10 دقائق قراءة

من الزنازين إلى محكمة المجتمع: رحلة ألم الناجيات السوريات مستمرة رغم سقوط الأسد

بينما يحيي السوريون الذكرى الأولى لسقوط الأسد، في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تحذّر النساء الناجيات من سجون النظام من أن معاناتهنّ لم تنته بالإفراج عنهن، لأن المجتمع سجن ثانٍ بالنسبة لكثيرات منهنّ.


10 ديسمبر 2025

دمشق- تجلس صباح هرموش في شقة صغيرة تتقاسمها مع مع أطفالها الثلاثة وأهل زوجها في جديدة الفضل، بضواحي دمشق، مستعيدةً ذكرياتها. في 37 من عمرها، تركت عمليات التعذيب فيها جروحاً جسدية ما تزال تؤلمها، وندوباً نفسية تجعل كسب الرزق أمراً يكاد يكون مستحيلاً.

مرّ عام على عودتها إلى المنزل. في فجر الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، كسر مقاتلو المعارضة باب زنزانتها في مطار المزة العسكري، قائلة: “حررونا الثوار. اتصلت بحماتي وقلت لها أنني أصبحت حرة مع صديقتي أم محمد”، سارتا معاً في الظلام لساعتين وثلاثين دقيقة، وسط أصوات إطلاق النار.

صور وفيديوهات النساء والرجال، الذين أُطلق سراحهم من سجون الأسد، خلال الهجوم الذي استمر 11 يوماً وانتهى بإسقاط النظام العام الماضي، كانت من أكثر المشاهد لفتاً للأنظار التي خرجت من سوريا. فمن مدينة إلى أخرى أثناء زحف المعارضة إلى العاصمة، كانت أبواب الزنازين تُكسر ويخرج السجناء بأجساد نحيلة ووجوه شاحبة.

كانت هرموش معتقلة لدى النظام منذ آذار/مارس 2024، أوقفت بدايةً في سجن عدرا المركزي مع أطفالها الثلاثة: فواز، 13 عاماً، عنود، 5 أعوام، وعمر 4 أعوام، وبعد ثلاثة أشهر “أخبروني أنهم سيرسلون أطفالي إلى ميتم”، كما قالت، بينما نُقلت هي إلى سجن المزة وحدها.

لم تُعتقل لتهمة، وإنما كورقة ضغط لإجبار زوجها – المقاتل في صفوف المعارضة في إدلب – على تسليم نفسه، وكذلك عقاباً لأنها ابنة شقيق حسين هرموش، أول ضابط ينشق عن جيش الأسد عام 2011، كما تعتقد السيدة.

قصتها واحدة من بين آلاف القصص، فهناك العديد من النساء، مثل هرموش، اعتقلن خلال سنوات الصراع السوري الذي استمر نحو 14 عاماً، لأسباب تراوحت بين المشاركة في المظاهرات المناهضة للنظام، أو أثناء عبور حاجز، أو لوجود قريبٍ لهن في صفوف المعارضة. 

نادراً ما كانت هذه الاعتقالات عشوائية؛ بل كانت استراتيجية تُستخدم كسلاح حرب. وبمجرد اعتقالهن، تتعرض النساء للضرب والإهانة والتهديد أو العنف الجنسي، ويستخدم أطفالهن كورقة ابتزاز، كما حدث مع هرموش.

وبحسب بيان صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، ما تزال 10,257 امرأة رهن الاحتجاز أو الاختفاء القسري في سوريا، من بينهن 8,501 امرأة لدى نظام الأسد، فيما قُتل 29,358 امرأة وفتاة منذ آذار/ مارس 2011، من بينهن 22,123 على يد النظام السابق وحلفائه. كما وثّقت الشبكة 11,583 حادثة عنف جنسي ضد نساء وفتيات، ارتكب النظام نحو 70 بالمئة منها.

قال الأخصائي النفسي، أحمد عرفات، الذي عمل سابقاً في دعم النساء المفرج عنهن في إدلب، لـ“سوريا على طول”: “كانت النساء يُعتقلن لكسر العائلات والمجتمعات، وكان النظام يدرك أن اعتقال امرأة يُحدث صدمة للعائلة بأكملها، لأنه يمسّ  شرفها. كان ذلك مقصوداً”.

صباح هرموش، التي أُفرج عنها من سجون النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، تقف في الشقة التي تعيش فيها مع أطفالها وأهل زوجها في جديدة الفضل، على بُعد 15 كيلومتراً من دمشق، 06/ 11/ 2025، (بشرى الزعبي/ سوريا على طول).

