المبادرات الأهلية في ريف إدلب الجنوبي حلول مؤقتة لا تسد عجز الحكومة
بعد سقوط نظام الأسد، اصطدم العديد من النازحين بحجم الدمار، في العديد من محافظات سوريا، كما هو حال ريف إدلب الجنوبي، ما استدعى البحث عن حلول عاجلة، تمثل بعضها في إطلاق مبادرات أهلية
22 مايو 2025
إدلب- في مطلع نيسان/ أبريل الماضي، أنهى محمد عبد الكريم تناري رحلة نزوحه بالعودة إلى مدينته معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي، بعد أن كان نازحاً لأكثر من خمس سنوات في معرة مصرين بالريف الشمالي مع عائلته المكونة من خمسة أفراد.
عاد تناري إلى مدينة مدمرة منازلها والبنى التحتية فيها، بما في ذلك منزله، المكون من أربعة غرف ومنافعها وحديقة (حوش)، ولم يبق منه إلا غرفة واحدة، رممها وبنى سوراً للحديقة، ووضع بطانيات عوضاً عن الأبواب، وركّب منظومة طاقة كهربائية صغيرة من أجل الإنارة فقط، كما قال لـ”سوريا على طول”، ودفع لقاء ذلك 800 دولار أميركي، بينما تبلغ تكلفة إعادة ترميم منزله كما كان قبل القصف عشرة أضعاف هذا المبلغ تقريباً.
“تستطيع أن تقول أننا نعيش في خرابة الآن، لكن أفضل من بقائنا بلا مأوى”، قال تناري، لافتاً إلى أن احتياجاته وأمثاله من العائدين إلى معرة النعمان “كبيرة ويومية، بدءاً من مياه الشرب إلى الخبز والكهرباء”، لكن التحدي الأكبر يتمثل بـ”حجم الدمار وارتفاع تكاليف الترميم”، وهو الذي “يمنع عودة العديد من النازحين من أقربائي وأصدقائي”.
على مدار أربعة عشر عاماً من الحرب، تعرّضت البنية التحتية في مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي لدمار ممنهج، طال المرافق العامة والمنازل وشبكات المياه والصرف الصحي، جراء القصف الذي تعرضت له المنطقة والاشتباكات العسكرية، نظراً لقربها من خطوط التماس بين النظام والمعارضة آنذاك، ناهيك عن تعرض العديد من منازل المهجرين للسلب على يد مجموعات تابعة للنظام.
بعد سقوط نظام الأسد، في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، اصطدم العديد من النازحين بحجم الدمار في عدد من المحافظات السورية التي نزحوا منها، بما فيها ريف إدلب الجنوبي، ما استدعى البحث عن حلول عاجلة، بما في ذلك إطلاق مبادرات أهلية ومحلية تدعم المدنيين وتحمل على عاتقها شيئاً من مهام الإدارة السورية الجديدة.
في العاشر من آذار/ مارس 2025، أطلق عدد من تجار مدينة معرة النعمان مبادرة محلية تحت اسم “صندوق معرة النعمان الخدمي”، بهدف جمع الأموال من أبناء المدينة لتحسين الواقع الخدمي، على أن يتم العمل بمبدأ التشاور بين المساهمين وإدارة المنطقة التابعة للحكومة السورية لتحديد المشاريع التي يغطيها الصندوق.
وفي خطوة مماثلة ولكنها أقل تنظيماً وتمويلاً، أطلق سكان بلدة كفرعويد، بريف إدلب الجنوبي أيضاً، حملة تطوعية تحت اسم “ساهم” في السادس عشر من أيار/ مايو 2025، لترحيل القمامة من شوارع البلدة ومداخلها، معتمدين في ذلك على جهود تطوعية غير مأجورة للعمال وسيارات النقل، كما قال عدد من المشاركين في الحملة لـ”سوريا على طول”.
إضافة إلى الجانب الخدمي الميداني، تسعى حملة “ساهم” إلى تعزيز الوعي البيئي لدى السكان وتحفيزهم، وتجميل الأحياء وتنظيفها، وغرس القيم الإيجابية، ولأجل ذلك تنظم الحملة العديد من الأنشطة التوعوية وفعاليات ترفيهية للأطفال ومسابقات تحفيزية، إضافة إلى مشروعها الأساسي في إطلاق حملات تنظيف أسبوعية، ، كما قال منسق الحملة فرج مغلاج لـ”سوريا على طول”.
