كيف دمرت المبيدات الإسرائيلية المحاصيل والمراعي في القنيطرة؟
يظهر تحليل بيانات ثلاثة مؤشرات طيفية مستقلة للغطاء النباتي تراجعاً متزامناً في الغطاء النباتي في منطقة كودنة بريف القنيطرة، مقارنة بما كان عليه قبل رش المبيدات عبر الطيران الزراعي الإسرائيلي
26 فبراير 2026
القنيطرة، باريس- خسر أبو طه نحو 200 دونم من مزروعاته الشتوية ومراعيه، مطلع الشهر الحالي، بعد أن أقدم الطيران الزراعي الإسرائيلي على رش مساحات شاسعة من أراضي محافظة القنيطرة السورية على طول الشريط الحدودي، بالمبيدات، ثلاث مرات على الأقل، في 25 و27 و30 كانون الثاني/ يناير الماضي، ما أسفر عن موت الغطاء الأخضر كاملاً.
يعمل أبو طه في الزراعة وتربية الماشية، وتقع أرضه ومنزله في بلدة الرفيد، على بعد أمتار من الشريط الحدودي بين سوريا وإسرائيل، وقد شاهد الطائرات الإسرائيلية عندما حلّقت على علو منخفض جداً ورشّت الأراضي بمواد مجهولة بالنسبة له.
الرجل الستيني، أصيب في قدمه بنيران إسرائيلية، قبل عدة أشهر، أثناء رعي الأغنام قرب قريته الرفيد، كما اعتقل حفيده، الذي يبلغ 14 عاماً من عمره، لأربعة أيام على يد قوات الاحتلال، التي تنفذ عمليات اعتقال ومداهمات بشكل مستمر في المناطق الحدودية، وتطلق النار على رعاة الأغنام، إضافة إلى تجريف الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية بمحافظتي درعا والقنيطرة، جنوب سوريا.
“لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بمنعنا من رعي أغنامنا وإطلاق النار علينا، بل رشّوا أرضنا بمواد كيماوية من طائرات حلّقت فوق رؤوسنا”، قال أبو طه لـ”سوريا على طول”.
وأسفرت عمليات الرش، التي امتدت من قرية طرنجة وجباتا الخشب شمالاً حتى قرية صيدا جنوباً، عن إلحاق الضرر بأراضي 297 فلاحاً، إجمالي مساحتها 937 دونماً من المحاصيل الزراعية، إضافة إلى 2891 دونماً من المراعي، و855 دونماً مزروعة بالأشجار المثمرة، كما أوضح المهندس محمد رحال، المكلف بتسيير مديرية زراعة القنيطرة، لـ”سوريا على طول”.

أظهر تحليل ثلاثة مؤشرات طيفية مستقلة للغطاء النباتي – وهي NDVI و AVI و SAVI – من بيانات القمر الصناعي “Sentinel-2” تراجعاً متزامناً في الغطاء النباتي في منطقة كودنة بريف القنيطرة، خلال الفترة التي أعقبت عمليات الرش. إذ انخفضت قيمة NDVI من 0.47، في 19 كانون الثاني/ يناير، والتي تشير إلى أن النبات الشتوي بحالة جيدة، إلى 0.34 في 8 شباط/ فبراير الحالي، قبل أن تسجل 0.15 في 13 شباط/ فبراير، وهو أدنى مستوى خلال فترة الرصد.
وأظهر مؤشرا EVI وSAVI اتجاهاً مشابهاً، ما يعزز دلالة التراجع باعتباره تغيراً فعلياً في النشاط الحيوي للنبات، وليس مجرد تأثير لانكشاف التربة أو تشويش جوي.
لم تعلن وزارة الزراعة السورية في بيانها عن نتائج العينات التي أخذتها من القنيطرة، وهو ما فتح الباب أكثر للتساؤل عن ماهية المواد المستخدمة، وما هو تأثيرها على المدى الطويل.
