7 دقائق قراءة

متحدثاً في الأمم المتحدة: الرئيس أحمد الشرع يروي حكاية غير مكتملة

بصفته أول رئيس سوري يتحدث في الأمم المتحدة منذ 58 عاماً، وعد أحمد الشرع بكتابة فصل جديد في سوريا، رغم جملة التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية السياسية في بلاده المنقسمة.


25 سبتمبر 2025

نيويورك- لأول مرة منذ 58 عاماً، يقف رئيس سوري على منصة المتحدثين في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

“إن حكايتنا عبرة من عبر التاريخ”، قال الرئيس السوري أحمد الشرع، أمس الأربعاء، في مستهلّ خطاب دبلوماسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مرتدياً بدلة سوداء ولحية مشذبة، وتاركاً ماضيه الجهادي خلفه.

وجاء في كلمته: “سوريا منذ 60 عاماً، وقعت تحت وطأة نظام ظالم غاشم… لقد صبر شعبنا لسنين طويلة على الظلم والقهر والحرمان ثم ثار الشعب مطالباً بحريته وكرامته”.

خاض الرئيس السوري الجديد رهانات كبيرة، سعياً في بناء سمعته، وترميم العلاقات مع الغرب، واستقطاب الدعم الدولي اللازم لإعادة إعمار بلاده.

منذ وصول الشرع إلى نيويورك، يوم الأحد، التقى بصناع قرار ومحللين، وأعضاء بارزين من الجالية السورية-الأمريكية، وتحدّث مع سجّانه السابق، ديفيد بترايوس، الذي قاد القوات الأميركية في العراق، إذ سجن الرئيس بين عامي 2006 و2011 هناك.

على هامش قمة الأمم المتحدة، التقى الشرع أيضاً الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، الذي يبدو أنه أحد أقوى داعميه.

“هذه فرصة عظيمة لأحمد الشرع ليقدّم سوريا إلى بقية العالم”، قال كرم شعار، الخبير الاقتصادي السوري وكبير المستشارين الاقتصاديين للأمم المتحدة بشأن سوريا، لـ”سوريا على طول” قبيل خطاب الأربعاء، مضيفاً: “إنه منبر لم يكن نظام الأسد يستغله، لكن أحمد الشرع ينظر إليه بعدسة مختلفة تماماً”.

قاطع النظام السابق الجمعية العمومية للأمم المتحدة منذ حرب 1967 بين العرب وإسرائيل، متهماً الأمم المتحدة بالانحياز لإسرائيل.

ورأى شعار أن خطاب الشرع و”الاحترافية التي سيُظهرها هو وفريقه خلال الزيارة، سيكون لها تأثير كبير على حضور سوريا وصورتها لدى المجتمع الدولي”.

وكان الخطاب مهماً لصورة الرئيس أيضاً. فالشرع، الذي كان يُعرف بالاسم الحركي “أبو محمد الجولاني”، كان قائد هيئة تحرير الشام، الفصيل الإسلامي الذي ما تزال الأمم المتحدة تصنفه كجماعة إرهابية. أعضاء الهيئة، التي حُلّت رسمياً في كانون الثاني/ يناير، لهم حضور كبير في الحكومة الجديدة للبلاد.

“ارفع رأسك، أنت سوري حر”

قبل ساعات من خطاب الشرع، تجمع مئات السوريين خارج مقر الأمم المتحدة لدعم رئيسهم. الحشود المبتهجة رقصت وهي تلوح بأعلام سوريا الجديدة، أي علم ثورة آذار/ مارس 2011. وردد المشاركون عبارة “ارفع راسك فوق أنت سوري حر”، وهي مقطع من إحدى أشهر أغاني الثورة.