ورغم أهمية هذه المشاريع في دولة مدمرة وإدارتها الناشئة، فإنها لا تغني عن مشاريع إعادة الإعمار بجهود حكومية ودولية، إذ تشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 250 مليار و923 مليار دولار أميركي، وذلك بحسب تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي في آذار/ مارس 2025، وهذا يفسر التأخر الحكومي في التحرك لإعادة النازحين داخلياً، الذي قدر عددهم، قبل سقوط النظام، بنحو 7.4 مليون نسمة، منهم أكثر من 700 ألف نزحوا بعد تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، بينما عاد نحو 1.2 مليون نازح داخلياً.
حلول مؤقتة
منذ انطلاقته، استطاع صندوق المعرة الخدمي تمويل عدد من المشاريع الخدمية في المدينة، التي كان عدد سكانها قبل الحرب نحو 140 ألف نسمة، منها: تسليك شبكات الصرف الصحي وتأمين 200 سدادة لنقاط التفتيش فيها، كانت قد سرقت سابقا، وإصلاح جزء من طريق دمشق-حلب الدولي، من بلدة بسيدا حتى مفرق بلدة معرشورين، بحسب بلال مخزوم مسؤول العلاقات العامة في إدارة منطقة معرة النعمان ومشرف الصندوق أيضاً.
ويتم العمل حالياً على تنفيذ مشروع إنارة شوارع مدينة معرة النعمان، وتركيب كاميرات مراقبة داخل المدينة للمساهمة في ضبط أمن وسلامة السكان، كما قارب مشروع صيانة بعض منصفات الطرقات وزراعة الأشجار وتزيين مداخل المدينة على الانتهاء.
منذ إعلان سقوط الأسد، عاد الى مدينة معرة النعمان، التي كانت شبه خالية من سكانها، أكثر من 3,015 عائلة، ومن المتوقع زيادة عدد العائدين بشكل كبير بعد انتهاء الموسم الدراسي الحالي، بحسب مخزوم، مقدراً عدد العائلات التي تعود يومياً بنحو 150 عائلة.
تلبية احتياجات هذا العدد من العائدين “مهمة صعبة”، إذ “يغذي المدينة بئر واحد، وقريباً سيتم تفعيل بئر آخر، ناهيك عن أن المياه تنقل إليها بالصهاريج لأن شبكات المياه بحاجة إلى صيانة وإعادة تأهيل”، وكذلك “لا توجد آليات لنقل القمامة، التي تتكدس داخل الأحياء على مداخل المدن”، وفقاً لمخزوم.
وحتى الآن لا يوجد أفران في معرة النعمان، لذا يتم تأمين الخبز المناطق الأخرى بشكل يومي”، كما قال مخزوم، لافتاً إلى أنه “سيتم افتتاح فرنين باستثمارات خاصة قريباً”. وبالتالي، إذا نفدت الكميات المخصصة يضطر محمد تناري إلى قطع مسافة 25 إلى 40 كيلومتراً لشراء الخبز من أريحا أو إدلب، على حد قوله.
وفي بلدة كفرعويد، التي تبعد 26 كيلومتراً إلى الشرق من معرة النعمان، تغيب الخدمات الحكومية ومشاريع المنظمات الإنسانية، كما هو الحال في معظم قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي وحماة الشمالي، ما دفع أهالي البلدة إلى إطلاق حملة “ساهم”، كحل عاجل ومؤقت لتحسين بعض الخدمات في كفرعويد، التي شهدت عودة أكثر من 700 عائلة منذ سقوط النظام حتى الآن، بينما يبلغ عدد سكانها الأصلي 3775 عائلة، بحسب فرج مغلاج.
وعلى عكس صندوق المعرة، لا يمكن أن تحل مبادرة “ساهم” مكان الحكومة، حتى لو كان ذلك على مستوى ترحيل القمامة، إذ يمكن للمبادرة أن تطلق حملة لترحيل القمامة من الشوارع على مدار ثلاثة أيام، لكن القمامة تتطلب جهداً يومياً مستداماً، وبالتالي فإن هذه المبادرات تكون أشبه بـ”مسكنات سرعان ما يزول مفعولها”، كما قال حسن الغريبي، أحد المشاركين في المبادرة والمقيم في البلدة لـ”سوريا على طول”.
لذا، لم يفكر أيهم خطاب، 33 عاماً، في العودة إلى كفرعويد حتى الآن، لأن “عودتي مرهونة بتوفر الخدمات الأساسية من مياه وشبكة صرف صحي وتأهيل المدارس والمراكز الصحية”، كما قال لـ”سوريا على طول” من مكان إقامته الحالي في مخيمات كللي بريف إدلب الشمالي.
