نبش الحقيقة: كيف تواجه سوريا ملف المقابر الجماعية والمفقودين؟
مع اكتشاف عشرات المقابر الجماعية بعد سقوط نظام الأسد، يواجه السوريون مهمة شاقة تتمثل في تحديد هوية الضحايا ووضع حدّ لمعاناة عائلات المفقودين، الذين يتجاوز عددهم 160 ألف شخص.
16 ديسمبر 2025
دمشق- تنبض شوارع حي التضامن، جنوب دمشق، بالحياة، حيث يساوم الناس بائعي الخضار، ويعود الأطفال من مدارسهم سيراً على الأقدام في شوارع مغبرة. في المكان مبانٍ مدمرة تطل على زقاق ضيق يقود إلى قطعة أرض خالية.
كان هذا الزقاق مسرحاً لـ”مجزرة التضامن“، التي قتل فيها 288 مدنياً على يد ميليشيات موالية لنظام الأسد البائد، في نيسان/ أبريل 2013. وقد سُرّبت مقاطع مصوّرة لعمليات القتل، صوّرها الجناة أنفسهم، إلى باحثين بعد عدة سنوات، قبل أن تُنشر في وسائل الإعلام عام 2022.
وتُظهر المقاطع المصورّة رجالاً ونساءً معصوبي الأعين، يُجبرون على الركض نحو حفرة في الشارع، أو يُلقون داخلها ويُطلق عليهم الرصاص، قبل أن تُحرق جثثهم لاحقاً وتُدفن.
وعلى مدار العام الذي تلا سقوط نظام الأسد، تم العثور على ما لا يقل عن 66 مقبرة جماعية في أنحاء سوريا، بما في ذلك مقابر اكتشفت حديثاً في في ريف دمشق وشمال حمص وحماة. قد تحمل كل واحدة منها إجابات بشأن مصير بعضٍ من أصل أكثر من 160 ألف شخص لا يزالون في عداد المفقودين.
يُعدّ تحديد هوية الضحايا، وتقديم إجابات واضحة لذويهم، أحد أحد أكبر التحديات التي تواجه الإدارة السورية الجديدة، كما يشكّل ذلك مطلباً محورياً لآلاف العائلات التي لا تزال تبحث عن أحبّائها الذين فُقدوا خلال حقبة حكم الأسد.

رجل يحمل عظمة عُثر عليها في حيّ التضامن بدمشق، موقع المجزرة التي وقعت عام 2013 على يد عناصر من ميليشيات قوات الدفاع الوطني، التابعة للنظام السابق، 20/ 12/ 2024، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
“كأن الأمر لا يعني شيئاً”
كان حيّ التضامن في وقتٍ سابق خطَّ تماس، و”النقطة الأخيرة” التي تمركزت فيها قوات الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد في مواجهة مقاتلي المعارضة في منطقة مجاورة، كما أوضح أبو يزن، وهو صاحب محل في الحي.
وقال مستذكراً: “كانت تحدث أحياناً اشتباكات هنا”، لافتاً إلى أن القوات الموالية للنظام كانت تُثير خوفاً شديداً في الحي، ومعروفة بأنها “تقتل الناس كأن الأمر لا يعني شيئاً”.
فرّ أبو يزن وعائلته من التضامن إلى منطقة أكثر أماناً عام 2012، ولم يكن موجوداً وقت وقوع مجزرة عام 2013، التي حدثت على بُعد مئات الأمتار من محله. وفي عام 2018، قرر العودة إلى الحي.
وبعد نحو عامين من عودته، أي بين 2020 و2021، “جاء أطباء شرعيون برفقة دوريات من فروع [الأمن]، أخذوا [رفات] من سطح الأرض، وليس من الحفر”، ووضعوا العظام “في أكياس وأخذوها معهم”، بحسب أبو يزن.
“كنا شهوداً على ذلك بأنفسنا، لم نسمع ذلك من أحد”، قال أبو يزن، وأكد روايته أحد سكان حي التضامن.
في الفترة نفسها تقريباً، كان نظام الأسد ينقل سرّاً عشرات آلاف الجثث من موقع مقبرة جماعية معروفة قرب القطيفة، وهي بلدة تقع شرق دمشق، إلى موقع جديد في الضمير على بُعد عشرات الكيلومترات. وقد تزامنت إعادة الدفن، وكذلك عمليات التنظيف التي وصفها أبو يزن في حيّ التضامن، مع جهود متجددة بذلها النظام لإعادة بناء موقعه على الساحة الدولية.
ومع ذلك، وبعد سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، ظلّ هذا الجزء من حيّ التضامن مغطّى ببقايا عظام بشرية، بينها فقرات منفردة وأجزاء من جماجم بشرية. وقد تراجع عدد الرفات البشرية التي يُعثر عليها بشكل كبير خلال العام الذي تلا ذلك، ويُرجّح أن يكون ذلك نتيجة جمعها ضمن الجهود الجارية لتحديد هوية الضحايا.
