6 دقائق قراءة

“نحن ورقة ضغط”: كيف تحول طلبة السويداء إلى رهائن في الصراع مع دمشق

مع اقتراب موعد امتحانات شهادة الثانوية العامة يعود "شبح عدم الاعتراف" ليطارد طلاب السويداء الذين تحولوا إلى "ورقة ضغط" وسط حالة الاستعصاء التي تعيشها المحافظة


25 أبريل 2026

باريس- اعتصم العشرات من طلبة محافظة السويداء، الحاصلين على شهادة الثانوية العامة العام الماضي، في “ساحة الكرامة” وسط المدينة، يوم الخميس، مطالبين المجتمع الدولي بالضغط على الحكومة السورية للاعتراف بشهاداتهم، التي حصلوا عليها بعد تقديم امتحانات استثنائية نظمتها مديرية التربية والتعليم في المحافظة دون تنسيق أو إشراف مع وزارة التربية والتعليم السورية، ما دفع الأخيرة إلى رفض الاعتراف بها.

ومنعاً لتكرار المشكلة هذا العام، اجتمعت لجنة خاصة بامتحانات الشهادة الثانوية العامة تابعة لمديرية التربية والتعليم في محافظة السويداء مع مسؤولين في وزارة التربية السورية في العاصمة دمشق، في 21 نيسان/ أبريل الحالي، لبحث إمكانية إجراء امتحانات الشهادة الثانوية هذا العام داخل السويداء والاعتراف بالشهادات.

وجاءت هذه الخطوة في إطار سلسلة من الخطوات التي تحاول إنهاء حالة الاستعصاء التي تعيشها محافظة السويداء والقطيعة مع دمشق، منذ أحداث تموز/ يوليو الماضي، التي أودت بحياة أكثر من 1700 شخص، غالبيتهم من الدروز وعشرات من البدو، بحسب تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، بالإضافة إلى نزوح نحو مئتي ألف شخص من بيوتهم.

لكن الوزارة اشترطت أن تجري الامتحانات تحت إشرافها المباشر، والسماح لمندوبي الوزارة بالإشراف الكامل على العملية الامتحانية داخل المحافظة، وقد وافقت مديرية تربية السويداء على ذلك، كما ذكرت وسائل إعلام محلية. 

من جانبه، خرج الشيخ الهجري بتسجيل مصور، نشر أمس الأربعاء، قال فيه أن “شهادات العام 2025 سيأتي الاعتراف بها أممياً”، معتبراً أن أي مقترحات من قبل حكومة دمشق لنقل مراكز الامتحان خارج السويداء “القصد منها الذل”، مؤكداً أن الامتحانات هذا العام ستكون في السويداء، دون أن يشير إلى موقفه من طلب الوزارة السماح لمندوبيها بالإشراف على امتحانات السويداء.

تحول ملف التعليم في السويداء، كما هو حال ملفات أخرى مثل الملف الإنساني، إلى ورقة سياسية بين الحكومة السورية ورئيس الطائفة الروحية للموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، الذي يقود حالة الاستعصاء بالمحافظة.

إذ عقدت مديرة التربية السابقة ليلى جهجاه امتحانات الشهادة الثانوية، العام الماضي، دون موافقة وزارة التربية وإشرافها، فيما منعت فصائل السويداء التابعة للهجري الطلبة من الالتحاق بجامعاتهم خارج السويداء. وكذلك رُفض قرار وزارة التربية الخاص بتعيين مدير تربية جديد، وتم الاعتداء عليه وإجباره على تقديم استقالته.

ومع اقتراب موعد الامتحانات لهذا العام، يخشى آلاف الطلبة في السويداء من تكرار سيناريو العام الماضي، بأن ترفض وزارة التربية الاعتراف بشهاداتهم في حال قررت المديرية في السويداء المضي بالنهج الذي اتبعته العام الماضي، وهو ما دفع بعض الطلبة إلى الخروج من السويداء لاستكمال تعليمهم في دمشق وريفها.

قال قتيبة عزام، مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء: “إن ميليشيا مسلحة [في إشارة إلى الحرس الوطني الذي يتبع للشيخ الهجري] تتحكم بقرار المؤسسات الحكومية، وتمنعها من أي عملية تواصل وتعاون مع الحكومة السورية، ولا تفكر بمصير آلاف الطلاب”.

وأشار في حديثه لـ”سوريا على طول”، إلى “وجود موافقة مبدئية لدخول وفد وزاري إلى السويداء للإشراف على العملية الامتحانية”.

البحث عن مقعد امتحاني

قبل أسابيع، خرج طارق عامر (اسم مستعار) من السويداء قاصداً جرمانا بريف دمشق، لحجز مقعد امتحاني له فيها، سعياً للحصول على شهادة معترف بها، كما أوضح لـ”سوريا على طول”، لافتاً إلى أن عدداً من أصدقائه حذوا حذوه.