نفذت القوات الإسرائيلية عمليات رش مماثلة في جنوب لبنان، بالتزامن مع ما جرى في القنيطرة، وأظهرت التحاليل المخبرية استخدام مبيد الأعشاب “غليفوسات” بتركيزات مرتفعة، ما أدى إلى أضرار مباشرة في المحاصيل وخصوبة التربة، بحسب تصريحات حكومية لبنانية.

أعشاب تظهر عليها علامات الاصفرار، وهي المرحلة التي تسبق موتها بشكل كامل، في أرض زراعية بقرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، تعرضت للمبيدات الزراعية التي رشتها الطائرات الإسرائيلية، 04/ 02/ 2026، (سوريا على طول)
“خسرنا كل شيء”
استمرت الطائرات الزراعية الإسرائيلية برش المبيدات لأكثر من ست ساعات في قرية كودنة ومحيطها بريف القنيطرة، بحسب أبو زيد، وهو فلاح ومربي مواشي من القرية، قائلاً في حديثه لـ”سوريا على طول”: “رشت الطائرات الإسرائيلية مادة بيضاء لزجة لنحو ست ساعات، وعلى علو منخفض، فوق منازلنا ومراعينا وأراضينا”.
لم يظهر مفعول المادة إلا بعد ثلاثة أيام، لا سيما مع هطول الأمطار، إذ بدأت الأعشاب والمحاصيل بالاصفرار التدريجي، إلى أن “تحولت الأرض كاملة إلى اللون الأصفر كأنها في فصل الصيف”، قال أبو زيد.
خسر أبو زيد 17 دونماً من القمح، وسبعة دونمات من الشعير، وستة دونمات من البيقية (يستخدم علف للمواشي)، متوقعاً مساحة الأراضي المتضررة في بلدته بنحو ثلاثة آلاف دونم، بما في ذلك المساحات الرعوية.
واضطر أبو زيد إلى حبس أغنامه داخل منزله وشراء أعلاف لها بأسعار مرتفعة، خشية أن ترعى على أعشاب أرضه التي تعرضت للرش بالمبيدات، قبل أن يضطر إلى بيع جزء كبير من القطيع حتى يستطيع الحفاظ ورعاية ما يتبقى عنده.
وكذلك، باع أبو طه كامل مواشيه، لعدم قدرته على تأمين العلف لها، قائلاً: “خسرنا كل شيء. وضعت كل الحبوب التي لديّ في الأرض هذا الموسم، ولم يبقَ لدي ما أزرعه العام القادم، ولا نعلم إن كان سينبت شيء بعد هذه المبيدات”.
وأشار إلى أن بعض أغنامه أصيبت بمرض “الطاعون” خلال الفترة نفسها، ما أدى إلى نفوق عدد منها، لكنه لا يستطيع الجزم بوجود صلة بين المرض وعمليات الرش.


تُظهر مقارنة صور مؤشر الغطاء النباتي (NDVI) لمنطقة كودنة، بين 19 كانون الثاني/ يناير و18 شباط/ فبراير تغيراً، لافتاً في الأراضي الواقعة إلى الغرب من القرية، إذ تحولت مساحة واضحة من اللون الأخضر الغامق، الذي يعكس نشاطاً نباتياً جيداً، إلى أخضر فاتح، وهو ما يشير إلى انخفاض حاد في الكثافة النباتية.
يتفاعل مع المطر
قال ثلاثة فلاحين لـ”سوريا على طول” أن تأثير المواد التي استخدمتها قوات الاحتلال لم يظهر مباشرة، وإنما في اليوم الثالث بعد هطول الأمطار، إذ “بدأ اصفرار النبات مع أول هطول مطري بعد الرش”، بحسب حسن سعد الدين أحمد، من قرية جباثا الخشب.
وأضاف أحمد: “كلما هطلت الأمطار ازداد مفعوله، وازداد الاصفرار واحترق النبات أكثر”، مشيراً إلى أن المواد المستخدمة التصقت بالحجارة التصاقاً تاماً، وكذلك بالتربة والنبات، وذابت ببطء مع المياه، متسببة بحروق شديدة في الأوراق.
