مسار العدالة: سوريا تطلق أول محاكمة علنية على خلفية أحداث الساحل
تشكل أولى محاكمات مئات المشتبه بهم بارتكاب عمليات قتل في الساحل السوري بداية مسار مساءلة غير مسبوق، وهي خطوة تحظى باهتمام واسع
18 نوفمبر 2025
حلب- بدأت اليوم الثلاثاء المحاكمة العلنية لأول مجموعة من مئات المشتبه بهم بارتكاب جرائم خلال أحداث الساحل السوري الدامية، التي تخللها عمليات قتل ذات طابع طائفي، وهي الخطوة الأولى من مسار مساءلة غير مسبوق يحظى بمتابعة واسعة.
يُتهم نصف المدعى عليهم الأربعة عشر بمهاجمة قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية، في آذار/ مارس الماضي، لصالح نظام الأسد البائد، بينما يُتهم النصف الآخر، وهم من عناصر قوات الأمن التابعة للحكومة الحالية، بقتل مدنيين عزّل خلال دوامة العنف التي أعقبت ذلك.
الأشخاص الذين مثلوا أمام المحكمة اليوم، هم من بين أكثر من 500 مشتبه بهم، أحيلوا إلى القضاء بعد تحقيق حكومي – استمر عدة أشهر – بأحداث الساحل، التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1,426 شخصاً، معظمهم مدنيين من الطائفة العلوية.
في صباح اليوم، نزل أمام قصر العدل في مدينة حلب 14 مدعى عليهم من حافلات بيضاء برؤوس مطرقة، وشقوا طريقهم إلى المبنى الشاهق باتجاه قاعة محكمة صغيرة، حيث كان القضاة والمراقبون والصحفيون وذوو المتهمين بانتظارهم.
خلال الجلسة، التي استمرت نحو ساعتين، شدّد رئيس المحكمة، القاضي زكريا بكّار، على حياد المحكمة واستقلاليتها، قائلاً: “لدينا مواطنون سوريون متهمون بارتكاب جرائم. لا يوجد لدينا فلول [النظام القديم]، وإنما لدينا مشتبه بهم ومتمرّدون”.
تشمل تهم المرتبطين بالنظام البائد “الفتنة [و] التحريض على حرب أهلية وطائفية”، في حين يُتّهم المنتمون إلى قوات الحكومة بقتل مدنيين عُزّل، كما ظهر في مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع في وسائل التواصل الاجتماعي.
انتهت جلسة الثلاثاء سريعاً، إذ رفع القاضي بكّار الجلسة وحدّد مواعيد الجلسات المقبلة في كانون الأول/ ديسمبر. ورغم أن مسار القضية طويل، إلا أن بدء المحاكمات يشكّل “خطوة في الاتجاه الصحيح”، كما قال فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لـ”سوريا على طول”.
وأضاف عبد الغني: “ما حدث مهم للغاية، وهو أمر غير مسبوق. للمرة الأولى، تُحاسب قوات أمنية وعسكرية تابعة للسلطات نفسها”.

الحضور يشهدون انطلاق محاكمة 14 متهماً بارتكاب أعمال عنف ومجازر في الساحل السوري ذي الغالبية العلوية، في قصر العدل بمدينة حلب، 18/ 11/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول).
في قاعة المحكمة
داخل قاعة المحكمة، تابع ذوو المتهمين الجلسة بقلق شديد، إذ إن بعضهم يرون أبناءهم وأقاربهم لأول مرة منذ اعتقالهم قبل عدة أشهر.
قالت أم محمد (اسم مستعار)، 46 عاماً، وهي والدة أحد عناصر قوات الأمن المتهمين، لـ”سوريا على طول”: “نأمل أن يطلق سراح ابننا. كان فقط يحاول الدفاع عن زملائه بعد مقتل 18 منهم على يد فلول النظام”.