لم يتمكن عامر من تقديم امتحانات الثانوية العامة، العام الماضي، التي تزامنت مع أحداث تموز/ يوليو، لكنه اجتاز الامتحانات الاستثنائية التي نظمتها مديرية التربية في السويداء بمعزل عن وزارة التربية في دمشق، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وبالتالي حصل على شهادة غير معترف بها من وزارة التربية والتعليم السورية، وهو واحد من أصل نحو ستة آلاف طالب تقدموا لهذه الامتحانات.

وقال عامر: “تأملنا أن يتم الاعتراف بنتائج امتحانات العام الماضي حتى لا يضيع مستقبلنا”، لكن عدم الاعتراف كان صادماُ للطلبة، خاصة أن كثير منهم “لا يستطيعون الانتقال إلى دمشق وتقديم الامتحانات فيها بسبب الظروف المادية السيئة أو التخوفات الأمنية”.

لا توجد أرقام دقيقة عن عدد الطلبة الذين غادروا السويداء لتقديم امتحانات الثانوية في جرمانا وصحنايا بريف دمشق، وهما منطقتين تتجمع فيهما أعداد كبيرة من أبناء الطائفة الدرزية. قال عامر: “أتوقع أن يتجاوز العدد مئتي طالب”، مضيفاً: “خرجنا رغم التهديدات وحملات التخوين لنا ولعائلاتنا، لأنه لم يعد لدينا خيار آخر، ولا نريد أن نخسر مستقبلنا من أجل أي جهة”.

لم يخبر عامر أحداً بخروجه إلى دمشق، باستثناء عائلته الصغيرة، وعند مروره على الحواجز العسكرية التابعة للحرس الوطني في السويداء، لم يفصح عن السبب، خشية أن يتم منعه كما حدث مع طلبة آخرين مطلع الشهر الحالي، قائلاً: “لو أخبرتهم عن السبب لن يسمحوا لي بالخروج ما سيؤدي إلى ضياع مستقبلي”، وأضاف: “يريدون استخدامنا كورقة ضغط”.

“نحن ورقة ضغط”

اجتازت نورا زين الدين (اسم مستعار) الامتحانات الاستثنائية للثانوية العامة – الفرع العلمي، وحصلت على 227 من 240 درجة، وبعد عدم الاعتراف بالشهادات الصادرة عن مديرية السويداء، بحثت عن خيارات بديلة لمواصلة تعليمها، ومن ذلك: جامعات عن بعد (أونلاين) خارج سوريا، لا تشترط وجود شهادة ثانوية عامة معترف بها رسمياً.

وقالت زين الدين لـ”سوريا على طول” شريطة عدم كشف هويتها لأسباب أمنية: “فكرت في إعادة الامتحان هذا العام، لكن خشيت أن يتكرر الأمر ولا تعترف الوزارة مرة أخرى بالنتائج”، لذا “قررت الانتظار إلى حين اعتراف الوزارة بالشهادات أو الاتفاق على إجراء امتحانات رسمية هذا العام”.

وأضافت: “ما حدث معنا سيء، وفقدنا الأمل، وكثير من الطلاب يمرون بحالة نفسية صعبة بسبب الخوف من عدم الاعتراف بتعبهم وشهاداتهم”، متمنية “ألا تتحمل دفعة جديدة من الطلبة وزر أشياء ليس لهم علاقة بها”.

واعتبرت زين الدين أن “الحل لا يكون بإعادة الامتحانات للحصول على شهادة، وإنما اعتراف الوزارة بشهاداتنا وتساعدنا حتى لا نبقى وقتاً أكثر بعيدين عن دراستنا”.

وبينما رفضت زين الدين إعادة الامتحانات، يستعد وسام سامر (اسم مستعار) لتقديم الامتحانات للمرة الثانية في السويداء، على آمل أن يتم تسوية الخلاف بين المديرية والوزارة وأن تعترف الأخيرة بامتحانات العام الحالي.

“نحن ورقة ضغط نُستخدم من جميع الأطراف”، قال سامر لـ”سوريا على طول”، معتبراً أن “عدم إشراف الوزارة على الامتحانات هي ذريعة لعدم الاعتراف”، لذا فإن الحل “السماح بدخول لجان وزارية وقبول الأسئلة الوزارية”. 

كذلك، يستعد مهند عمران (اسم مستعار) لتقديم امتحانات هذا العام في السويداء، ولا يخفي خشيته من تكرار ما حدث العام الماضي، لذا يترقب بفارغ الصبر توصل الوزارة والمديرية في السويداء إلى اتفاق يقضي بـ”إرسال وفود لمراقبة العملية الامتحانية، والاعتراف بالامتحانات القادمة”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

لم يستطع عمران الانتقال إلى خارج السويداء أسوة بالعديد من الطلبة الذين خرجوا إلى جرمانا، “لأن هذا الخيار لا يناسب جميع الطلبة لما يترتب عليه من أعباء مادية ومخاطر أمنية”، وفقاً له.