صباح هرموش، التي أُفرج عنها من سجون النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، تقف في الشقة التي تعيش فيها مع أطفالها وأهل زوجها في جديدة الفضل، على بُعد 15 كيلومتراً من دمشق، 06/ 11/ 2025، (بشرى الزعبي/ سوريا على طول).

عندما وصلت هرموش إلى جديدة الفضل في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، علمت أن زوجها قُتل قبل أسبوع واحد فقط، أثناء هجوم المعارضة في معارك إسقاط النظام، لكنها اجتمعت بأطفالها، الذين كانوا من بين مئات الأطفال الذين أُخذوا من ذويهم المعتقلين ووُضعوا في مراكز ودور أيتام.

كان عمّ الأطفال قد ذهب  إلى دار الرحمة لرعاية الأيتام، فور سقوط النظام وفرار الموظفين من أجل استعادتهم. وقد أخفى فرع المخابرات الجوية، الذي كان يحتجز هرموش، أكثر من 300 طفل بهذه الطريقة، بما في ذلك في دار الرحمة. قالت: “أحدهم لم يتعرف عليّ، واحتاج وقتاً حتى يتقبلني”.

مرّ عام على خروج هرموش، وما تزال هي وأطفالها يعانون، مثلها مثل كثير من المعتقلين السابقين، الذين تلقوا دعماً محدوداً للغاية. أحلامها بسيطة، لكنها تبدو بعيدة المنال: تريد منزلاً خاصاً بها، ودخلاً ثابتاً، وحياة كريمة، كما تريد أن يتم تخليد ذكرى الذين لم ينجوا مما نجت منه، عبر توثيق دقيق لا يسمح بمحو التاريخ، مضيفة: “لدي الكثير من المطالب، لكن لا أحد ينصت لها”.

رحل النظام، لكن القصة لم تنتهِ برحيله في كانون الأول/ديسمبر الماضي، فقد تشكّلت حياة النساء الناجيات من أظلم زواياه بفعل الاعتقال والتعذيب والوصمة الاجتماعية: تحدياتٌ ما تزال مستمرة بعد وقت طويل من فتح أبواب السجون.

ظلم مزدوج

نزلت نورا (اسم مستعار) بهدوء من الحافلة، وسط واحد من أكبر شوارع دمشق، مقابل المتحف الوطني مباشرة. طويلة ونحيلة، تتحرك كما لو أنها تحاول أن تتلاشى، على أمل أن تصبح غير مرئية في بلاد تحتاج جراح حربه سنوات كي تلتئم.

ومع ذلك، فهي تريد أن تُسمَع. قالت وهي تجلس إلى طاولة في مقهى: “أريد أن يعرف العالم الخارجي ما مررت به”.

اعتُقلت نورا مع ابنتيها الصغيرتين وحمويها وسلفاتها، في كانون الثاني/ يناير 2018، عند حاجز في دمشق، وكان ذلك بعد ثلاثة أيام فقط من اعتقال زوجها وإخوته. خضعت نورا، المتهمة بالإرهاب، للاستجواب والتعذيب لأيام على يد المخابرات الجوية في المزة. 

قالت مستذكرة: “كانوا يريدونني أن أعترف بأنني جزء من مجموعة مسلحة إرهابية”. رفضت نورا فاشتد الضرب. أكملت قصتها بصوت خافت، وهي تنظر إلى الأسفل وتحرّك عصيرها: “كان الأمر صعباً جداً. لا أريد الدخول في التفاصيل. هناك جروح لا يمكنني فتحها الآن”.

بعد صمت طويل، رفعت رأسها، وأضافت: “ضربوني أمام ابنتَيّ. وخلال بعض جلسات التحقيق، كانوا يعلقونني على الحائط ويضربون الفتاتين أيضاً”. كان أعمار ابنتيها في ذلك الوقت، عامين للأولى وستة أشهر للثانية. وعندما عادت إلى زنزانتها، لم يعد لديها حليب لتطعم صغيرتها، التي كان جسدها يتلوى ألماً من الجوع.

أبواب الزنازين مفتوحة في سجن صيدنايا، سيئ السمعة، قرب دمشق، 16/ 12/ 2024، (أ ف ب).

أبواب الزنازين مفتوحة في سجن صيدنايا، سيئ السمعة، قرب دمشق، 16/ 12/ 2024، (أ ف ب).