وأحضر أحمد وعدد من جيرانه من المزارعين حجراً صغيراً تلتصق عليه المبيدات وحاولوا غسله بالماء، لكن اللافت أن “ذوبان المادة الكيماوية كان قليلاً وبطيئاً، ما يعني أن فعاليتها سوف تستمر بعد كل هطول مطري”، وفقاً له.
وعدا عن تضرر محاصيل القمح والشعير والعدس والترمس والبيقية بالكامل في المناطق التي تعرضت للرش، ظهرت علامات اصفرار على أوراق أشجار الزيتون، بحسب الأحمد، الذي خسر 50 دونماً زرعها بمحاصيل شتوية مطلع الموسم الحالي.
تعمل مبيدات الأعشاب بشكل عام على “تخريب البنية الفيزيولوجية في جسم النبات، التي يمكن تشبيهها بالأوعية الدموية في جسم الإنسان التي تنقل المواد الأولية إلى منطقة أو عضو التصنيع، ومن ثم تقوم بنقل المادة المغذية بشكلها القابل للامتصاص إلى الجسم أو العضو الذي سوف يستخدمها”، قال الدكتور موفق الشيخ علي، استشاري إدارة موارد طبيعية، ومدير عام شركة الأرض للتنمية المتطورة للموارد.
وبشكل عام “تقضي المبيدات العشبية على شبكة نقل المواد الغذائية سواء كانت مواد أولية أو مواد مصنعة من نواتج التركيب الضوئي، ما يؤدي إلى موت النبات نتيجة نقص المياه والتغذية”، قال الشيخ علي لـ”سوريا على طول”.

أعشاب تظهر عليها نقاط بيضاء جافة بعد ساعات من تعرضها للرش من المبيدات الزراعية الإسرائيلية، في مراعي قرية كودنة بريف القنيطرة، 25/ 01/ 2026 (سوريا على طول)
ما طبيعة المواد المستخدمة؟
أحصت وزارة الزراعة السورية في بيانها الرسمي الأضرار دون الإعلان عن نتائج العينات والاختبارات التي أجرتها وطبيعة المواد المستخدمة.
وجاء في البيان: “جميع العينات جاءت غير سامة وفق اختبارات السمية الحادة المعتمدة”، وأنه “لا توجد مواد عضوية ضارة في عينات المياه وفق طرق التحليل المستخدمة”، مع الإشارة إلى وجود آثار لمبيدات عشبية في بعض العينات النباتية ضمن التحليل الكيفي.
تعليقا على ذلك، قال المهندس رحال أن “العينات التي أخذت من النبات والتربة بعد تلقي شكاوى من الأهالي، أظهرت وجود نوعين من المبيدات الزراعية: DB24 و Diuron(ديرون)”.
ويُستخدم مبيد DB24 لمكافحة الأعشاب العريضة والنجيلية، ويعتبر من المبيدات الزراعية القوية، التي تعمل على تثبيط عملية التمثيل الضوئي، ما يؤدي إلى اصفرار النبات وموته، بحسب رحال، لافتاً إلى أن “تأثيره قد يكون بالغاً على أشجار الزيتون، إذ يتسبب في تقزّمها وتساقط أوراقها وتشوهها”، كما يؤثر في سنابل القمح ويخفض إنتاجيتها.
وأشار رحال إلى أن “الرش جاء في بداية إنبات القمح ومرحلة الإشطاء – وهي مرحلة مهمة في نمو النبات – ما أدى إلى اصفرار واسع وحروق في الأوراق”.
أما مبيد الديرون، فهو مبيد أعشاب جهازي يثبط عملية التمثيل الضوئي، ويسبب اصفرار النباتات وحرقها وموتها، ويحظر استخدامه في حقول القمح بسبب تأثيره القاتل على النبات، كما يؤثر في أشجار الزيتون ويضعف جذورها، وفقاً لرحال.