سيدة سورية تلوّح بعلم سوري/أمريكي في تجمع داعم للرئيس أحمد الشرع في نيويورك، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

سيدة سورية تلوّح بعلم سوري/أمريكي في تجمع داعم للرئيس أحمد الشرع في نيويورك، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

“نحن هنا اليوم لنُظهر دعمنا لحكومة سوريا الجديدة، الجمهورية العربية السورية، لأننا جميعاً تعرضنا لكل أنواع التهديدات طوال الخمسين عاماً الماضية، وأخيراً حققنا النصر”، قال عبد القاطرجي، 63 عاماً، الذي جاء من فلوريدا، البعيدة عن نيويورك مسافة 1850 كيلومتراً تقريباً، للمشاركة في التجمع.

غادر القاطرجي مسقط رأسه حلب عام 1980 بعد أن سُجن في عهد حافظ الأسد، إذ شارك هو وأخوه في انتفاضة إسلامية ضد نظام البعث بين عامي 1979 و1982، التي انتهت بمجزرة راح ضحيتها آلاف الأشخاص في مدينة حماة على يد القوات الحكومية.

في طريقه إلى مقر الأمم المتحدة، توقف الشرع عند السوريين المتجمعين خارجاً. ولوّح بيده، فانفجرت الحشود بالتصفيق والهتاف.

سوريون يحتفلون بوصول الرئيس السوري أحمد الشرع خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

سوريون يحتفلون بوصول الرئيس السوري أحمد الشرع خارج مقر الأمم المتحدة في نيويورك، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

وعلى الجهة المقابلة من الشارع، كان المزاج مختلفاً، حيث هتف محتجون ضد الشرع وحضوره في الأمم المتحدة بعبارات من قبيل: “يلعن روحك جولاني». وروى الحاضرون قصصاً عن الجرائم معبرين عن رفضهم للرئيس بوصفه إرهابياً.

لقد تراجع التفاؤل بشأن الانتقال السياسي في سوريا خلال الأشهر الأخيرة بفعل أحداث العنف، والهجمات ضد الأقليات في سوريا، ما ترك الكثيرين منهم في حالة خوف وشك من الشرع.

في آذار/ مارس، وأثناء مواجهة محاولة تمرّد من مقاتلين موالين للنظام السابق، ارتكبت القوات الحكومية مجازر بحق مدنيين في بلدات وقرى في المنطقة الساحلية ذات الغالبية العلوية. 

وفي تموز/ يوليو، تصاعد القتال بين بدو محليين ودروز في السويداء عندما تدخلت القوات الحكومية. عمليات القتل الطائفية والانتهاكات، بما فيها تلك التي ارتكبتها القوات الحكومية، أودت بحياة المئات ودفعت كثيرين في المحافظة للمطالبة بحكم ذاتي أو تدخل أجنبي.

رد فعل داخلي

أثناء خطابه، أشاد الشرع بـ”الإنجاز السوري الفريد” المتمثل في إسقاط نظام الأسد. توجه بكلماته إلى الشعب السوري وحيّا انتصارهم. جاءت كلمته في لحظة سياسية فارقة، مع اقتراب سوريا من أول انتخابات برلمانية منذ سقوط الأسد، وحالة الصراع في بلد منقسم.

“الاستجابة الداخلية ستكون محوراً مهمًا في خطابه”، قال ستيفن هايدمان، عالم السياسة المتخصص في سوريا، لـ”سوريا على طول” قبل كلمة الشرع، مضيفاً: “البلاد تواجه قضايا هائلة، وسوف يستمع السوريون إلى الخطاب بحثاً عن مؤشرات حول كيفية رؤية الشرع لمسار المرحلة الانتقالية، وما هي أولوياته لسوريا وشعبها”.

تجمع كثيرون في سوريا لمتابعة الخطاب عبر شاشات كبيرة نُصبت لبث هذا الحدث التاريخي. وعند نهايته، أطلقت الألعاب النارية فوق ساحة الأمويين في دمشق.

