محاكمة عاطف نجيب: ما الأساس القانوني لتحقيق العدالة الانتقالية؟
بينما تجري محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي الأسبق في درعا، وابن خالة بشار الأسد، يحذّر محامون وخبراء حقوق الإنسان من أن المحاكمة قد تكون سابقة لأوانها في ظل غياب إطار قانوني للعدالة الانتقالية.
12 مايو 2026
دمشق- خيّم الصمت على إحدى قاعات قصر العدل في دمشق، يوم الأحد، لحظة دخول عاطف نجيب – رئيس الأمن السياسي الأسبق وابن خالة بشار الأسد – وجلوسه داخل قفص إلى يمين منصة القضاة. وبذراعينِ متقاطعتين، كان نجيب يتفحص القاعة، التي يتواجد فيها عشرات الحضور.
في الجلسة التمهيدية الأولى، التي حضرها نجيب في 26 نيسان/ أبريل، كانت أجواء قاعة المحكمة أكثر صخباً، إذ أطلق أقارب سوريين تعرضوا للتعذيب أو القتل خلال فترة تولّيه رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا عام 2011، شتائم وهتافات ثورية.
لكن في الجلسة الثانية، يوم الأحد، لم يُسمح لمعظم العائلات دخول قاعة المحكمة، فتجمعوا خارج قصر العدل وهم يحملون صور أحبائهم الذين قضوا على يد نظام الأسد.
ويُعدّ نجيب أول مسؤول في عهد الأسد يمثل أمام المحكمة منذ الإطاحة بابن خالته بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. وتكتسب محاكمته أهمية خاصة في ظل تزايد مخاوف كثير من السوريين بشأن بطء التقدم نحو المساءلة. إذ لم ينعقد مجلس الشعب حتى الآن، ولا يوجد إطار رسمي نافذ للعدالة الانتقالية، كما أن القانون الجنائي السوري لا يتضمن نصوصاً صريحة بشأن الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.
ومع انطلاق جلسة الأحد، استدعى القاضي فخر الدين العريان المتهم نجيب إلى الميكروفون، ورد الأخير وهو يرفع يده: “نعم أنا حاضر”، وقد بدا وجهه خالياً من التعابير. ثم تلا القاضي أسماء المتهمين الآخرين، الذين صدرت بحقهم مذكرات تبليغ وستُجرى محاكمتهم غيابياً: بشار وماهر الأسد، إلى جانب ستة مسؤولين سابقين آخرين كانوا على رأس الجهاز الأمني القمعي للنظام السابق.

عناصر من الشرطة يقفون في إحدى قاعات الانتظار داخل قصر العدل في دمشق قبيل وصول عاطف نجيب، 10/ 05/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
وقال العريان، قاضي محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، مخاطباً نجيب: “يرتبط اتهامك بأحداث محافظة درعا مطلع عام 2011، حيث قوبل الحراك السلمي باستخدام القوة المفرطة”، مضيفاً: “وينسب إليك، بصفتك رئيس فرع الأمن السياسي آنذاك، تحمّل مسؤولية قيادية مباشرة ومشتركة عن أفعال منهجية استهدفت المدنيين شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي استناداً إلى ما ورد في ملف هذه القضية”.
وتُعتبر درعا، المحافظة الجنوبية، مهد الثورة السورية. ففي عام 2011، أشرف نجيب على حملة قمع شملت اعتقال أطفال وتعذيبهم، إضافة إلى استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين لأول مرة.
وتابع الحاضرون داخل قاعة المحكمة استماعهم إلى العريان وهو يعرض التهم الموجهة إلى نجيب، وكذلك الأساس القانوني الذي تستند إليه المحاكمة نفسها. إذ استند إلى الإعلان الدستوري، الذي يُعد بمثابة الدستور المؤقت الذي يحكم المرحلة الانتقالية في سوريا منذ العام الماضي، مشيراً إلى المادة 12 فيه، التي تعترف بـ”جميع الحقوق والحريات الواردة في معاهدات حقوق الإنسان الدولية التي صادقت عليها سوريا”، إضافة إلى المادة 49 التي تنص على “استثناء جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي ارتكبها النظام السابق من مبدأ التقادم”.