“الموقف الأصعب، عندما انتزعوا بناتي مني، لقد كسروا قلبي. لن أنسى أبداً عندما أخذوهنّ”قالت نورا، لافتة إلى أن المحققين أخبروها أنهنّ في المستشفى، “لكنها كانت كذبة”. أخذوا ابنتيها لمدة ثلاثة أشهر تقريباً، وأعادوهما بعد نقلها من المزة إلى سجن عدرا، حيث بقيت معهما لمدة خمس سنوات.

أُفرج عن نورا وحمَويها عام 2022، لكنها لم تشعر بالراحة أبداً، فقد أصبح الاندماج في المجتمع من جديد شكلاً آخر من أشكال العقاب.

وقالت: “كأنني فعلت شيئاً فظيعاً. لا أحد يفهم أن الأمر لم يكن خطئي، ولا خطأ بناتي أيضاً. لقد تعرضت للظلم مرتين، مرة في السجن ومرة خارجه”، معتبرة أن “الخارج أصعب، لأنك في السجن تعرف جلّاديك، أما في الخارج، فهم أهلك الذين لا يصدقونك”.

مارس حمَواها الضغط على زوجها – الذي أُفرج عنه عندما سقط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر- ليتزوج بامرأة أخرى، لكنه رفض، وكانت النساء يتجنبنها، وفقاً لها، قائلة: “النساء لا يقتربن مني لأنهن يعتقدن أنني تعرضت للاغتصاب”، وأضافت: “عدم تصديق النساء لي أصعب عليّ من الرجال، كان ينبغي عليهنّ أن يراعِينَ ما مررت به”.

الحرية وحدها لا تنهي المعاناة، لأن الوصمة تحلّ محل الزنزانة، لتمدد العنف فترة طويلة بعد الإفراج.

كثير من النساء يترددن في الإفصاح عما مررن به أو في التسجيل للحصول على ما هو متاح من دعم، كما قالت هالة هيثم الحاج، رئيسة رابطة “ناجيات”، وهي منظمة مقرها تركيا وتدعم النساء المفرج عنهن من الاعتقال.

وأضافت الحاج في حديثها لـ”سوريا على طول”: “العديد من النساء يواجهن رفضاً اجتماعياً بعد الإفراج عنهن. تحدث حالات طلاق كثيرة، ويُجبر عدد كبير من الناجيات على الابتعاد عن مجتمعاتهن”، ناهيك عن أنهنّ “يواجهن تهديدات بالعنف وما يعرف بجرائم الشرف من عائلاتهنّ”.

وكذلك “يعانين في العثور على عمل للأسباب نفسها، ولأنهنّ غالباً لا يحصلن على أي حماية أو دعم”، بحسب الحاج.

عندما افتتحت منظمة أطباء بلا حدود عيادة لدعم الناجين في دمشق في وقت سابق من هذا العام، كان أقل من 15 بالمئة من جلسات الاستشارة خلال الشهرين الأولين لنساء. وحذرت المنظمة في تقرير لها من أن “العدد المتدني جداً للنساء ضمن شريحة المستفيدين أمر مثير للقلق، وعدد الأطفال الذين يلتمسون العلاج أقل من ذلك”.

وقالت الحاج: “لا أعتقد أن إعادة الاندماج أصبحت أسهل بعد سقوط الأسد. هناك قصص نجاح، قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر وبعده، حيث تعيد النساء بناء حياتهن… لكن هذا لا يحدث إلا عندما يحصلن على دعم اجتماعي ونفسي قوي”.

“صنعت مكاني في المجتمع”

في زاوية أكثر هدوءاً من دمشق، شقّت معتقلة سابقة طريقاً أكثر علنية. ففي مكتب صغير داخل كلية الحقوق بجامعة دمشق، تجلس ميساء محمد العينية، 55 عاماً، خلف مكتب خشبي كبير، في منصبها الجديد كمسؤولة الشؤون القانونية في  رابطة معتقلي الثورة السورية.

تأسست الرابطة في كانون الثاني/ يناير 2025 بموجب مرسوم صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وتقدّم دعماً إنسانياً للمعتقلين السابقين.

يرتبط عمل العينية أساساً بمساعدة الناجين والناجيات على التعامل مع قضايا قانونية مثل أوامر مصادرة الممتلكات وشهادات الوفاة المزورة التي أصدرها النظام، وعندما يدخل المراجعون طالبين مساعدتها، تستقبلهم – نساءً ورجالاً على حدّ سواء – بهدوء العارفة كيف أعادت بناء مكانها في العالم من الصفر.

