7 دقائق قراءة

مقاتلو الأسد السابقون متوارين عن الأنظار بعد تعثّر عمليات التسوية

قال جنود سابقون في صفوف النظام أن عملية التسوية التي أطلقت بعد سقوط الأسد قد تعثرت، ما ترك الكثيرين في حالة اختباء من دون بطاقات هوية مدنية، فقط "بطاقات تسوية" منتهية الصلاحية قد تجعلهم هدفاً


8 أكتوبر 2025

اللاذقية – “لقد نسيت أين تركتها”، قال ليث (اسم مستعار) بابتسامة متوترة، وهو يعرض بطاقة صغيرة مغلفة بالبلاستيك، فيها صورته وقليل من معلوماته الشخصية، لكن “لم يكن لها أي فائدة بالنسبة لي”.

كان من المفترض أن تكون البطاقة مصدر أمان بالنسبة له، لكنها تحولت إلى سجّان يقيّد حركة ليث، ودليل مادي قد يعرضه للاعتقال أو الاختفاء أو حتى الموت.

يتسلل ضوء الشمس الخافت عند المغيب إلى الغرفة عبر ستائر حريرية لم تُفتح منذ زمن. الأجواء في المكان أشبه بالغروب، لا هو نهار ولا ليل. خارج الزمن، معزول في كل الأوقات عن العالم الخارجي لحماية من في داخله.

ليث وشقيقه ظاهر (اسم مستعار)، رجلان طويلان قويّا البنية في مطلع العشرينات من عمرهما، يجلسان بتوتر في منزلهما بإحدى قرى محافظة اللاذقية الساحلية. يختبئ الشقيقان، غير قادرين على التحرك، خوفاً من الحواجز الطيّارة للأمن العام.

كان الشقيقان، وهما متطوعان في جيش الأسد، قد توجها إلى مركز التسوية في جبلة خلال الأيام الأولى التي أعقبت سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعد أن شاهدا أخباراً على وسائل التواصل الاجتماعي تشير إلى عفو عن المقاتلين السابقين. وبينما كانا يقفان في الطابور إلى جانب مئات آخرين، كانا خائفين، لكن في نفس الوقت متأملين أن تجلب لهم عملية التسوية الأمان، لكنهما اليوم يعتقدان أن العملية “كذبة”.

“هذا أمر خطير”، قال ليث وهو يمسك بطاقته، مضيفاً: “لا نستطيع أن نتحرك خارج القرية أبداً ونحن نحملها. المرور عبر الحواجز يشكل خطراً كبيراً علينا”.

حصل ليث على بطاقة التسوية هذه من قبل “إدارة العمليات العسكرية”، التي تم حلها منذ ذلك الحين، وهي مركز القيادة والسيطرة التابع لهيئة تحرير الشام، التي أشرفت على العملية العسكرية للمعارضة وانتهت بسقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، عرضت “تحرير الشام”، العفو عن المقاتلين في صفوف الأسد، ولا سيما المجندين. كان الاتفاق بسيطاً: سلم سلاحك وبطاقة هوّيتك العسكرية، وتعهد بعدم حمل السلاح ضد الحكومة الجديدة. في المقابل، سيتم تزويدك بوثيقة تثبت تسريحك من الخدمة العسكرية، وضماناً لأمانك، وإجراء تحقيق عادل. وبمجرد تبرئة اسمك من التورط في جرائم حرب، ستحصل على بطاقة هوية مدنية وسيتم إغلاق ملف قضيتك.

يبدو أن العملية كانت عشوائية إلى حدّ ما، حيث جرى إعدادها على عجل من قِبل غرفة العمليات العسكرية التي فوجئت بسرعة انهيار النظام. إذ لا توجد نسخة موحدة من “بطاقة التسوية”، وقد اطلعت “سوريا على طول” على ثلاث نسخ مختلفة منها.

“لم يصدر أي قرار إداري أو قانوني واضح بشأن التسريح الجماعي للعسكريين”، قال سمير العبد الله، الباحث في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة. ونتيجة لذلك، تُركت أعداد كبيرة من الجنود السابقين “في وضع قانوني غير مستقر، [ما يثير] مخاوف لدى الكثيرين من المساءلة المستقبلية أو المضايقات”.