وأضاف: “استنادًا إلى مبدأ وحدة القانونين الداخلي والدولي، جرى اعتماد القانون الدولي بوصفه إطاراً مكمّلاً وتفسيرياً للتشريعات الوطنية”. ثم مضى القاضي في تعداد اتفاقيات جنيف، والبروتوكول الإضافي الأول، واتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة التعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إلى جانب قانون العقوبات السوري.
ورغم أن سوريا وقّعت على العديد من المعاهدات الدولية، فإنها لم تُدمج ضمن التشريعات المحلية، كما أن البلاد ليست من الدول الموقعة على نظام روما الأساسي، الذي يعرّف الجرائم ضد الإنسانية. ونتيجة لذلك، يرى بعض المراقبين القانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان أن المحاكمة سابقة لأوانها، وأن أساسها القانوني يظل ضعيفاً في ظل غياب قانون للعدالة الانتقالية.
الإطار القانوني
وعلى مدى ساعة، نفى نجيب جميع التهم الموجهة إليه، مدّعياً عدم وجود دور له ولا لجهاز الأمن السياسي الذي كان يرأسه في اعتقال أطفال المدارس بدرعا، ولا في القمع الدموي للاحتجاجات المطالبة بالإفراج عنهم.
وقال أنه لم يعد رئيساً لفرع الأمن السياسي في درعا بعد 22 آذار/ مارس 2011، ملقياً بالمسؤولية عن كثير من الانتهاكات على أفرع أمنية أخرى: الأمن العسكري، وأمن الدولة، وفرع فلسطين.
اقرأ المزيد: من هو عاطف نجيب الذي استفز درعا وأشعل ثورتها؟
قالت نهى المصري، وهي محامية تمثل أربعة مدّعين في القضية وفقدت اثنين من أشقائها خلال الحرب: “نجيب، بوصفه متهماً، يعيش حالة إنكار بالتأكيد، لكننا سنركّز على النقاط المستخلصة من بعض الشهادات المهمة”. واستحضر القاضي أسماء ثلاثة شهود، قال أحدهم إنه خضع للاستجواب على يد نجيب وتعرّض للتعذيب بحضوره. ولحماية الشهود، طلب العريان عدم نشر أسمائهم.
وأضافت المصري في حديثها لـ”سوريا على طول”: “بالنسبة لنا، كان قانون أصول المحاكمات الجزائية يشكّل عائقاً أمام إدانة المتهمين. أما الآن، فقد أصبح لدينا اطمئنان، بإذن الله، إلى وجود مسار نحو الإدانة”. وتابعت: “اعتماد المحكمة على القانون الدولي ووصف الجرائم المرتكبة بأنها جرائم ضد الإنسانية يمنحنا الأمل في إدانة المتهم ومعاقبته”، وبموجب القانون الدولي لا تسقط هذه الجرائم بالتقادم.

نهى المصري، محامية تمثل أربعة من المدّعين في القضية ضد عاطف نجيب، تقف خارج قصر العدل في دمشق، 10/ 05/ 2026، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول)
ومع ذلك، عبّر بعض المحامين وخبراء حقوق الإنسان عن مخاوفهم بشأن الأساس القانوني والتوقيت الحالي للمحاكمة. وقالت هبة زيادين، الباحثة البارزة في منظمة “هيومن رايتس ووتش” لـ”سوريا على طول”: “أعتقد أن هذه المحاكمة سابقة لأوانها، إذ لا بد من وجود إطار قانوني يحدد من سيُحاكم، ومن لن يُحاكم، ومتى ستجري المحاكمات”.
