مخيم الزعتري: أكبر مخيمات اللجوء في الشرق الأوسط يودع لاجئيه
يقطن في مخيم الزعتري، شمال الأردن، حالياً قرابة 65 ألف لاجئ. إذ منذ سقوط نظام الأسد وحتى 19 تموز/ يوليو الماضي، عاد ما يزيد عن 16 ألفاً من ساكني المخيم إلى سوريا طوعياً
21 أغسطس 2025
تحرير: منار رشواني
تتأهب عائلة علاء للعودة إلى مسقط رأس الأب، أشرف، في الشيخ مسكين بمحافظة درعا، جنوب سوريا، والتي اضطر إلى مغادرتها قبل 13 سنة بسبب الحرب التي أعقبت ثورة آذار/ مارس 2011، وامتدت أربع عشرة سنة.
لكن بالنسبة للطفل علاء، يظل مسقط الرأس لا درعا المتميزة بأشجارها وسهولها الخضراء، بل مخيم الزعتري الصحراوي. إذ هنا وُلد، أسوة بما لا يقل عن 30 ألف طفل سوري آخر، بمن فيهم شقيقتاه اللتان تبلغان من العمر ثلاث سنوات وسنة وثلاثة أشهر، ولم يعرفوا ربما مكاناً سواه.
قرار الأب بالعودة سببه، كما يقول، افتقاده لوالديه اللذين بقيا في سوريا ويحتاجان المساعدة. وهو ما يشكل أحد أهم أسباب عودة اللاجئين السوريين عموماً إلى وطنهم منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024.

علاء يتحدث عبر نافذة كرفان عائلته إلى ابن عمه الذي يقف في الخارج. وتظهر على أرض المخيم بقايا مواد بناء وأخشاب تم تفكيكها في إطار استعداد لاجئين سوريين للعودة إلى وطنهم
“الزعتري” الذي نشأ في الثامن من تموز/ يوليو 2012 بعدد محدود من الخيام، استبدلت لاحقاً بكرفانات، هو واحد من ثلاثة مخيمات للاجئين السوريين في الأردن؛ شملت أيضاً مخيمي الأزرق ومريجيب الفهود، المعروف أيضاً باسم المخيم الإماراتي-الأردني، قطنها نحو 105 آلاف شخص من أصل قرابة 620 ألف لاجئ كانوا مسجلين لدى المفوضية في الأردن حتى كانون الأول/ديسمبر الماضي.
لكن الزعتري لم يكن أكبرها فحسب، بل واحداً من أكبر مخيمات اللاجئين في العالم، وأكبرها على الإطلاق في منطقة الشرق الأوسط. إذ بلغ الذروة بـ120 – 150 ألف لاجئ سوري بعد عام من إنشائه، قبل أن يستقر عدد ساكنيه عند نحو 80 ألف لاجئ، يتحدر معظمهم من محافظة درعا، إضافة إلى محافظات حمص ودمشق وريفها.
حالياً، يقطن “الزعتري” قرابة 65 ألف لاجئ. إذ منذ سقوط نظام الأسد وحتى 19 تموز/ يوليو الماضي، عاد إلى بلادهم طوعياً ما يزيد عن 16 ألفاً من ساكني المخيم.

أشرف فاعوري، 32 عاماً، يوجه ابنه علاء، تحت شمس تموز/ يوليو اللاهبة، لتفكيك خزانة تلفاز قديمة، بينما يقوم ابن عمه بجمع ما هو صالح للاستعمال لاحقاً، وتنوي العائلة نقله معها إلى سوريا
يضم المخيم 25 ألف كرفان، تم وضعها العام 2013 بديلاً من الخيم. ويضم كل منها قرابة 1.2 طن من مواد الحديد والخشب والبلاستيك، وتعدّ على قدمها باهظة الثمن في سوريا التي عانت سنوات مديدة من الحرب، وما يزال بناء منزل متواضع من غرفتين يتم بمواد بناء مجمعة.
سيقوم أشرف، أسوة ببقية اللاجئين العائدين، بنقل حاجياته وبقية أثاثه إلى درعا باستخدام سيارات نقل “بيك آب” تحمل عادة ألواح طاقة شمسية وخزانات مياه وأسرة محطمة وسواها، قد تساعد في بدء حياة جديدة في الوطن.

شجرتا زيتون تحيطان ببعض من أثاث وحاجيات عائلة فاعوري وقد تم وضعها في صناديق كرتونية وأكياس بلاستيكية خارج كرفان العائلة استعداداً للمغادرة إلى سوريا
يعتزم أشرف استئجار شاحنة لنقل أريكته وخزان المياه وألواح السقف، دفعة واحدة، نحو معبر جابر الحدودي الذي يبعد عن المخيم مسافة 32 كيلو متر تقريباً. فلا شيء مما تمتلكه العائلة عديم القيمة أو النفع، مهما بدا متهالكاً، قياساً بما ينتظر العائلة وغيرها من اللاجئين العائدين في سوريا المدمرة.
وقد اتخذ رب الأسرة قرار العودة إلى وطنه رغم أنه لا يمتلك بيتاً في سوريا. وهو ما يشكل أهم أسباب إحجام لاجئين آخرين على العودة، ناهيك عن توفر الخدمات الأساسية، من ماء وكهرباء وتعليم ورعاية صحية.
في الأثناء، يعتزم أشرف السكن وعائلته “في بيت أهلي مع أنه تعرض للضرر أثناء الحرب”. متأملاً أن يجد عملاً في بلده، بحيث يكون بالمقدور أن “استأجر غرفة”.