“مهمة شاقة”
في آذار/ مارس 2025، أنشأت الحكومة السورية الجديدة مركز تحديد الهوية السوري، وهو أول هيئة من نوعها في البلاد تُعنى بالفحص الجنائي لرفات مجهولي الهوية.
من الخارج، لا يمكن تمييز مبنى المركز عن المباني المحيطة به في حيّ البرامكة بدمشق، لكن داخل غرفه العديدة، وعلى طاولات مغطّاة بالغبار، تجري مهام معقدة.
وشرح الدكتور أنس الحوراني، اختصاصي طب الأسنان الشرعي ورئيس مركز التعرّف على الهوية السوري، لـ”سوريا على طول” كيف يتلقى العاملون في المركز بشكل منتظم اتصالات لانتشال رفات بهدف التعرّف عليها.
وقال: “نتلقى بلاغات عن حالات فردية يُعثر عليها في مواقع مختلفة، قد تكون في أراضٍ زراعية، أو في أقبية مبانٍ سكنية، أو فوق سطح الأرض”، كما أن المركز استلم عدة مجموعات من الرفات من حيّ التضامن.
من جهتها، قالت زينة شهلا، المتحدثة باسم الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، إن “عشرات” المواقع التي تحتوي على رفات بشرية تم العثور عليها خلال نحو ستة أشهر منذ تأسيس الهيئة الحكومية في أيار/ مايو 2025.
وأضافت في حديثها لـ”سوريا على طول”: “نحاول الحفاظ على هذه المواقع وحمايتها، وكذلك نقل الرفات إلى مركز تحديد الهوية للحصول على نتائج أولية”. المهمة الملقاة على عاتقهم شاقة للغاية.
وقال الدكتور أنس الحوراني، رئيس مركز تحديد الهوية السوري، موضحاً: “عندما تتضمن أساليب دفن الأشخاص الذين قُتلوا تكديس الجثث فوق بعضها، وتختلط العظام بعد تحلّل الأنسجة، يصبح من الضروري أخذ عيّنة من كل جزء عظمي”، لافتاً إلى أن “هذه مهمة شاقة، من حيث الوقت والتكلفة على حدّ سواء”.
وشدّد المركز السوري للعدالة والمساءلة، وهو منظمة حقوقية تُعنى بملف المساءلة، على أن مواقع الدفن المشتبه بها لا ينبغي العبث بها إلى أن تتوافر الموارد الكافية للتعامل مع الرفات على نحو سليم.
وقال المركز لـ”سوريا على طول”: “طالما أن مواقع القبور مؤمّنة، فمن الأفضل عدم نبش الرفات، لأنك إذا لم تكن تملك القدرة على تحليلها وتخزينها بشكل آمن، واستخراج عينات عظمية تتيح إنشاء ملف وراثي، فإنك بذلك تُعرّضها لخطر التضرّر”.
في حالات الرفات غير المدفونة أو المدفونة جزئياً و”الظاهرة على سطح الأرض”، ينبغي “انتشالها وحمايتها، وإلا فإنها تكون عرضة للتلف، سواء بفعل الحيوانات، أو العوامل الطبيعية، أو البشر”، كما أضاف المركز.

غبار ناتج عن فحص حديث يغطّي طاولة داخل غرفة التحليل الأولي في مركز تحديد الهوية السوري بدمشق، 27/ 11/ 2025، (أناغا سوباش ناير/ سوريا على طول)
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وقّعت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا اتفاقية تعاون مع اللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، والمؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا التابعة للأمم المتحدة.
وتعمل الهيئة حالياً على إعداد قاعدة بيانات وطنية للمفقودين في سوريا، استناداً إلى المعلومات التي تقدّمها العائلات عن أحبّائها، بحسب شهلا، مضيفة: “نأخذ معلومات عن الشخص وخصائصه، كل ما يمكن استخدامه للتعرّف عليه، بما في ذلك مكان فقدانه، وأي معلومات متاحة عنه بعد احتجازه”.
وتتراوح التقديرات لعدد المفقودين في سوريا بين أكثر من 160 ألف شخص منذ عام 2011، وما يصل إلى 300 ألف شخص على مدى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، وتشمل هذه الأرقام أيضاً مواطنين أجانب.
وأكد المركز السوري للعدالة والمساءلة أهمية جمع بيانات ما قبل الوفاة – أي المعلومات المتعلقة بأجساد الأفراد ومظاهرهم حين كانوا على قيد الحياة، مثل الوشوم، والكسور، أو علاجات الأسنان – لما لذلك من دور في تسهيل عملية التعرّف على الهوية.
وأوضح المركز أن ذلك “يساعد لاحقاً في عملية التحليل الجنائي، عندما يكون لديك في النهاية هيكل عظمي، أو مجموعة من الأجزاء العظمية، تحاول إعادة تركيبها”.
من جانبه، قال الدكتور أنس الحوراني إن النقص في الخبراء الشرعيين قيّد جهود التعرّف على الهوية حتى الآن، ومنع افتتاح فروع إضافية لمركز تحديد الهوية السوري. ويضمّ المركز حالياً فرعين في حلب والسويداء، إلى جانب مقرّه الرئيسي في دمشق.
