8 دقائق قراءة

من التفاوض إلى التصعيد: حلب تختبر حدود العلاقة بين دمشق و”قسد”

جاء التصعيد الأخير في مدينة حلب في ظل أزمة سياسية متفاقمة بين دمشق و"قسد"، لاسيما بعد تعثر الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الطرفين، والتي لم تسفر عن نتائج ملموسة بشأن تسريع اتفاق العاشر من آذار.


10 يناير 2026

باريس، القامشلي- انتشرت قوى الأمن الداخلي، التابعة لوزارة الداخلية السورية، منذ صباح اليوم، داخل حي الشيخ مقصود، آخر معاقل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مدينة حلب، بعد عملية عسكرية “دقيقة” بدأتها هيئة العمليات العسكرية في وزارة الدفاع، في السادس من كانون الثاني/ يناير الحالي، ضد “قسد” في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد.

وجاءت العملية بعد أيام من تبادل الاتهامات بين الجانبين بقصف كلّ طرف مناطق سيطرة الآخر، إذ اتهمت “قسد” دمشق باستهداف مناطق سيطرتها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، بينما قالت دمشق إن قواتها ردت على مصادر النيران التي أطلقت من تلك الأحياء.

وبالتوازي مع التوتر داخل حلب، شهد ريف حلب الشرقي تصعيداً عسكرياً إضافياً، على خلفية استهداف حاجز للشرطة العسكرية التابعة لدمشق. وقد اتهمت وزارة الدفاع السورية “قسد” باستهداف الحاجز بطائرة مسيرة، ما أسفر عن إصابة ثلاثة مدنيين وثلاثة جنود وعطب آليتين، وهو ما نفاه المركز الإعلامي التابع لقوات “قسد”.

لم يكن التصعيد الأخير حدثاً معزولاً، إذ بات التوتر العسكري داخل حلب نمطاً متكرراً خلال الأشهر الماضية. في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، انفجر الوضع في المدينة، عندما سمع دوي انفجار، ناجم عن تفجير نفق أرضي لقوات “قسد” كانت تحاول من خلاله الوصول إلى قلب المدينة خارج الأحياء الخاضعة لسيطرتها، بحسب رواية دمشق، لتندلع اشتباكات واسعة بين الطرفين في حلب، وفي اليوم التالي توصل الطرفان إلى اتفاق لوقف إطلاق النار على خطوط التماس كافة برعاية أميركية.

وجاء التصعيد الأخير، الذي وقع قبل أيام، في ظل أزمة سياسية متفاقمة بين دمشق و”قسد”، لاسيما بعد تعثر الجولة الأخيرة من المفاوضات بين الطرفين، إذ لم يسفر اجتماع الرابع من كانون الثاني/ يناير الحالي، عن نتائج ملموسة بشأن تسريع اتفاق العاشر من آذار/ مارس، الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي.

وفي الوقت الذي تسعى فيه القيادة السورية الجديدة إلى إنهاء ملف “المناطق المعزولة”، وإعادة بسط السيطرة الأمنية، تتصاعد التساؤلات حول ما إذا كان التصعيد العسكري في حلب يستخدم في إطار ضغوط سياسية أكبر، لا تقتصر تداعياتها على حلب وحدها، وإنما تلامس ملفات أكثر حساسية في الساحل والسويداء.

يحاول هذا التقرير تفكيك خلفيات التصعيد الأخير في حلب، وقراءة دلالاته السياسية والعسكرية، والإجابة على سؤال: هل تحولت “قسد” من طرف تفاوضي إلى عامل تعطيل يربك مسارات الاستقرار، في محاولة للحفاظ على مكاسب لم تعد مضمونة؟

الشيخ مقصود: اتفاق معلق وتصعيد مفتوح!

“العملية العسكرية المحدودة في حلب جاءت بعد استنفاد كل الحلول التفاوضية مع “قسد”، وهي في إطار الرد على الخروقات المستمرة لوقف إطلاق”، قال مصدر إعلامي في وزارة الدفاع السورية، طلب عدم الكشف عن هويته، لافتاً إلى أن الحكومة السورية اتخذت قرارها في “بسط الاستقرار والأمن في حلب، وتأمين سكان حلب من جميع المكونات السورية”.