ميساء العينية، مسؤولة الشؤون القانونية في رابطة معتقلي الثورة السورية، وهي معتقلة سابقة، تعمل في مكتبها بالعاصمة دمشق، 01/ 12/ 2025، (إيلواز بلونديل/ سوريا على طول).

بدأ الطريق إلى زنزانة السجن، بالنسبة للعينية، من خلاف شخصي حول مهرها في الأيام الأولى للثورة، قالت لـ”سوريا على طول”: “كانت لدي مشاكل مع زوجي، وقررنا الانفصال، لكنه رفض دفع مهري. كتبوا تقريراً بناء عليه اتهمتني الشرطة بمساعدة الثوار”. اعتُقلت ونُقلت إلى مقر الأمن العسكري في النبك، البلدة التي تنحدر منها في ريف دمشق.

على مدى الأشهر الأربعة التالية – وهي أولى ثلاث تجارب اعتقال على مدار نحو عامين – واجهت التحقيقات والترهيب والزنازين الباردة والمكتظة، التي ميّزت الحملة الأولى للنظام. وكانت الإهانة مستمرة. وخلال هذه الفترة، اعتُقل ابنها محمود، الذي كان يبلغ 14 عاماً آنذاك، وقد “عذبوه وسحقوا أصابع قدميه لإجباره على اتهامي”.

أُفرج عنها في عام 2016، مع فرض منع سفر ومصادرة ممتلكاتها. وفي الخارج، أعرض عنها المجتمع، وتعامل معها كما لو أنها لطّخت سمعة عائلتها. لكن في اليوم الذي سقط فيه الأسد تغير كل شيء بالنسبة لها.

قالت العينية: “أقربائي الذين تعاملوا معي كامرأة منبوذة، قبّلوا جبيني لتهنئتي بسقوط النظام، ومن ثم صاروا ينادونني أستاذة [كتعبير عن الاحترام]، لأنهم أدركوا أنني كنت على حق”، مضيفة: “كان التخلص من الطاغية أمر لا يُصدق. كان ذلك انتصاري الشخصي، بعد أن عشنا في إذلال. صنعت مكاني في المجتمع بقوة، رغم كل الضغوط”.

غيّرت تجربة العينية نظرتها إلى العلاقات، قائلة: “لم أتزوج مرة أخرى. تلقيت الكثير من عروض الزواج، لكنني أريد أن أكرّس نفسي لأولادي وطموحاتي المهنية. ما مررت به مع زوجي دمّر أي رغبة في الزواج”، معتبرة أن “الزواج قد يكون جحيماً”، لذا “لم أعد أثق بالرجال، باستثناء والدي وابني وصهري، الذين دعموني في كل شيء. لقد آمنوا بقدراتي”.

قبل اعتقالها، كانت العينية ربة منزل ومقدّمة رعاية لابنتها التي تعاني من إعاقة. وبعد الإفراج عنها، تابعت تعليمها، ودرست جنباً إلى جنب مع أولادها. قالت: “بدأت الدراسة مع ابني محمود، الذي لم يحصل على شهادة الثانوية. بدأنا معاً بمجهودنا، ونجحنا في الوقت نفسه”.

وبعد بضع سنوات، “انضمت إلينا ابنتي. واصلنا دراستنا نحن الثلاثة وتخرجنا في اليوم نفسه [عام 2022]. كان ذلك لا يُصدَّق”، قالت بفخر وهي تستعرض صور التخرج.

وأضافت العينية: “أقول لكل فتاة: اطمحي لأن تفخري بالثوب الأسود ثوب الإنجاز، لا بالفستان الأبيض ثوب الزفاف”.

في صورة على هاتفها، تقف ميساء العينية (الثانية من اليمين) مع أبنائها الثلاثة بعد أن تخرّجت هي وابنها وإحدى ابنتيها من الجامعة عام 2022. وكانت العينية قد علّمت ابنتها الأخرى (أقصى اليسار)، التي تعاني من إعاقة، النطق والرياضيات حتى تتمكن من مشاركتهم اللحظة، 01/ 12/ 2025، (إيلواز بلونديل/سوريا على طول).

في صورة على هاتفها، تقف ميساء العينية (الثانية من اليمين) مع أبنائها الثلاثة بعد أن تخرّجت هي وابنها وإحدى ابنتيها من الجامعة عام 2022. وكانت العينية قد علّمت ابنتها الأخرى (أقصى اليسار)، التي تعاني من إعاقة، النطق والرياضيات حتى تتمكن من مشاركتهم اللحظة، 01/ 12/ 2025، (إيلواز بلونديل/سوريا على طول).