خلال سنوات الحرب في سوريا، عاشت أم محمد سلسلة من الفواجع: قُتلت والدتها وابن شقيقتها تحت قصف نظام الأسد، وتوفي شقيقها في سجن صيدنايا سيّئ الصيت. وكان ابن شقيق آخر من بين عناصر الأمن الذين قتلهم موالون للأسد في أحداث الساحل التي وقعت في آذار/ مارس.
“كان يجب محاكمة مسؤولي النظام أولاً”، قالت أم محمد ودموعها تنهمر من خلف نقابها الأسود، وتساءلت باستنكار: “لماذا لا يُحاكَم بشار الأسد على الجرائم التي ارتكبها؟ لماذا يدافعون فقط عن الأقليات ولا يدافعون عنا؟”.
على الجهة المقابلة من القاعة، وقفت أم أحمد، 28 عاماً، شامخة رغم قصر قامتها، وقد لفّت حجابها الأبيض بإحكام حول رأسها. كانت تحتضن طفلتها ذات الشهرين، التي وُلدت بينما كان والدها في السجن. زوجها، وهو عامل بناء، متهم بقتل عناصر من قوات الحكومة الحالية، والحصول على أموال من جهات خارجية، وهي اتهامات أنكرها خلال جلسة الثلاثاء.
قالت أم أحمد: “انضم إلى مجموعة على فيسبوك مع عناصر سابقين من النظام لأجل الحصول على راتب، لأنه لم يكن لدينا أي دخل”. ومنذ اعتقاله، تعتمد الزوجة على عائلتها في تأمين احتياجاتها. قال مصدر مقرب من زوجها عقب الجلسة أن “الاعترافات المنسوبة إليه جاءت تحت التعذيب”.
ورغم قلقها من نتيجة المحاكمة، اعترفت أم أحمد بوجود “فرق كبير بين النظام السابق والنظام الجديد. الجديد أكثر احتراماً بكثير”، على حد قولها.
وفي هذا الإطار، شدد عبد الغني على ضرورة أن تكون “المحاكمات عادلة، وأن يُمنَح المتهمون حق التواصل مع عائلاتهم ومحامٍ للدفاع”، مضيفاً: “نحن معنيون مراقبة الأمور كيف تسير”.
رسائل سياسية
جاء بدء المحاكمة قبل أسابيع من الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وفي وقت يواصل فيه السوريون المطالبة بعدالة انتقالية حقيقية.
وتزامن أيضاً مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، حيث كان من المتوقع أن يدفع باتجاه تخفيف العقوبات عن سوريا، كما أشار مالك العبدة، رئيس تحرير مجلة “سوريا في مرحلة انتقالية” الإلكترونية. ورغم أن الولايات المتحدة علّقت أكثر عقوباتها صرامة على سوريا، فإن الإلغاء الكامل للعقوبات لا يزال بعيد المنال حتى الآن.
وقال العبدة: “توقيت المحاكمة مرتبط مباشرة بالشروط الأمريكية المفروضة على الرئيس الشرع للمضي نحو الرفع الكامل للعقوبات”، لافتاً إلى أن “الولايات المتحدة تريد من الحكومة معاقبة المسؤولين عن مجازر الساحل والعنف في السويداء. ونتيجة لذلك، باشرت الحكومة بهدوء اعتقال الأشخاص الذين حدّدتهُم لجنة التحقيق”.
وفي آذار/ مارس، شكّلت الحكومة السورية “اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل”، وفي تموز / يوليو شكلت لجهة مشابهة للتحقيق في أحداث السويداء، بعد اندلاع مواجهات بين الدروز والمقاتلين البدو، وتطورت إلى مجازر ذات طابع طائفي شاركت فيها بعض القوات الحكومية.
من جهته، رأى أحمد حلمي، من مبادرة تعافي، وهي منظمة تمثّل المعتقلين السابقين وعائلات المختفين في سوريا، أن المحاكمة موجَّهة أيضاً إلى الرأي العام المحلي.