“إن سوريا اليوم تعيد بناء نفسها من خلال التأسيس لدولة جديدة عبر بناء المؤسسات والقوانين الناظمة التي تكفل حقوق الجميع دون استثناء”، قال الشرع في خطابه. كما تطرق إلى موجات العنف الطائفي الأخيرة في الساحل والسويداء، التي أودت بحياة الآلاف، متعهداً بـ”محاسبة كل من تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء”.

“الإزالة الكاملة” للعقوبات

تصدرت إزالة العقوبات أجندة الشرع خلال زيارته، وقال خلال كلمته في الأمم المتحدة: “نطالب بالإزالة الكاملة [للعقوبات]، كي لا تُستخدم كأداة لتكبيل الشعب السوري ومصادرة حريته”.

في التجمع الداعم له خارج المقر، حملت هنادي عبد الواحد، 50 عاماً، لافتتين تطالبان برفع العقوبات، وقالت لـ”سوريا على طول”: “اليوم نطالب برفع كل العقوبات المفروضة على سوريا، حتى يتمكن الشعب السوري من العيش مجدداً”.

غادرت عبد الواحد، التي تنحدر من دمشق، سوريا عام 2001 عند زواجها. تقيم الآن في بنسلفانيا، لكنها قالت أن أقاربها في سوريا سوريا يعانون من آثار العقوبات، إذ “لا كهرباء كافية، لا ماء، ونحن بحاجة لإعادة بناء مستشفياتنا ومدارسنا أو مصانعنا”.

هنادي عبد الواحد، 50 عاماً، تحمل لافتتين احتجاجاً على استمرار فرض العقوبات على سوريا في التجمع الداعم للشرع خارج مقر الأمم المتحدة، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

هنادي عبد الواحد، 50 عاماً، تحمل لافتتين احتجاجاً على استمرار فرض العقوبات على سوريا في التجمع الداعم للشرع خارج مقر الأمم المتحدة، 24/ 09/ 2025، (هانا ديفيس/ سوريا على طول).

وتابعت قبل أن تنضم للهتاف مع الحشود: “عندما تُرفع العقوبات، سنكون قادرين على إعادة البناء”.

الشرع ووزير داخليته أنس حسن خطاب، لا يزالان مدرجين على لوائح عقوبات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب ضد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). الإدراج يعني أن الشرع يواجه تجميداً للأصول، وحظر سفر، وحظر أسلحة، وقيوداً مالية أخرى عند التعامل مع الدول الأعضاء.

الطريق الأكثر ترجيحاً لرفع العقوبات الأممية سيكون عبر التصويت في مجلس الأمن، بحسب الخبير الاقتصادي شعار. وهذا يتطلب من الشرع كسب دعم الأعضاء الخمسة الدائمين: الصين، فرنسا، روسيا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة.

“تحفظات عميقة”

أشار هايدمان إلى أن العديد من الحكومات “لديها تحفظات عميقة على الشرع وعلى اتجاه المرحلة الانتقالية”.

وذكر قائمة من المخاوف، منها عجز الشرع عن دمج القطاع الأمني، وتهديده دمج شمال شرقي البلاد، ذي الغالبية الكردية، بالقوة، وعدم وجود محاسبة كافية عن عمليات القتل التي وقعت في الساحل والسويداء.

كما أنه، وبينما ألغى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدداً من العقوبات على سوريا، لا يزال النقاش قائماً في الكونغرس بشأن إلغاء “قانون قيصر” الصارم والشامل.

العقوبات الشاملة، التي فُرضت عام 2019، معلّقة حالياً بموجب إعفاء، صدر في أيار/ مايو، مدته ستة أشهر. ما لم يتم إقرار الإلغاء، فسيحتاج الإعفاء إلى تجديد كل ستة أشهر، ما يمدّد حالة عدم اليقين الاقتصادي ويعقد الاستثمارات الأجنبية طويلة الأمد في عملية تعافي سوريا.