جاء الحل العسكري بعد “فشل تنفيذ اتفاقات الإندماج”، وتتحمل “قسد” مسؤولية ذلك، بحسب محمود علوش، باحث سياسي سوري مستقل، معتبراً أن “التصعيد العسكري في حلب هو أحد النتائج الطبيعية لفشل المسار التفاوضي”. وأوضح أن “فشل هذا المسار لا يرجع إلى أن اتفاقية [آذار] لم تكن جيدة أو إلى أن المهلة التي كانت محددة لها لم تكن كافية، بل إلى أن قسد راهنت على كل شيء إلا على الاندماج في الدولة السورية، ولم يكن لديها إرادة وطنية حقيقية للاندماج”.

ورغم حسم ملف حلب، ما تزال التسوية السياسية الشاملة مع قسد “ممكنة”، إذا ما تحلت الأخيرة بـ”الواقعية والعقلانية، وتخلت عن الرهانات الفاشلة”، كما قال علوش لـ”سوريا على طول”، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن إخراج “قسد” من حلب “هو بداية توجه سوري-تركي جديد من أجل حسم ملفها، وفرض الحلول بالقوة الجزئية أو الكلية إذا استدعى الأمر”.

وكانت الحكومة السورية قد وقعت اتفاقاً مع “قسد”، في نيسان/ أبريل 2025، نص على انسحاب القوات التابعة للأخيرة بأسلحتها إلى شرق الفرات، على أن تتحمل وزارة الداخلية بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي (قوات الأسايش التابعة لقسد) مسؤولية حماية سكان الحيين، ومنع أي اعتداءات أو تعرض بحقهم. وعلى إثر الاتفاق سحبت “قسد” جزءاً من قواتها، لكنها لم تنفذ كامل بنود الاتفاق وهو ما أبقى مصير الحيين معلقاً.

“اتفاقية الشيخ مقصود متوقفة منذ أربعة أشهر من قبل الحكومة الانتقالية في دمشق، ولم تكن هناك أي خطوة تقدم في تنفيذ الاتفاق من قبل الحكومة، وهذا الهجوم الحاصل هو نتيجة توقف اتفاق الشيخ مقصود. نحن مصرون على إنجاح هذه الاتفاقية، ونحن على تواصل دائم مع الحكومة في سبيل ذلك”، قالت لـ”سوريا على طول”، هيفين سليمان، الرئيسة المشتركة لحي الشيخ مقصود والأشرفية بحلب، وهي إحدى الموقعات على اتفاق نيسان/ أبريل.

“قسد كفاعل فوضوي”

تنتهي مهلة تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار/ مارس، في نهاية عام 2025، والذي نصّ على دمج مؤسسات “قسد” العسكرية والمدنية ضمن هيكل الدولة السورية، غير أن انتهاء المهلة من دون استكمال عملية الدمج أعاد تبادل الاتهامات بين الطرفين، إذ إن “قسد” تؤكد التزامها والحكومة السورية تتهمها بالمماطلة والمراوغة.

إن التحرك العسكري في حلب، “مصمم بدرجة أساسية للضغط على قسد من أجل الانخراط في مفاوضات تؤدي إلى تسوية سياسية”، بحسب الباحث علوش، إلا أن “وجود انقسام وتيارات داخل منظومة قسد لا تريد هذه الاتفاقية -وهو تيار مرتبط بجناح حزب العمال الكردستاني في قنديل- وتسعى إلى تعطيل الاتفاقية وإفشال عملية السلام بين تركيا وحزب العمال الكردستاني” أدى إلى النتائج الأخيرة.

وأضاف علوش: “من الواضح أن تأثير هذا التيار كبير على قسد، وهو الذي يدفعها إلى الانخراط في لعبة الخداع”.

رداً على ذلك، قال الباحث في مركز الفرات للدراسات، لازكين إبراهيم، ومقره مدينة القامشلي، أن “الحديث عن تيارين متصارعين داخل قسد يُستخدم غالباً كسردية جاهزة لتصويرها كقوة مرتبكة أو كطرف يتهرب من الالتزامات”، معتبراً أن هذا الطرح “مبالغ فيه وضعيف”.

وقال إبراهيم لـ”سوريا على طول”: “قد توجد تباينات في التقدير أو اختلافات في ترتيب الأولويات، مثل: وتيرة الدمج، الضمانات، وشكل الترتيبات الأمنية. لكن هذه التباينات لا تتحول تلقائياً إلى تيارات متناحرة تُعطّل القرار”. 

من جهته، ذهب باحث سياسي مقيم في حلب، طلب عدم الكشف عن هويته لدواع أمنية، إلى أن “قسد” حاولت المماطلة في تنفيذ الاتفاق “أملاً بأن يحدث تغيّر إقليمي تجاه حكومة الشرع أو يتم الإطاحة به. لكن المناخ الدولي اليوم يصب في صالح دمشق”.