أشخاص ينتظرون أمام مركز حكومي لتسليم الأسلحة الخفيفة وتسجيل بيانات الجنود السابقين وأفراد الشرطة والمدنيين في دمشق، 24/ 12/ 2025، (أ ف ب)

“لقد قتلوا ابني”

بدافع من هذا الخوف، قرر كل من ليث وظاهر تقليل تحركاتهما قدر الإمكان. يقضيان أياماً رتيبة داخل المنزل، وفي أحسن الأحوال يزوران الجيران أو الأصدقاء القاطنين بالقرب منهما، ويلازمهما دوماً هاجس الرصد أو الإيقاف من قبل دورية تتجول في المنطقة.

الخوف ليس من فراغ، ففي حي علوي بمدينة اللاذقية، أشار رجل مسن ذو شعر أبيض كثيف وشارب داكن إلى جدار مبنى قبالة منزله، وقال: “هنا أوقفوهم”، ثم أشار إلى مدخل البناء وأضاف: “لقد قتلوا ابني هناك في الداخل”.

ابنه حسين (اسم مستعار) كان رجلاً هادئاً يميل إلى الانعزال. جرى تجنيده وأُجبر على الخدمة في وظيفة إدارية لمدة سبع سنوات، على حد قول والده. وكما هو حال ليث وظاهر، حصل على بطاقة تسوية في الأيام الأولى التي تلت سقوط النظام، وجرى تسريحه من الجيش، ورغم وعود الأمان عاش أيامه في خوف إلى أن تمت تصفيته، بحسب والده.

“كان يذهب من المنزل إلى الجامعة ويعود”، قال والد حسين لـ”سوريا على طول”، موضحاً: “لم أكن أسمح له بالخروج لأي سبب آخر لأنني كنت خائفاً عليه”.

ثم، مع اندلاع العنف الطائفي على طول الساحل في آذار/ مارس، عقب محاولة تمرد نفذتها مجموعات على صلة بالنظام البائد، جاء رجال مسلحون بلهجات محلية إلى منزلهم بحثاً عن بقايا موالية للأسد.

“دخلوا يريدون معرفة ما إن كنا علويين أم سنة، وعندما قلنا علويين، طلبوا إبراز هويّاتنا”، أضاف والد حسين.

لم يكن لدى حسين سوى بطاقة التسوية، بعد أن سلّم هويته خلال إجراءات التسوية. وبمجرد أن عرف الأشخاص أنه جندي سابق، اقتادوه إلى الخارج، متجاهلين توسلات والديه بإنقاذه، وأوقفوه عند الحائط إلى جانب آخرين من نفس المبنى.

شاهد والد حسين من الشرفة عندما أجبر المسلحون الأسرى على الركوع. “لقد كان يعلم ما الذي ينتظره”، قال وهو يحبس دموعه، ثم أضاف: “اندفع محاولاً الهرب، وعندها أطلقوا النار عليه من الخلف”.

“شعرنا بالخيانة”

خلال مجازر آذار/ مارس، فرّ ظاهر إلى الغابة حيث اختبأ مع مجموعة من رجال القرية لثلاثة أيام، حينها “كنا من دون طعام، ومعنا فقط زجاجتي ماء”. كانوا محظوظين أيضاً أن المجموعات المسلحة المتجولة لم تمشّط شارع منزلهم.

لا يزال الشقيقان يهربان إلى الغابة بشكل متكرر، عندما تنفذ أجهزة الأمن الحكومية عمليات تمشيط ومداهمة في القرية، بحسب ظاهر. وقد سمع الشقيقان شائعات عن اعتقال شبان يحملون بطاقات التسوية، سواء في منازلهم أو بعد توقيفهم عند الحواجز، علماً أن “سوريا على طول” لم تتمكن من التحقق من هذه الحالات بشكل مستقل.

الحضور الأمني في المنطقة كثيف، إذ أثناء مغادرة “سوريا على طول” القرية، كان شباب يرتدون الزي الأسود للأمن العام يترجلون من شاحنة صغيرة إلى جانب الطريق، فيما يبدو أنه حاجز قيد الإنشاء.