إذا سارت المحاكمات “بشكل شفاف وعادل، وتم محاسبة المجرمين مع مصدري الأوامر، فسيكون هناك فرصة لبدء مصالحة بشأن أحداث السويداء أيضاً”، قال حلمي لـ”سوريا على طول”، معتبراً أن “الناس [بهذه الحالة] قد ينظرون إلى الحكومة على أنها جادة تعترف بما حدث في السويداء وتحاسب المجرمين، وتعمل على جبر الضرر”.
وذهب عبد الغني من الشبكة السورية إلى أن المحاكمات توجّه رسالة للضحايا بأن السلطات جدّية في مسار المساءلة، قائلاً: “لأول مرة في سوريا يتم محاسبة قوات الأمن والجيش المحسوبة على السلطات نفسها، وهذا أمر في غاية الأهمية وغير مسبوق في سوريا”.

متابعون وذوو المتهمين يحضرون الجلسة الأولى لمحاكمة المشتبه بهم في ارتكاب جرائم خلال أعمال العنف في الساحل السوري التي وقعت في آذار/ مارس الماضي، 18/ 11/ 2025، (ناتاشا دنون/ سوريا على طول).
عقبات
رغم أن جلسة الثلاثاء شكّلت خطوة نحو المساءلة عن الجرائم المرتكبة بعد سقوط الأسد، فإن التقدّم في مسار عدالة انتقالية أوسع ما يزال محدوداً.
استبعد حلمي أن تؤثر الجلسة على مسار العدالة الانتقالية “لأنها لم تكن ضمن إطار العدالة الانتقالية وإنما ضمن إطار المحاسبة الجزائية وتستند إلى القانون الجنائي السوري”، مضيفاً: “أسوأ شيء أن يتم محاسبتهم وفق القانون الجنائي، لأن القانون بهذه الحالة سوف يحميهم ويمنحهم حصانة”.
لا يعترف القانون الجنائي السوري بجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو التعذيب أو الإخفاء القسري. كما لم تصدر قوانين خاصة بالعدالة الانتقالية حتى الآن، نظراً لغياب جسم تشريعي فعلي في البلاد، إذ جرى اختيار ثلثي أعضاء مجلس الشعب عبر انتخابات غير مباشرة في تشرين الأول/ أكتوبر، فيما لم تعلن أسماء الثلث الأخير، التي يفترض أن يعينها الرئيس أحمد الشرع.
قال العبدة: “المشكلة الأكبر في مسار العدالة الانتقالية هي غياب أي فلسفة واضحة تقوده، أو حتى مقاربة متّسقة. لا أعتقد أن الرئيس الشرع قد حسم موقفه بشأن كيفية سيرها”.
حتى الآن، تسعى إدارة الشرع الانتقالية إلى الموازنة بين المساءلة والحفاظ على السلم الأهلي، مع إعطاء الأولوية أحياناً للمصالحة باسم الاستقرار. وخلال العام الماضي، استفاد العشرات من عناصر نظام الأسد السابقين، من بينهم فادي صقر، مما يبدو أنه إفلات من العقاب، ما أثار غضباً واسعاً بين السوريين.
لكن الجرائم الأحدث، مثل ما جرى على الساحل، تُتيح فرصة للإدارة الجديدة لإظهار بعض التحرك باتجاه المساءلة.
قال فضل عبد الغني: “مؤسسات الدولة ليست جاهزة تماماً لمثل هذه المحاكمات، لكن الدولة قررت المضي فيها بكل الأحوال. ورغم أنها [لا تزال] تعيد هيكلة المؤسسات وإصلاحها، كان من المهم المضي بالمحاسبة لإظهار جديتها”.
وأضاف: “نأمل أن يحدث الشيء نفسه فيما يتعلق بالانتهاكات في السويداء”.