وأضاف الباحث في حديثه لـ”سوريا على طول”: “تحاول قسد أن تتخندق في ملف الفوضى لا الحل، وأن تعيد إنتاج نفسها كفاعل فوضوي وليس كفاعل في بناء الاستقرار، وهذا يخدم إيران وإسرائيل فقط في الإقليم”، لافتاً إلى أنها “أطلقت سراح خمس دفعات من قيادات تنظيم الدولة منذ سقوط النظام البائد قبل عام بهدف تنفيذ عمليات في مناطق الحكومة السورية”.

رفض الباحث في مركز الفرات إبراهيم رواية “انتقال قسد من طرف تفاوضي إلى عامل تعطيل”، معتبراً أنها حافظت منذ اتفاق العاشر من آذار على مقاربة واضحة، وهي “تهدئة مقرونة بالتنفيذ، لا تفاوض مفتوح بلا التزامات”.

وأضاف إبراهيم: “جوهر سلوك قسد خلال الفترة الماضية كان الدفع باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار، وفتح مسار اندماجٍ مؤسساتي وترتيبات سياسية تضمن التمثيل والشراكة، مع الإبقاء على عمليات مكافحة داعش ضمن متطلبات الأمن المشترك”.

وقال إبراهيم: “المعضلة الحقيقية ليست في وجود مفاوضات بلا أفق من جانب قسد، بل في غياب الإرادة التنفيذية لدى دمشق، واللجوء إلى إدارة التفاوض كأداة لكسب الوقت وتحسين الصورة أو تخفيف الضغوط الخارجية والداخلية، ثم العودة إلى أدوات الضغط على الأرض فور الاقتراب من استحقاقات التنفيذ الفعلي”، وعليه : “تحولت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية إلى ساحة ضغط سياسي–ميداني”، متهماً دمشق باستخدام “معاناة المدنيين كرافعة تفاوضية”.

“جلسة التفاوض الأخيرة كشفت أن دمشق تتعامل مع اتفاق العاشر من آذار بوصفه إطاراً مرناً للاستهلاك السياسي أكثر منه عقداً مُلزماً بخطوات تنفيذية”، من وجهة نظر إبراهيم، مستنداً في روايته على “التزامن اللافت بين مسارات التفاوض الداخلية وبين انشغال دمشق بملفات خارجية شديدة الحساسية، على رأسها مفاوضات سورية–إسرا ئيلية في باريس بوساطة أميركية لإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974″.

واتهم إبراهيم دمشق بأنها “تبدو أقل قابلية لتقديم تنازلات داخلية حقيقية، لأنها تشعر أن كلفة التصلّب انخفضت بعد أن تحسن موقعها الخارجي وتراجعت القيود الاقتصادية عليها”. 

دعم نزعات الانفصال

وُجهت اتهامات عديدة لـ”قسد” في دعم وتمويل دعوات الانفصال في السويداء والساحل السوري، إذ أشارت تقارير إعلامية إلى أن “قسد” قدمت دعماً مالياً ولوجستياً لفصائل السويداء المحلية، كما احتضنت العديد من ضباط وفلول النظام البائد، وهو روايات تنفيها “قسد”.

لعبت “قسد” “دوراً في تحريض الهجري [الشيخ حكمت الهجري] وفلول النظام ضد الرئيس الشرع خلال الفترة الماضية، وهذا النهج هو من بين الأسباب التي أدت إلى انفجار الوضع مع ودمشق”، بهدف “إبقاء مشاريع الانفصال واللامركزية السياسية والفدرالية على طاولة الأعمال”. لكن “هذه الرهانات لم تنجح، وأصبحت قسد تحت ضغط كبير، خصوصاً في ظل التحولات الكبيرة التي طرأت على مسار التدخلات والأدوار الخارجية في سوريا”، قال علوش.

تهدف دمشق إلى “منع قسد من تحريك أدواتها”، من خلال سحب “ورقتي السويداء والساحل من يدها، عبر تكثيف الحملات الأمنية في الساحل وزيادة الضغط على فلول النظام هناك، وإبقاء مئات ضباط النظام البائد المشتبه بهم تحت المراقبة الاستخباراتية، وفي السويداء تعمل الحكومة على تفكيك ميليشيات الهجري”، بحسب الباحث المقيم في حلب.