“كلما أقاموا حاجزاً، تصلنا المعلومات فوراً عبر مجموعات دردشة وصفحات مختلفة حتى نتمكن جميعاً من تجنبه”، قال ليث مبتسماً بتهكم، ثم قال: “ما زلت أفضل عدم المخاطرة”.

لم يكن الجميع محظوظين إلى هذا الحد. ففي كانون الثاني/ يناير، كان وسيم (اسم مستعار) في منزله مع ابنه – وهو ضابط سابق – في حي علوي بمدينة حمص عندما طرق عناصر من الأمن العام الباب. وبعد تفتيش المنزل، استجوبوا الابن، نتيجة شكوك حوله لعدم حيازته بطاقة هوية مدنية، وعندما اكتشفوا سجله العسكري، اعتقلوه مع عدد من الشبان من الحي واقتادوه إلى سجن حمص المركزي.

“لم نتمكن من زيارته منذ كانون الثاني/ يناير، وليس لدينا أي معلومات عن وضعه”، قال وسيم لـ”سوريا على طول” عبر الهاتف، مضيفاً: “لم تُوجه إليه أي تهمة، لذا لا نعرف متى سيتم الإفراج عنه”، وأشار إلى أن من أفرج عنهم فقط الذين خدموا كمجندين إجبارياً.

وتواصلت “سوريا على طول” مراراً مع وزارة الداخلية للاستفسار عمّا إذا كان قد تم توجيه مسؤوليها لتشديد التدقيق بحق حاملي بطاقات التسوية، لكنها لم تتلقَّ أي رد حتى لحظة نشر هذا التقرير. بغض النظر عن أي سياسة رسمية، فإن الكثيرين داخل الأجهزة الأمنية، وخاصة في الساحل حيث لا تزال المجموعات المسلحة المرتبطة بالنظام نشطة، يعتبرون أن التاريخ العسكري أمر مثير للشبهات.

“خسرنا الكثير من العناصر في الساعات الأولى”، قال أبو بحر، رجل ممتلئ وجاد الملامح يجلس وإلى جانبيه علمان سوريان خلف مكتب ضخم، وأضاف: “كنا نتعرض لكمائن، ونُحاصر ونُقتل، وغالباً بعد استسلام عناصرنا”.

أبو بحر هو رئيس الأمن العام في مدينة بانياس بمحافظة طرطوس الساحلية. وقد كُلّف بتنسيق استجابة الأجهزة الأمنية للهجمات المسلحة التي شهدتها بانياس في آذار/ مارس، التي اتسمت بأنها أشد أعمال العنف من كلا الجانبين خلال الأحداث.

“شعرنا بالخيانة لأن كثيرين من الذين شاركوا في أعمال العنف كانوا يحملون بطاقة التسوية”، موضحاً: “لقد أجروا تسويتهم في هذه الغرفة بالذات”.

موظف لدى السلطات السورية الجديدة يسجل بيانات رجل، بينما يسلّم جنود سوريون وعناصر من الشرطة السابقين وبعض المدنيين أسلحتهم ويسجّلون بياناتهم لدى السلطات، في مدينة اللاذقية الساحلية، 16/ 12/ 2024، (أ ف ب)

تسريح غير مكتمل

سامر (اسم مستعار)، من دمشق، وافق على القتال في صفوف نظام الأسد عام 2017 من أجل الخروج من السجن والهروب من التعذيب المستمر، كما قال لـ”سوريا على طول”. في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وكحال كثيرين من المجندين في صفوف النظام، ألقى سلاحه على الفور وهرب بعد أن تلقى أمراً بالاستسلام من قائده.

ومثل ليث وظاهر، توجه لتسليم نفسه في مكتب الأمن العام القريب من منزله. غير أنه، بخلاف ليث وظاهر، كان سامر مجنداً. وسط بحر فوضوي من المقاتلين السابقين اليائسين، أبلغه أحد عناصر “هيئة تحرير الشام” أن بطاقته المدنية كان ينبغي أن تعاد إلى مختار الحي.

سارع سامر إلى مكتب المختار في حي جوبر، حيث وقف بقلق بينما الرجل المسن يقلب ببطء بين مئات بطاقات الهوية المدنية التي نُقلت من مركز الخدمة العسكرية في الحي، حيث كان يتعين على المجندين الإبلاغ عن خدمتهم.