نور فاعوري، ذات الثلاثة أعوام، تستلقي على أرض كرفان العائلة واضعة رأسها على فراش لم يتم حزمه بعد ليضاف إلى الحاجيات التي تظهر قرب الطفلة، والتي تعتزم العائلة أخذها معها إلى سوريا. فيما سيعاد توزيع ما تتركه خلفها على لاجئين ما يزالون في المخيم
تبلغ مساحة الكرفان الذي قدم للعائلات القاطنة في “الزعتري” ويصل تعداد أفرادها حتى خمسة أشخاص، 21 متراً مربعاً. وقد كان يفترض استبدال الكرفانات بعد ستة إلى ثمانية أعوام، أي في العام 2021 كحد أقصى، لاسيما مع ظروف الطقس الحادة في المنطقة، حيث قد تزيد الحرارة عن 40 درجة مئوية صيفاً، وتنخفض إلى ما دون التجمد شتاءً.

أشرف يجلس على عتبة كرفانه بمخيم الزعتري واضعاً يده على جبينه، فيما يبدو لحظة تفكير
سيعود أشرف إلى وطنه سوريا، لكنه سيترك خلفه وطناً آخر، حيث أمضى 13 سنة. فرغم كونها “عودة طوعية”، إلا أن ذلك سيعني فعلياً عدم العودة مجدداً.
كانت الحياة في المخيم جيدة، كما يقول أشرف الذي وصل هنا بعمر 19 عاماً. وهو فوق ذلك، التقى زوجته هنا، وأنجبا أطفالهما الثلاثة.
“سأسلم الكرفان عند رحيلي”، يقول أشرف بنبرة تعكس حرصاً على المأوى الذي حماه وعائلته من العواصف الرملية في الصيف، و فيضانات الأمطار في الشتاء.

عبر الأزقة الترابية للمخيم المقسم إلى 12 قطاعاً، تتوجه عائلة فاعوري لوداع الجيران والأصدقاء الذين تشاركوا معهم تفاصيل الحياة، بحلوها ومرها، لأكثر من عقد
كثير من هؤلاء الأصدقاء ينتظرون ما سيقوله العائدون إلى سوريا عن ظروف الحياة هناك، وليقرروا بعدها ما إذا كانوا ينوون توقيع ورقة “العودة الطوعية” التي تعني في الواقع خروجاً نهائياً من الأردن لا رجعة عنه.

فرش إسفنجية وصناديق وحقائب بسط قديمة، ضمن أشياء أخرى، تتكدس على سقف سيارة ستنقل العائلة إلى معبر جابر الحدودي مع سوريا
يعد تحسن الوضع الأمني في سوريا السبب الأهم لعودة حوالي مئة ألف سوري لاجئ إلى الأردن منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي، مع توقع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تضاعف هذا العدد بنهاية العام الحالي.
إلا أن الاقتتال الذي شهدته محافظة السويداء المجاورة لدرعا الشهر الماضي بين فصائل درزية وقوات حكومية، ثم بين هذه الفصائل وعشائر بدو، أدت إلى مشاهد شبيهة بأيام حرب الأربعة عشر عاماً، من قتل وتدمير ونزوح وتهجير. وترافق ذلك مع قصف إسرائيلي مكثف استهدف جنوب سوريا كما العاصمة دمشق، وحديث عن احتمال حصول اجتياح بري إسرائيلي.

أحد شوارع مخيم الزعتري وقد بدا شبه خال من أي حركة أو حياة
إذ مع تراجع أعداد قاطنيه، وتقنين المياه، إضافة إلى عدم اليقين بشأن المستقبل لدى من لا يزالون يقيمون هناك بشكل يشل الحركة التجارية، يبدو “الزعتري” الآن تحت شمس الصيف اللاهبة، أقرب إلى الصحراء التي نشأ فيها منه إلى ذاك المخيم الذي كان يضج بالحياة، حد اعتباره يوماً رابع أكبر مدينة في الأردن.
وكان الأردن الذي يشجع على عودة اللاجئين السوريين، أصدر قرار إغلاق مخيم مريجيب الفهود في أيار\ مايو الماضي، من خلال تخيير السكان الذين يزيد عددهم عن 8 آلاف لاجئ، بين العودة إلى سوريا أو الانتقال إلى مخيم الأزرق الذي يضم حالياً قرابة 40 ألف لاجئ، ويتسم بظروف معيشة أقل ملاءمة من “الزعتري”.
هذه القصة من إنتاج “ويش بوكس ميديا” بالتعاون مع برنامج قريب، الذي تنفذه الوكالة الفرنسية للتعاون الإعلامي (CFI)، وتموله الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD).