يتوق خطاب إلى مسقط رأسه، لكنه يفضل البقاء في مخيمات الشمال، التي توفر “بيئة مناسبة لعائلتي وتعليم أطفالي، بينما كفرعويد لا يوجد فيها حتى الآن بوادر حقيقية لتحسين الواقع المعيشي والتعليمي والطبي”، وفقاً له.
” في منطقة إقامتي الحالية (كللي) تتوفر عدة مستشفيات ومراكز صحية، بينما لو احتجت لمراجعة طبية [في كفرعويد] فإن أقرب مركز طبي متخصص في مدينة أريحا ويبعد نحو 30 كيلومتراً”، أضاف خطاب.
وفي بلدة تل حدية بريف حلب الجنوبي، بدأت أعمال ترميم المركز الصحي، منتصف الشهر الحالي، بمساهمات من الأهالي.
وفي الأسابيع الأخيرة، نشطت مبادرات أخرى، تركز على نقل النازحين من المخيمات إلى مناطقهم الأصلية، ومنها: مبادرة اللجنة المجتمعية في مدينة كفرزيتا شمال حماة، ومبادرة عودة أهالي التريمسة بريف حماة بالكامل من المخيم الذي حمل اسم القرية في ريف إدلب. لكن هذه المبادرات تختلف عن سابقاتها بأنها لا تنعكس على واقع الخدمات، وإنما تحاول فقط التخفيف من العبء المالي على النازحين العائدين.
“لسنا بديلاً عن الحكومة”
“مهما قدمنا، لسنا بديلاً عن الحكومة القادرة على تمويل المشاريع الضخمة”، قال حسام النحاس، صاحب مكتب النحاس للحوالات والصرافة، ابن معرة النعمان وأحد المساهمين في صندوق المدينة الخدمي، رغم إدراكه “حجم الضغط على الحكومة وكثرة أولوياتها مع عجز موازنتها”.
ولكن، انطلاقاً من الواجب الوطني، بعد 14 عاماً من التهجير والنزوح والصبر، “علينا أن نتكاتف جميعاً لتوظيف إمكانياتنا المتاحة في تحسين الخدمات والبنية التحتية”، وهذا واجب على “الفقير والغني، السليم والعاجز”، بحسب النحاس في حديثه لـ”سوريا على طول”.
بدوره، أكد محمد عبد الرحمن، محافظ إدلب، على أهمية الحملات والمبادرات التطوعية، التي جاءت نتيجة البنية التحتية الخدمية المدمرة بالكامل، والدمار الممنهج في الأبنية الخاصة والحكومية، بعد أن “ترك النظام المخلوع الدولة من دون إمكانيات ومن دون موازنات”.
وأشار عبد الرحمن في حديثه لـ”سوريا على طول” إلى وجود الكثير من الاحتياجات مقابل قلة الموارد، إذ تحتاج المحافظة إلى ترميم المدارس والمراكز الصحية ومحطات المياه والطرق والصرف الصحي، ناهيك عن المنازل المدمرة للمدنيين، لذا “تعمل المحافظة وفق الإمكانيات المتاحة، التي كانت مع حكومة الإنقاذ سابقاً لنساعد الأهالي على العودة”.
وأمام واقع الاحتياجات الهائلة،”نحن كمحافظة نشجع هذه المبادرات وندعمها ونتكاتف مع الأهالي لنبني سوريا الجديدة ونساعد الأهالي على العودة من المخيمات ونقدم امكانياتنا بالتشارك مع إمكانيات المجتمع ” بحسب عبد الرحمن.
رغم ضعف نتائج المبادرات الأهلية مقارنة بحجم الاحتياجات، لا يمكن التقليل من أهميتها، إذ إن صندوق المعرة الخدمي لوحدة، أنفق نحو 150 ألف دولار أميركي لتنفيذ مشاريع خدمية في المدينة، بينما بلغت قيمة المساهمات المالية للصندوق إلى 230 ألف دولار، بحسب مخزوم، لافتاً إلى أن الصندوق يدار عبر لجنة منتخبة من قبل تجار معرة النعمان المساهمين، مكونة من خمسة أشخاص.
وشدد حسام النحاس، أحد المساهمين في صندوق معرة النعمان، على أهمية هذه المبادرات، باعتبارها حلقة من حلقات دعم الاستقرار، إذ بينما لا يستطيع بعض العائدين إلا تأمين تكاليف ترميم منازلهم أو جزء منها، يمن للمبادرات الأهلية أن تدعم استقرار هؤلاء بتوفير الخدمات وإصلاح البنية التحتية والخدمية لهم.