وفي النهاية، وُجدت بطاقته وأُعيدت إليه، وهكذا، بعد أيام قليلة فقط من انهيار النظام، انتهت خدمة سامر العسكرية التي استمرت سبع سنوات.

ومع ذلك، في كثير من الحالات، يبدو أن عملية التسريح لم تكتمل إلا جزئياً. فلم يتلقَّ ليث ولا ظاهر أي تواصل من الحكومة بشأن وضعيهما، ولا يعرفان ما إذا كانا قيد التحقيق، ولا يملكان أي فكرة عن موعد حصولهما على بطاقة هوية مدنية.

الجهة التي أصدرت بطاقات التسوية لم تعد موجودة، بعد أن حُلّت مع “هيئة تحرير الشام” في كانون الثاني/ يناير، فيما البطاقات نفسها، التي لم تكن صالحة إلا لثلاثة أشهر، انتهت صلاحيتها منذ زمن طويل. ولم تتلقَّ “سوريا على طول” أي رد على استفساراتها الموجهة لمسؤولي الحكومة بشأن وضع عملية التسريح.

رأى العبد الله أن هناك العديد من العوامل التي تعقد وتؤخر صدور قرارات التسريح النهائية. فالتعقيد وحجم العمل المطلوب لتدقيق آلاف الملفات يحتاجان إلى وقت وموارد بشرية كبيرة، في حين أن الأنظمة الإدارية المتقادمة والملفات الخدمية المجمّعة بشكل عشوائي تعقّد التحقيقات. وإضافة إلى ذلك، فإن تعليق السجلات المدنية في سوريا منذ سقوط النظام حال عملياً دون إصدار هويات جديدة.

ونتيجة لذلك، يجد آلاف الجنود الذين يُفترض أنهم أجروا تسوية أوضاعهم عالقين الآن “بين وضع عسكري مُلغى ووضع مدني غير مكتمل”، كما أوضح العبد الله.

الدفع إلى الزاوية

حالياً، انحصر عالم ليث وظاهر في منزلهما، إذ لا يستطيعان العمل لإعالة عائلتهما، وتمضي الأيام في ملل شديد، قال ظاهر: “[هذه الفترة] كانت سيئة. لا أرى شيئاً في مستقبلي، نحن فقط ننتظر، نأخذها يوماً بيوم”.

“عندما تدفع شخصاً إلى الزاوية، في النهاية سيردّ الضربة”، أضاف متمتماً. مثل هذا الشعور يلمّح إلى الخطر الحقيقي الذي قد يسببه تهميش الجنود السابقين على استقرار الساحل.

ويُستشهد كثيراً بقرار الحكومة الأميركية “اجتثاث البعث” وحلّ الجيش بعد غزوها للعراق عام 2003 بوصفه قد دفع أعداداً كبيرة من الشبان إلى البطالة والفقر، ما غذّى تمرداً تحوّل في نهاية المطاف إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ومنذ أحداث الساحل الدامية في آذار/ مارس، ظلّ العنف يتخمر هناك. ولا تزال المنطقة تشهد سلسلة من عمليات القتل والخطف التي تستهدف المجتمع العلوي، إلى جانب هجمات حرب عصابات على أجهزة الأمن الحكومية تنفذها مجموعات غامضة تدّعي أن لها صلات بالنظام السابق.

ويؤكد هذا على أهمية تسوية أوضاع مقاتلي الأسد السابقين بشكل فعّال. ومع ذلك، “فالمسألة تتجاوز مجرد إصدار هويات مدنية جديدة”، قال العبد الله، إذ “إنها تتطلب برامج طويلة الأمد تشمل التدريب المهني، والتأهيل النفسي، وبدائل اقتصادية آمنة”.

“هذه مهمة ضخمة تحتاج إلى موارد مالية كبيرة، ودعم دولي واسع، واستقرار سياسي، وكل ذلك ما يزال مفقوداً”، كما أضاف.

لا حلول في الأفق بالنسبة لليث وظاهر، “لقد خسرنا كل شيء، والآن نحن في انتظار”، قال ليث، وختم كلامه: “لم يتركوا لنا أحلامنا”.

أسهم في إعداد هذا التقرير هادي العلي.

شارك هذا المقال