رفض المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية للتفاوض مع دمشق، ياسر السليمان، الاتهامات الموجهة لـ”قسد” بدعم حركات الانفصال، قائلاً: “لسنا في جزيرة معزولة عن العالم في البحر، وليس ثمة منافذ بحرية تجعل الإدارة الذاتية تطمع بالانفصال، وكذلك ليس هناك توافق كردي كردي، ولا توافق إقليمي ولا عربي ولا دولي على هذا الأمر”، مشدداً على أن “الانفصال ليس في أدبيات الإدارة، ولو كان الاستقلال يعطى لحصل عليه إقليم كردستان العراق، الذي حظي برعاية دولية، لكن لم يسمح له بالاستقلال أو الانفصال”.

الضغط الأميركي على “قسد”

حاولت “قسد” جرّ الحكومة السورية إلى “مواجهة وفق توقيتها وليس وفق توقيت أنقرة ودمشق، لكن الرئيس الشرع أصبح اليوم في وضع أفضل”، خصوصاً بعد قدرته على “تكريس استقرار السلطة خلال العام الماضي، وتحييد بعض التحديات الداهمة، علاوة على التطور الكبير الذي سلكه المسار التفاوضي السوري-الإسرائيلي خلال الاجتماعات الأخيرة في باريس”، بحسب علوش.

لذلك فإن “توقيت هذه التحركات العسكرية مرتبط بشكل أو بآخر بالخرق الذي تحقق في المسار التفاوضي بين سوريا وإسرائيل في باريس، خصوصاً لجهة أن الولايات المتحدة الأمريكية ستصبح أكثر جدية في إظهار التزامها بممارسة ضغط على قسد لإجبارها على تنفيذ اتفاقية الاندماج”، أضاف علوش.

وعقد الأسبوع الماضي الجولة الخامسة من المفاوضات السورية-الإسرائيلية في العاصمة الفرنسية باريس بوساطة أميركية، بعد توقف المفاوضات لشهرين. وفي أعقاب الجولة، أصدرت الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل بياناً مشتركاً، أعلنوا فيه التوصل إلى إنشاء “خلية اتصال متخصصة”، تكون بمثابة منصة دائمة للتنسيق في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد العسكري والتواصل الدبلوماسي.

وفي حال قررت الولايات المتحدة “رفع الغطاء عن قسد والضغط عليها من أجل الانخراط في مسار تفاوضي حقيقي يؤدي إلى تنفيذ اتفاقية الاندماج ومنع مواجهة عسكرية، عندها أعتقد بأن قسد ستكون أمام خيار واحد وهو اتخاذ قرار بشأن المسار الذي ستمضي عليه الأمور”، قال علوش. 

لكن الولايات المتحدة “لا تريد أن تقدم سوريا موحدة للرئيس الشرع قبل أن تأخذ منه ما تريده من سوريا، وهي متطلبات عديدة من بينها الاتفاق مع إسرائيل”. لذا فإن واشنطن “استخدمت ملف قسد كورقة ضغط على الرئيس الشرع خلال العام الماضي، وكورقة مؤثرة في تشكيل العلاقة مع سوريا الجديدة”، وفقاً لعلوش.

ذهب الباحث السياسي المقيم في حلب إلى أن “الاستفزاز مع قسد يتزامن مع المفاوضات الإسرائيلية”، وقد يعود ذلك إلى أن “قسد تريد استفزاز الحكومة لارتكاب أخطاء وتكرار ما حدث في الساحل والسويداء لاستخدامه سياسياً ضد دمشق”، لكن “الحكومة تعلمت الدرس ولن تعطي هذه الورقة لقسد”.

إن “نجاح الحكومة في حلب سوف يتبعه تجميد للمفاوضات، وزيادة العمل الاستخباراتي السوري-التركي لتفكيك قسد”، بحسب الباحث من حلب، الذي أشار إلى أن دمشق “تحضر منذ شهرين لسيناريوهات عسكرية في شرق سوريا، من أجل الاستعداد للسيطرة على الجزيرة السورية”.

ختم لازكين إبراهيم: “مستقبل المفاوضات بين قسد ودمشق لن يُحسم داخل قاعة التفاوض فقط، لأن هذا المسار مرتبط بميزان الضغوط الإقليمية والتفاهمات الدولية”، وبالتالي “كلما تحركت الملفات الخارجية لصالح دمشق، تميل [الأخيرة] إلى خفض استعدادها لتقديم تنازلات داخلية، وتعود لاستخدام أدوات الضغط الميداني”.

شارك هذا المقال