وأضاف أن الديرون “ذو سمية منخفضة على الثدييات، لكنه قد يسبب تهيجاً للعين والجلد”، وقد أوعزت المديرية الفلاحين ومربي المواشي إلى التوقف عن الرعي في الأراضي التي تعرضت للرش، وفقاً له.
من خلال الإطلاع على بيانات السلامة (Safety Data Sheet) التي عادة ما تكون مرفقة بالمبيدات العشبية، فإن “آلية العمل غير متشابهة بين مبيدي الغليفوسات والديرون، فالأول يعتبر مبيد جهازي غير اختياري يقضي على الحشائش إنطلاقاً من الجذور، وهو غير انتقائي”، بينما الديرون، “مبيد جهازي يعمل عبر الجذور والتربة لمنع التمثيل الضوئي وهو أكثر انتقائية لناحية النباتات عريضات الأوراق”، قال الدكتور الشيخ علي، أنه
يعتبر الغليفوسات مركب قابل للذوبان في الماء بشكل جيد، إذ “تبلغ ذوبانيته حوالي 10.5- 11.6 جم/لتر عند درجة حرارة 20 درجة مئوية، ما يجعله مبيداً جهازياً فعالاً وسهل الخلط بالماء للرش الزراعي”، بحسب الشيخ علي.
أما مبيد الديرون، فهو “أقل انحلالية بالماء، تبلغ ذوبانيته 42 ملغ/لتر، وهو بالتالي ذو استدامة أكبر، ويعمل كمبيد أعشاب واسع النطاق (قبل وبعد الإنبات) ومكافح للطحالب، ويستمر تأثيره في التربة، ونظراً لانخفاض ذوبانه فإن هناك مخاطر بترشيح بطيء إلى مصادر المياه”، كما أضاف الشيخ علي.
ويتفكك الغليفوسات في التربة خلال فترة تتراوح من بضعة أيام إلى عدة أسابيع، إذ “يبلغ متوسط عمر النصف (Half-life) حوالي 3 إلى 130 يوماً. ويعتمد زمن التحلل على النشاط الميكروبي ونوع التربة والمناخ”. ويتحلل بشكل أسرع في التربة الدافئة والرطبة، بينما “قد يستمر لأشهر في الظروف الباردة أو الجافة”.
فيما يبلغ عمر النصف للديرون حوالي 30 يوماً في الأنظمة المائية، ويتراوح في تربة الحقول بين 133 إلى 212 يوماً، وقد يصل إلى 328 يوماً، “وهو بذلك يعتبر مبيد مديد ومستقر نسبياً”، وفقاً للشيخ علي.
وأضاف: “بطاقة إجراءات السلامة لكل من الغليفوسات والديرون تشير إلى إمكانية التأثير المسرطن، كما أنه لهما مخاطر سمية موضعية على العين والأغشية المخاطية”.
ووفقاً للصور والتسجيلات المصورة التي أظهرت عمليات الرش وتأثير المبيدات المستخدمة على المزروعات في القنيطرة، فإنه “قد يكون ما تم استخدامه هو خليط من المركبين، حيث أن التأثير الذي ظهر على شكل اصفرار خلال بضعة أيام يشير إلى الغليفوسات، بينما ما تم تداوله على لسان بعض مزارعي المنطقة لناحية التصاق المبيد على شكل حبيبات على الصخور الموجودة بالمنطقة وذوبانها البطيء بالماء تشير إلى الديرون”، بحسب الشيخ علي.
وختم: “يجب على الفلاحين والأهالي تجنب التماس المباشر مع بقايا المبيدات المعلقة على الصخور إن وجدت”، إذ “بحسب مواصفات كلا المبيدين فإن عوامل الحرارة والرطوبة وبكتيريا التربة كفيلة بتفكيكها مع الزمن”.
شارك في إعداد هذا التقرير أحمد أبو علي