“جبر ضرر فعلي”

مع دخول سوريا مرحلة جديدة من دون الأسد، تشكّل أصوات نساء مثل صباح هرموش ونورا وميساء العينية شهادة وتحذيراً في آن واحد، إذ إن رحيل النظام لا يمحو عقوداً من المعاناة، والعدالة يجب أن تمتدّ خارج جدران السجون: إلى الشوارع، المدارس، والمجتمع.

قال الأخصائي النفسي عرفات: “دور المجتمع والحكومة هو إعطاء القبول أولوية، ويجب أن نتعامل مع النساء باعتبارهن ضحايا يحتجن إلى الدعم والتمكين لإعادة بناء حياتهن بشكل طبيعي”، مشدداً على أنهنّ “بحاجة إلى مساعدة نفسية وجسدية وعقلية، ولا يجب معاملتهنّ كالمذنِبات، وإلا يصبح الاعتقال سجنين وعقوبتين: واحدة من النظام، وأخرى من المجتمع”.

وأضاف: “حتى النساء اللواتي يتصرفن بقسوة تجاه الناجية هنّ أنفسهن ضحايا، يسترجعن ذكريات أو تجارب. يحاولنَ حماية أنفسهنّ وتحويل الانتباه عنهن من خلال الحكم على الأخريات”.

ما يزال دعم المعتقلين والمعتقلات أقل بكثير مما يقول الناجون والمدافعون إنه ضروري، ويرجع ذلك جزئياً إلى تراجع التمويل الدولي الذي أدى بدوره إلى تراجع قدرة المنظمات العاملة على دعمهم. وفي حزيران/ يونيو، أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن الناجين يواجهون “غياب مقلق”، ودعت إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان الحق في “التعويض، بما في ذلك إعادة التأهيل، والحق في العدالة”.

وفي أيار/ مايو، أنشأت سوريا “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية” و“اللجنة الوطنية للمفقودين”، وهما هيئتان مستقلتان مكلّفتان بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وملاحقة الجناة وتقديم جبر الضرر. غير أن المرسوم الرئاسي الخاص بإنشاء هيئة العدالة الانتقالية خصّ الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق فقط، دون غيره من الأطراف.

وحتى اليوم، لا توجد بيانات أو آليات رسمية تتناول تحديداً احتياجات النساء المعتقلات سابقاً.

بالنسبة للناجيات، فإن عمل إعادة البناء يجب أن يكون مستمراً وأن يكون أكثر من مجرد مبادرات رمزية. وشدّد عرفات على أهمية الدعم المنظّم، قائلاً: “تحتاج النساء إلى تعويضات، وظائف، ومساحات متخصصة للدعم النفسي”، محذراً: “من دون دعم، قد تصبح الناجيات معدمات. الدعم الاقتصادي ضروري وهو مسؤولية حكومية. يجب أن يكون التعويض مادياً ورمزياً، أي جبر ضرر فعلي، واعتراف معنوي وعاطفي”.

وقالت الحاج من رابطة “ناجيات”: “على الحكومة أن تعترف بأن ما نعيشه اليوم هو نتيجة تضحيات جميع السوريين، وخاصة النساء”. وعليه، “يجب أن تعترف بالانتهاكات التي ارتُكبت بحق النساء في السجون، وأن تضمن للناجيات دوراً فاعلاً في الدفاع عن حقوقهن ضمن مسارات العدالة الانتقالية”.

وأضافت: “تقع على عاتق الحكومة مسؤولية المحاسبة الحقيقية للمجرمين من جميع الأطراف. لقد أدّى الوضع الأمني في سوريا، مع تجوّل المجرمين بحرية وبعضهم أصبح جزءاً من الحكومة، إلى خلق خوف لدى العديد من الناجيات… لا يمكن إنكار أن معظم من هم في السلطة اليوم هم في الغالب من المتورطين”.

أما بالنسبة لنورا، فلا يبقى سوى شكل واحد من العدالة تؤمن به، قائلة في ختام حديثها: “أريد أن يُحاكَموا جميعهم لأنهم كانوا قساة معنا. لكن حتى لو حوكموا، فلن يكون ذلك كافياً، ولن يعيد العدالة التي فقدناها”، ولذلك “أنا أؤمن بالعدالة السماوية فقط، فهي العدالة الوحيدة التي قد تُرضيني، أما العدالة الأرضية لن تعوّضنا مطلقاً عمّا مررنا به”.

شارك هذا المقال