من جهتها، قالت جمانة سيف، المحامية الحقوقية التي كانت عضواً سابقًا في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا قبل استقالتها الشهر الماضي: “كان رأيي أنه ينبغي تأجيل المحاكمات في إطار العدالة الانتقالية إلى حين صدور القانون عن مجلس الشعب، لأن ذلك من شأنه أن يوفر إطاراً قانونياً واضحاً… يؤسس لقاعدة متينة لجميع المحاكمات المستقبلية”. وقد حضرت سيف جلسة الأحد بصفة مراقبة قانونية.
إضافة إلى ذلك، يواجه المحامون والقضاة صعوبة أكبر في محاكمة المتهمين استناداً إلى المعاهدات الدولية بدلاً من القوانين المحلية. وقالت سيف: “في نهاية المطاف، إن الالتزام بمواءمة القوانين السورية هو ما يراه محامو حقوق الإنسان دائماً الوضع الأمثل. فعندما يطبّق القضاة القانون السوري والتوصيفات الواردة فيه، يكون الأمر بالتأكيد أسهل من العودة في كل مرة إلى هذه المعاهدة أو تلك”.
وأشارت سيف إلى وجود “أخطاء في التوصيف القانوني”، مثل توجيه تهمة ارتكاب جرائم حرب إلى نجيب، موضحة أن النزاع السوري لم يُصنّف بوصفه نزاعاً مسلحاً إلا في عام 2012، أي بعد فترة طويلة من انتهاء ولاية نجيب رئيساً لفرع الأمن السياسي في درعا.
وأضافت: إن جرائم الإخفاء القسري والاضطهاد لم تُدرج ضمن التهم، “لكن هذا لا يعني أنها أخطاء لا يمكن تصحيحها”.
“وفي الوقت نفسه، أفهم هذا الضغط، وأفهم إلى أي مدى يحتاج الناس إلى رؤية هذه المؤشرات وهذه العلامات والخطوات نحو العدالة”، أضافت سيف. ولا تزال عمليات القتل الانتقامية، بما في ذلك التي تستهدف العلويين، تقوّض المرحلة الانتقالية الهشة في البلاد.
وقالت زيادين أيضاً: “بالطبع، رأينا أن هناك انتقادات مفادها أن هذا يبدو مسيّساً”، وتابعت: “لماذا عاطف نجيب؟ ولماذا الآن؟ ولماذا ليس شخص آخر؟ لماذا لم يكن فادي صقر؟ ولا قائد جيش الإسلام الذي تم الترحيب به مؤخراً عند عودته إلى سوريا؟”.
وفي الشهر الماضي، التقى الرئيس السوري أحمد الشرع مع عصام البويضاني، قائد فصيل “جيش الإسلام” التابع للمعارضة سابقاً، عند عودته من الإمارات العربية المتحدة حيث كان مسجوناً هناك. ويُتهم فصيله بالمسؤولية عن الإخفاء القسري لأربعة نشطاء، من بينهم رزان زيتونة، الذين اختطفوا عام 2013.
تقتصر ولاية اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، وهي هيئة حكومية مستقلة، على الجرائم “المرتكبة من قبل النظام السابق” وفقاً للإعلان الدستوري. ومع ذلك، فإن مسودة قادمة لقانون العدالة الانتقالية قد تترك مجالاً للتأويل بما يتيح مساءلة جميع أطراف النزاع، بحسب ما أفادت به مصادر مطلعة على عمل اللجنة لـ”سوريا على طول”.
قالت زيادين: “الطريق لا يزال طويلاً، وهذه بالتأكيد ليست المحاكمة الأخيرة التي يجب أن نشهدها، وليس فقط فيما يتعلق بجرائم الأسد، بل أيضاً بالعديد من الجرائم التي ارتكبتها أطراف أخرى في النزاع، والتي كانت واسعة الانتشار ومنهجية وتُعد أيضاً خطيرة”.
ومن المقرر عقد الجلسة المقبلة لمحاكمة نجيب في 19 أيار/ مايو. أما بقية المتهمين، ومن بينهم الرئيس السابق بشار الأسد نفسه، فستُجرى محاكمتهم غيابياً.