وأشار الحوراني إلى أنه “كان هناك عزوف عن دخول هذا التخصص في الماضي، كونه بعيداً عن العمل اليومي للأطباء وأطباء الأسنان”، لكن “إذا ازداد عدد الطلاب الملتحقين بهذا التخصص وتخرّج عدد أكبر من الأطباء مستقبلاً، فقد نفتح فروعاً في محافظات أخرى”.
“هذا كلّ ما أتمناه”
بالنسبة لعائلات المفقودين، إن العثور على أحبّائهم والتعرّف على هوياتهم مسألة تتعلق بمعرفة المصير ووضع حدٍّ لسنوات من الانتظار، وهو ما ظلّ بعيد المنال بالنسبة لبسام ناصر علي، 49 عاماً، طوال 12 عاماً من بحثه عن شقيقيه.

بسام ناصر علي، 49 عاماً، يتحدث في منزله بمنطقة السيدة زينب، وهي بلدة تقع جنوب دمشق، 14/ 11/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
في عام 2013، أقدمت قوات الأمن السورية على اقتياد شقيقه أحمد سليمان علي، وكان يبلغ حينها 17 عاماً، من منزل العائلة في السيدة زينب، البلدة الواقعة جنوب دمشق. وفي ذلك الوقت، كانت المنطقة خاضعة إلى حدٍّ كبير لسيطرة ميليشيات شيعية موالية للأسد، تضمّ مقاتلين من دول بينها اليمن والعراق وإيران، إضافة إلى باكستان وأفغانستان.
عند اعتقاله، كان أحمد في الثانوية العامة، ولم يشارك يوماً في القتال مع المعارضة ضد نظام الأسد، بينما شقيقه الآخر عصام ناصر علي، قاتل في صفوف قوات المعارضة بمخيم اليرموك، جنوب دمشق، قبل أن يختفي عام 2018، وكان يبلغ حينها 23 عاماً، بعد اعتقاله على حاجز تابع للنظام في قرية خربة الورد، كما قال بسام.
وسعى والد الشقيقين المفقودين، ناصر محمود علي، إلى البحث عنهما عبر مراجعة عدة أفرع أمنية، من بينها الفرع 235 التابع لإدارة المخابرات العسكرية، المعروف باسم فرع فلسطين، لكن دون جدوى.
وفي عام 2015، أبلغ قاضٍ عسكري الوالد بأن جثمان أحمد موجود في مستشفى دمشق، لكنه لم يستطع المخاطرة بالذهاب لاستلام الجثمان والتأكّد من أنه يعود لابنه. وقال بسام: “قلنا له ألا يغادر [منطقتنا]، لأن من يدخل إلى مؤسسات [الدولة] لا يخرج”، مضيفاً: “لم نكن نعرف إن كان الأمر فخاً”.
وبسبب عدم مشاهدة العائلة للجثمانين، وعدم تصديقها للمعلومات التي قُدّمت لها، واصلت البحث عن الشقيقين.

الوجه الخلفي لطلبٍ خطيٍّ للاستعلام عن مصير أحمد سليمان علي، كان والده، ناصر محمود علي، قد قدّمه إلى عدة أفرع أمنية أثناء بحثه عن أبنائه، 14/ 11/ 2025، (أناغا سوباش ناير / سوريا على طول)
وأثناء حديث علي، دخل والده وهو يحمل ورقةً بالية قليلاً وممزّقة الأطراف، تبدو عليها آثار الأيدي الكثيرة التي تداولتها، وهي “ضبط مفقود” كان قد تقدّم به عام 2017. ويغطي ظهر الوثيقة عدد كبير من الأختام العائدة لأفرع أمنية مختلفة كان قد راجعها خلال بحثه العقيم. وفي كل مرة، كان يُبلَّغ بأن ابنيه غير موجودين هناك، وأن عليه العودة لاحقاً.
وقال أحد أقارب العائلة: “كل ختم هو من فرع أمني، ولكل ختم كنا ندفع مبلغاً مالياً”.
تعتقد العائلة أن جميع أقاربها الذين اعتقلوا قد توفّوا، بمن فيهم شقيقا علي. ومع ذلك، فإن العثور عليهم قد يمنحها قدراً من السكينة. وقال علي: “أتمنى أن نعثر على رفاتهم. حتى لو استطعنا فقط وضعهم في كيس، فهذا كل ما أتمناه”.
وبالنسبة للدكتور أنس الحوراني، فإن العمل المضني لتحديد هوية الرفات، وتقديم إجابات لعائلات المفقودين هو “واجب إنساني” أكثر من كونه مهنة، قائلاً: “رغم كل الضغوط النفسية والمادية والجسدية، تخيّل فقط فرحة عائلة تعثر أخيراً على [رفات] ابنها”.
وأضاف: “عندما يُعثر على هذا الشخص، تُستكمل إجراءات الدفن بشكل صحيح، ويتمكّن أهله من قراءة الفاتحة واستكمال الإجراءات القانونية الرسمية”، وبذلك يصلون إلى “بداية نهاية حزنهم”.