“ضياع سنة دراسية هو سيناريو سيء بالنسبة لي، لكن الأسوأ عدم اعتراف الوزارة بالشهادة”، قال عمران، مضيفاً: “لدى كل طالب آمل أن يتم التوصل إلى صيغة أو تسوية ما للاعتراف بالشهادة”.

واعتبر عمران أن وزارة التربية والتعليم هي “الجهة الوحيدة التي يمكن الوثوق بها، لأنها تعلم مدى أهمية هذه المرحلة بالنسبة للطلاب ولذويهم، وهي التي تستطيع فصل ملف الطلبة ومستقبلهم عن التجاذبات السياسية وأي نوع من أنواع الصراع”.

وتساءل عمران مستنكراً: “الطلبة الذين ذهبوا إلى دمشق لم يتعرضوا لأي أذى، فلماذا يمنعنا [الحرس الوطني] من الذهاب لتقديم الامتحانات في دمشق ولا يسمحون لمراقبين من الوزارة الإشراف على الامتحانات”.

وأضاف: “البعض يقول بأن السماح بدخول وفد من الوزارة إلى السويداء هو اعتراف من أهالي السويداء بشرعية الحكومة الحالية، لذا لن يسمحوا بدخول الوفد”، وهذا يعني “أننا أصبحنا أداة ضغط على الحكومة وورقة لتحقيق مكاسب سياسية!”.

أزمة بين الوزارة ومديريّتها!

خلال الأشهر الماضية تعقّدت العلاقة بين وزارة التربية في دمشق ومديرتها في السويداء، إلى أن وصلت حدّ استقلال المديرية عن الوزارة وعقد امتحانات الثانوية العامة الماضية دون إشراف الوزارة أو موافقتها، إضافة إلى مشاكل أخرى تتعلق بصرف الرواتب.

وقال قتيبة عزام، مدير العلاقات الإعلامية في السويداء: “إن وزارة التربية السورية قدمت الكثير من التسهيلات والاستثناءات لمحافظة السويداء، لكن بالمقابل لم يكن هناك تجاوب من قبل مديرية التربية بسبب سيطرة مقربين من الهجري على قرارها”، مؤكداً أن “شرط دخول وفد وزاري إلى السويداء للإشراف على العملية الامتحانية العام الماضي قوبل بالرفض من مديرية التربية وما يسمى اللجنة القانونية”.

وأوضح عزام أن “الدولة قدمت تسهيلات واستثناءات، منها الاعتراف بامتحانات جميع المراحل الدراسية عدا الشهادة الإعدادية والثانوية”.

وحذّر عزام أنه في حال قررت مديرية تربية السويداء المضي مرة أخرى بإجراء امتحانات على غرار العام الماضي “لن تعترف الوزارة بها، لأن إجراء العملية الامتحانية دون إشراف وزاري والتنسيق مع وزارة التربية عملية غير قانونية”.

من وجهة معلم فيزياء في إحدى مدارس السويداء، فإن “جوهر الأزمة أن هذه السلطة لا تحقق ألف باء معنى الدولة، إذ بعد المجازر [أحداث تموز الدامية] قطعت الخدمات عن المحافظة، فهي لم تعد تلبي حاجات المواطن، وصارت تحارب جميع المعلمين برواتبهم والطلاب بتعليمهم”.

وأضاف المدرس: “الدولة معنية بحل الاستعصاء مع المحافظة، وكونها سلطة يجب أن تمارس دورها الحقيقي وأن تعترف بالمجازر وتقدّم اعتذاراً عليها، وتلتزم بمحاسبة كل المتورطين وخاصة من السلطة”.

من جهتها، حمّملت معلمة تعمل في إحدى مدارس ريف السويداء الشرقي، مديرة التربية السابقة مسؤولية ملف التعليم في السويداء، قائلة في حديثها لـ”سوريا على طول”: “أثبت [المديرة] فشلها بشكل كبير في قطاع التعليم، ولا نرى شيئاً إيجابياً في إدارتها، ودائماً ما تقدم الوعود”، وأضافت: “فشلت في الحصول على اعتراف بشهادات الثانوية، وفشلت في تحصيل مستحقات المدرسين”.

وطالبت المعلمة الدولة السورية بـ”ضرورة الاعتراف بامتحانات البكالوريا في السويداء حتى لا يضيع مستقبل دفعة كاملة ليس لها ذنب أو دخل بالأمور السياسية”، وتداعيات هذه الأزمة لا ينعكس على الطلبة فقط وإنما على الكوادر التعليمية، خاصة أن “قطاع التربية هو أكبر قطاع بعدد الموظفين في السويداء” وفقاً لها.

شارك هذا المقال