لماذا أبقت ألمانيا التقرير الذي استخدمته لتبرير ترحيل اللاجئين السوريين سرّياً؟
أبقت ألمانيا تقريراً استُخدم لتبرير عمليات الترحيل إلى سوريا بعد سقوط الأسد سرياً لنحو عام كامل، قبل أن تنشره الأسبوع الماضي، ويبدو من خلال تحليله أنه يتضمن معلومات غير دقيقة.
31 مارس 2026
شتوتغارت، بيروت- منذ سقوط نظام الأسد، سارعت الحكومات الأوروبية إلى البحث عن سبل لوقف طلبات اللجوء الجديدة المقدّمة من السوريين داخل أوروبا، والبدء بترحيل الذين لا يتمتعون بإقامة قانونية مستقرة.
وفي ألمانيا، شمل ذلك إبقاء أول تقرير عن “بلد المنشأ” الخاص بسوريا بعد سقوط الأسد – وهو وثيقة حكومية يُستند إليها عند البتّ في منح اللجوء من عدمه – سرياً لنحو عام كامل.
وتنشر سلطات الاتحاد الأوروبي والحكومات الوطنية بانتظام مثل هذه التقارير لتقديم صورة عامة عن الأوضاع السياسية والأمنية في بلدان المنشأ. ويعتمد المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين (BAMF) على هذه الوثائق عند دراسة طلبات اللجوء وتقييم ما إذا كان يمكن ترحيل طالبي اللجوء في حال رفض طلباتهم، ويستند القضاة إلى تقارير من هذا النوع لتأييد قرارات المكتب أو نقضها.
غير أن الحكومة الألمانية امتنعت عن نشر أول تقرير لها بشأن سوريا بعد سقوط نظام الأسد، لنحو عام كامل. وأدى ذلك، خلافاً لما جرت عليه العادة، إلى حرمان طالبي اللجوء السوريين من الوصول بسهولة إلى معلومات أساسية تُستخدم في تحديد ما إذا كان يُسمح لهم بالبقاء في أوروبا أم لا.
وبعد أن رفضت السلطات في البداية طلباً تقدّمت به منصة “سوريا على طول” للاطلاع على الوثيقة، نشرت التقرير بشكل مفاجئ، الأسبوع الماضي، وهو تقرير أُعدّ في آذار/مارس 2025. ويُظهر تحليل أجرته “سوريا على طول” أن هذا التقرير، إلى جانب تقرير لاحق أُعدّ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، يتضمنان معلومات قديمة وغير دقيقة.
تستضيف ألمانيا أكبر جالية سورية في أوروبا، إذ يقترب عدد السوريين فيها من مليون شخص. وحتى تشرين الأول/ أكتوبر 2025، كان نحو 77 ألف سوري لا يزالون في انتظار البتّ في طلبات لجوئهم. ولم يُقبل سوى نحو خمسة بالمئة من هذه الطلبات في العام الماضي، مقارنةً بقبول شبه كامل للطلبات قبل سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وفي الوقت نفسه، صدرت قرارات ترحيل بحق نحو 10 آلاف سوري.
ويوم أمس الإثنين، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، عقب اجتماع مع الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين، إن 80 بالمئة من السوريين المقيمين في ألمانيا ينبغي أن يعودوا خلال ثلاث سنوات، مضيفاً أن الأوضاع في البلاد “تحسّنت بشكل جذري”.
مبرّرات “عبثية”
في حزيران/ يونيو 2025، تقدمت “سوريا على طول” بطلب للحصول على تقرير “بلد المنشأ” استناداً إلى قانون حرية المعلومات في ألمانيا، الذي يتيح لأي شخص حق الوصول إلى المعلومات الرسمية لدى الحكومة، إلا أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) رفض نشره، متذرعاً بأنه يحتوي على “وقائع واستنتاجات تستوجب السرية”.
وأشار إلى أن الكشف عن التقرير قد يتيح لطالبي اللجوء السوريين مواءمة طلباتهم بما يتوافق مع محتواه، “بما يقوّض الحق الأساسي في اللجوء”.
وجاء في الرد: “بوصفه جهة حكومية، يتحمّل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين مسؤولية صون النظام القانوني عند تطبيق الحق الأساسي في اللجوء”، مضيفاً: “نزاهة إجراءات اللجوء قد تتعرّض للخطر إذا تمكن طالبو اللجوء من التأثير في إفاداتهم من خلال معرفة معايير اتخاذ القرار لدى المكتب بهدف الحصول على اللجوء”.
لذا “إن نشر تقرير بلد المنشأ قد يخلّف آثاراً سلبية على مسائل الأمن الداخلي والخارجي”، وكذلك على النظام الديمقراطي الليبرالي في ألمانيا.
