمجتمع مع مؤسسة الآغا خان منحت دمشق رواية موثوقة عن التعددية في الخارج… [كما أن] الإسماعيليين دخلوا في مفاوضات مع الدولة بوجود راعٍ خارجي مستعد للاستثمار”، قال هواش لـ”سوريا على طول”، مشيراً إلى أن “تعهّد المئة مليون يورو للتعافي عزز موقع التفاوض مع دمشق”.
قالت جمانة (اسم مستعار)، وهي شابة في العشرينات من عمرها تعيش في السلمية، إن هذا الاستثمار الاقتصادي تسبب أحياناً في تعرضهم لمضايقات عبر الإنترنت، إذ “كثيراً ما ترى تعليقات على إنستغرام وفيسبوك تقول: لقد وجدتم من يدفع ثمن حياتكم، أو: دعوا أميركم يدفع عنكم”.
وأضافت في حديثها لـ”سوريا على طول”: “المنطقة تحاول أن تحافظ على السلام قدر الإمكان، وهذا هو أسلوب التكيّف الذي نعيشه هنا”.
نظراً لامتلاك الإسماعيليين “مجتمعاً مدنياً قوياً مع شخصيات قيادية”، فقد كان لديهم القدرة على المناصرة الذاتية “ما سهّل التفاوض على عقد اجتماعي جديد مع السلطات الجديدة بعد سقوط الأسد”، قال هواش.
ورأت جمانة أن المجلس الإسماعيلي هو “النظام الأكثر تنظيماً في السلمية”، وهو ما يجعله الأكثر موثوقية، مشيرة إلى أنه “لديهم إمكانات جيدة ويقومون بعمل جيد. [الناس] يعرفون أن هناك من يملك ما يكفي من النفوذ، وهذا أمر إيجابي لأنه يجعلنا نشعر بالأمان هنا”.
من جانب آخر، فإن الوجود المحدود للإسماعيليين في المدن الكبرى يعني أيضاً أنهم لا يشكلون “تهديداً ديموغرافياً أو سياسياً” للسلطات. أما في السلمية، فما يزال المتطوعون يلعبون دوراً مهماً في حماية المؤسسات وحفظ النظام، وهي مسؤولية “جرى استبعاد معظم المجتمعات الأخرى منها إلى حد كبير”، بحسب هواش.
وغالباً ما يرتدي المتطوعون، رجالاً ونساءً على حد سواء، سترات وقبعات بيضاء تحمل شعار المجلس الإسماعيلي، ويمتد دورهم إلى المساعدة في القضايا الإدارية داخل المجتمع.
ومع ذلك، “جرى إشراك الإسماعيليين فقط كمساعدين، وليس كأعضاء في الأجهزة الأمنية، ما يسلط الضوء على حدود الشمول حتى في قصة النجاح”، كما أوضح هواش، معتبراً أن الطريق أمام الحكومة الجديدة متعدد الأبعاد، لكن الخطوات الضرورية تشمل دمج الأقليات في الحكم وتوفير الأمن، مع ضمان المساءلة الحقيقية لمن يرتكبون الانتهاكات.
وأضاف: “على الدولة أن تركز على بناء الثقة. يجب أن تدرك أخيراً أن الاستخدام المفرط للقوة والإكراه كتكتيك وحيد، والتعامل مع الحوار كخيار ثانوي، سوف يترتب عليه عواقب سلبية على شرعية الدولة وسيطرتها على الأرض”.
وفي السلمية، يسود الانسجام المجتمعي إلى حد كبير، لكنه لم يخلُ من تحديات. ففي رمضان الماضي، وقعت مشاحنات عندما شاهدت قوات الأمن الحكومية بعض الأشخاص يدخنون أو يشربون الكحول.
“دخلنا في حوار إضافي مع [قوات الأمن] للتأكيد على أهمية عدم التدخل في الحريات الشخصية”، قال الخطيب.
وأشار المواس إلى أنه في حال وقوع انتهاكات من قبل قوات الأمن، تُتخذ إجراءات عبر “الشرطة العسكرية وإدارة الأمن، إضافة إلى إدارة أخرى لمعالجة القضايا السلوكية”، مضيفاً: “مؤخراً، قمنا بفصل بعض الأفراد الذين ارتكبوا انتهاكات وأخطاء متكررة، وهو ما لا يمكننا القبول به كدولة ولا كأعضاء في مديرية الأمن”.
عبّر الخطيب عن أمله في أن يُطبَّق نموذج السلمية في مناطق أخرى من البلاد، قائلاً: “الأمر مسألة وقت، وقبول، وتنسيق فحسب”.
وبينما تشعر شام بالامتنان للسلام الذي ينعم به مجتمعها، فإنها تتألم جراء العنف في مناطق أخرى من سوريا. قالت: “نشعر بالحزن عندما نسمع عن الأمور السيئة التي تحدث هناك، نحن نأمل أن تنعم مدن أخرى بالأمان مثلنا؛ نريد السلام للجميع”.