في منتصف أيلول/ سبتمبر، قُدمت تعديلات مقترحة على التشريع الخاص بإلغاء “قانون قيصر” في مجلس الشيوخ الأمريكي. وتنص على أن العقوبات ستظل معلّقة إذا استوفت سوريا ستة شروط محددة، من بينها “القضاء على التهديد الذي يشكله تنظيم داعش”، وتوفير “الأمن للأقليات الدينية والإثنية”، على أن تتم مراجعتها كل ستة أشهر.

“نحن مع رفع العقوبات، لأنها تضر بالشعب السوري”، قال أيمن عبد النور، سياسي وإعلامي سوري مسيحي مقيم في واشنطن، لـ”سوريا على طول”، مستدركاً: “لكن لا ينبغي أن يكون ذلك ضوء أخضر يستغله الإدارة السورية” الحالية.

انتهاكات إسرائيلية

تحت ضغط أميركي، سرّعت سوريا مفاوضاتها مع إسرائيل من أجل اتفاق أمني. أحد الشروط لبقاء تعليق “قانون قيصر” هو أن “تحافظ البلاد على علاقات سلام مع الدول الأخرى في المنطقة، بما فيها إسرائيل”. وغالباً ما تتضمن المناقشات الأمنية بين سوريا والولايات المتحدة موضوع تخفيف العقوبات.

قال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، يوم الثلاثاء، أن الاتفاق المتوقع سيقضي بوقف إسرائيل هجماتها، بينما ستوافق سوريا على إبقاء أي آليات أو معدات ثقيلة بعيداً عن حدودها.

تحتل القوات الإسرائيلية أجزاء من جنوب سوريا منذ سقوط الأسد، وارتكبت سلسلة من الانتهاكات بحق السكان، وفقاً لـ”هيومن رايتس ووتش”. كما نفذت تل أبيب مئات الغارات الجوية داخل الأراضي السورية.

“السياسات الإسرائيلية تعمل بشكل يخالف الموقف الدولي الداعم لسوريا وشعبها، في محاولة لاستغلال المرحلة الانتقالية، مما يعرّض المنطقة إلى الدخول بدوّامة صراعات جديدة لا يعلم أحد أين تنتهي”، قال الشرع في كلمته.

وجدد التزام سوريا باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، الذي أنشأ منطقة عازلة تراقبها الأمم المتحدة بين البلدين.

“على سوريا أن تستفيد من الولايات المتحدة لإقناع إسرائيل بوقف أفعالها في سوريا، عليهم أن يقنعوا واشنطن بفرض الضغط اللازم على السلطات الإسرائيلية”، قال رضوان زيادة، محلل سوري في المركز العربي (ACW) بواشنطن العاصمة، لـ”سوريا على طول”.

كتابة فصل جديد”

أشار هايدمان إلى أنه، رغم الضغط الأمريكي واستغلال ورقة العقوبات، فإن سوريا غير مستعدة لقبول بعض “المطالب القصوى” لإسرائيل كجزء من الاتفاق الأمني.

وقال هايدمان إن الشرع كان “براغماتياً للغاية” في توجهه نحو إسرائيل، فقام بما “لم تقم به أي حكومة سورية من قبل” من خلال التفاوض وحتى إبداء الاستعداد للتسوية مع جاره العدو. “لكن هناك حدوداً حقيقية لما هو مستعد أو قادر على تقديمه”، كما أضاف.

أنهى الشرع خطابه بالدعوة إلى إنهاء حرب إسرائيل المستمرة منذ نحو عامين في غزة، التي خلصت لجنة تابعة للأمم المتحدة إلى أنها تشكل إبادة جماعية.

“نحن من أكثر الشعوب التي تشعر بحجم معاناة الحرب والدمار، ولذا فإننا ندعم أهل غزة، أطفالها، ونساءها، وكل الشعوب التي تتعرض للانتهاك والاعتداء”.

وعائداً إلى بلاده، اختتم الشرع: “إن الحكاية السورية لم تنتهِ بعد، فهي مستمرة في بناء فصل جديد من فصولها عنوانه السلام والازدهار والتنمية”.

شارك هذا المقال