من جهتها، قالت هانا فوس، رئيسة الفريق القانوني في منظمة “فراج دن شتات” الألمانية ومعناها بالعربية “اسأل الدولة”، وهي منظمة داعمة للشفافية، لـ”سوريا على طول”، إن بعض الحجج التي قدمها المكتب لتبرير رفضه كانت “عبثية”.
وأضافت فوس: “لقد حضرتُ العديد من [إجراءات اللجوء] في جلسات المحاكم. فطالبي اللجوء يجب أن يكونوا مقنعين عند رواية قصصهم، والمحاكم تتحقق من ذلك”، لذا “من السخيف القول إنه بمجرد قراءة شيء ما في التقرير، سيقوم الشخص بتلفيق قصة [باستخدام هذه المعلومات]”.
وتابعت المحامية الألمانية: “الحجة نفسها فيها خلل منطقي. فعند دخولك في إجراءات اللجوء، يحق لك على أي حال الوصول إلى تقرير المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، وبالتالي يمكنك تعديل روايتك وفقاً لذلك”.
تحريف الواقع
لفهم تأثير التقرير غير المنشور على طالبي اللجوء السوريين، استعرضت “سوريا على طول” قرارات محاكم اللجوء في أربع ولايات ألمانية الأكثر اكتظاظاً بالسكان خلال العام الماضي. بين نيسان/ أبريل 2025 وكانون الثاني/ يناير 2026، تم الاستناد إلى تقرير “بلد المنشأ” الخاص بسوريا، الذي لم يُنشر آنذاك، في 12 قراراً قضائياً لرفض طلبات اللجوء أو تبرير أوامر ترحيل بحق سوريين في ألمانيا.
وفي إحدى القضايا من أيلول/ سبتمبر 2025، أكدت محكمة في كولونيا أمر ترحيل أصدره المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بحق شاب يبلغ من العمر 26 عاماً، وهو من المكون العربي في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
وأفاد الشاب بأنه يخشى الانتقام من قِبل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي كانت تسيطر حينها بالكامل على المحافظة، بعد تهرّبه من التجنيد الإجباري هناك.
واستندت المحكمة في قرارها إلى حد كبير على التقرير غير المنشور آنذاك، مشيرة إليه 11 مرة. وجاء في نص القرار: “العرب الذين يرفضون أداء خدمة الدفاع الذاتي يُعامَلون بتساهل أكبر من الأكراد”.
ورغم أن المحكمة ذكرت أن “العرب الذين يرفضون أداء الخدمة الإلزامية يُنظر إليهم على أنهم جبناء أو معارضون للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أو معارضون للهيمنة الكردية”، إلا أنه “لا توجد دلائل تشير إلى أن الأفراد الذين تهرّبوا من الخدمة الإلزامية يُفترض أنهم يتخذون مواقف معارضة لدى السلطات أو لدى الهياكل العسكرية للإدارة الذاتية”. وبناءً على ذلك، رأت المحكمة أن خوف الشاب من الاضطهاد غير مبرر.
وأضافت المحكمة، مشيرة إلى تقرير المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، أن “مصدراً واحداً فقط أشار إلى وقوع وفيات في الاحتجاز نتيجة رفض الخدمة، إلا أن هذا التقرير المعزول لم يتم تأكيده بأي دليل إضافي”. ويبدو أن هذا التقييم كان غير كافٍ وقديم المعلومات.
واتُهمت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بفرض التجنيد الإجباري منذ فترة طويلة، بالإضافة إلى ارتكاب انتهاكات حقوقية، بما في ذلك التعذيب في عدد من سجونها. وتشير تقارير ظهرت بعد انسحاب “قسد” من أجزاء في شمال شرق سوريا في وقت سابق هذا العام إلى تأكيد هذه الادعاءات.
في كانون الثاني/ يناير 2026، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أنها وثّقت تورّط قوات “قسد” في أكثر من 3,700 حالة اختفاء قسري منذ عام 2012. وأشارت الشبكة إلى أن نحو 122 شخصاً قُتلوا نتيجة التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز “قسد” خلال نفس الفترة.
وفي وقت سابق من هذا الشهر، أكدت الشبكة أيضاً وفاة مواطن سوري كان محتجزاً لدى “قسد” منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025. علاء عدنان الأمين، الذي يحمل الجنسية السويدية، عاد إلى مسقط رأسه في القامشلي للزواج والاستقرار قبل شهر من اعتقاله. احتُجز عدة أشهر دون توجيه تهم رسمية، وعند تسليم جثمانه إلى عائلته ظهرت عليه آثار واضحة للتعذيب، وفقاً للشبكة.
وعندما تواصلت “سوريا على طول” مع المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين (BAMF) في 23 آذار/ مارس للاستفسار عن المعلومات القديمة الموجودة في تقريره الذي لم يُنشر آنذاك، أبلغنا المتحدث باسم الوكالة أن التقرير قد نُشر للتو.
ونفى المتحدث أن يكون بحثنا قد أثّر على قرار نشر التقرير، موضحاً أن “تصنيف التقرير [كسرّي] أُزيل لأن المتطلبات القانونية لم تعد قائمة في ذلك الوقت”.
أما التقرير الثاني للمكتب، الذي أُعدّ في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ونُشر في شباط/ فبراير 2026، فقد كرّر نفس الادعاءات غير الدقيقة بشأن تعامل قوات “قسد” مع سجنائها.
وفيما يخص معاقبة الأفراد الذين يتهرّبون من التجنيد الإجباري في شمال شرق سوريا، أشار تقرير تشرين الثاني/ نوفمبر إلى أن “معلومات موثوقة تشير إلى أن الاحتجاز لا يحدث عادة، ولا توجد تقارير عن سوء معاملة أثناء الاحتجاز”.
ومما يثير القلق أن التقرير الأحدث حذف أيضاً قسمًا كاملاً من صفحة واحدة كان مخصصاً لمعالجة أوضاع الأشخاص من مجتمع الميم في البلاد.
وفي ردّ على هذه الأخطاء والتعديلات، صرّح متحدث باسم المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين بأن كل تقرير “يعكس الوضع المتطور في سوريا في وقت إعداد التقرير”.
وأضاف المتحدث: “لا يمكن للمنتجات المعلوماتية الناتجة عن هذه التقارير أن تدّعي تقديم تغطية شاملة لجميع القضايا ذات الصلة باللجوء والهجرة”.
تاريخ من التضليل
هذه ليست المرة الأولى التي قد تُقدّم فيها السلطات الألمانية صورة مضللة عن الوضع على الأرض لتسهيل ترحيل طالبي اللجوء، بحسب هانا فوس، خبيرة الشؤون القانونية في منظمة “فراج دن شتات”. في تموز/ يوليو 2021، قبيل سيطرة طالبان على أفغانستان، استخدمت وزارة الخارجية الألمانية تقريراً سرياً قديماً لتبرير قرارها بمواصلة ترحيل اللاجئين إلى البلاد، رغم طلب الحكومة الأفغانية آنذاك تعليق هذه العمليات.
وأظهرت صحيفة “دي تاجزتسايتونغ” الألمانية، التي حصلت على نسخة من تقرير أفغانستان، أن وزارة الخارجية قدّمت ادعاءات خاطئة قلّلت من شأن الوضع الأمني في البلاد في تلك الفترة.
وحصلت محاولات مماثلة لإخفاء مثل هذه المعلومات في العام الماضي أيضاً في هولندا، حيث قررت الحكومة آنذاك، بعد وعدها بسياسة “الهجرة الأكثر صرامة“، إبقاء تقارير بلد المنشأ سرية، بحجة إمكانية استغلالها من قبل طالبي اللجوء ومحاميهم.
وألغت المحاكم هذه السياسة، وأمرت الحكومة بإصدار تقريرها عن سوريا في حزيران/ يونيو الماضي، وقد امتثلت الحكومة الهولندية في النهاية للأمر.
ورغم أن التقرير الهولندي لم يصدر استنتاجات نهائية حول ما إذا كان يمكن تصنيف سوريا كدولة آمنة أم لا، إلا أنه أقرّ بأن الوضع الأمني في البلاد “غير مستقر” و”هش” و”متقلب” و”منقسم بشدة”.
ووصف كريستيان فان دايك، محامٍ هولندي شارك في القضية، مزاعم الحكومة باحتمال استغلال التقرير – وهو منطق مشابه لما استخدمه المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين عند رفضه منح “سوريا على طول” حق الوصول إلى تقريره – بأنه “حجة محل شك”.
وقال فان دايك لـ”سوريا على طول”: “الجميع، بما في ذلك دائرة الهجرة والجنسية الهولندية (IND) والمحامون، يستخدمون الوثيقة لمصلحتهم. ويجب أن يكون قرار IND مدروساً ومعتمداً على مستندات كافية”.
وأضاف: “يجب نشر التقرير ليخضع للتدقيق. فغالباً ما تدلي IND بادعاءات مستندة إلى التقرير، لكن عند التحقق منها، يتبيّن أنها خاطئة تماماً أو تم تفسيرها بشكل مغلوط. ولهذا السبب، الشفافية تحظى بأهمية كبيرة”.
واتفقت هانا فوس، المحامية في منظمة “فراج دن شتات”، مع هذا الرأي، قائلة: “لو كانت جميع التقارير متاحة للجمهور، لكان ذلك مفيداً لجودة هذه التقارير، لأن عدداً أكبر من الأشخاص سيكون بإمكانهم الاطلاع عليها، وربما ينشأ نوع من النقاش العام حول مضمونها”.
وأضافت: “زيادة الشفافية في المعلومات دائماً ما تكون أفضل لجودة محتوى هذه التقارير”.
تم إعداد هذا التحقيق بدعم من الصندوق الهولندي للمشاريع الصحفية الخاصة (Fonds Bijzondere Journalistieke Projecten).
