11 دقائق قراءة

نزع ملكية مقنّع: جوبر والقابون بين التنظيم العمراني وضياع الحقوق

لا تكمن الإشكالية القانونية في مشاريع إعادة تنظيم أحياء شرق دمشق (جوبر والقابون) في مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل في مدى احترم جوهر حق الملكية


15 أبريل 2026

باريس- مع “غياب الشفافية” من قبل الحكومة السورية في ملف إعادة إعمار المناطق المدمرة وتعويض أصحابها، يتلاشى أمل أبو بلال تدريجياً بالحصول على فرصة لإعادة بناء منزله المدمّر في حي جوبر الدمشقي.

وبينما يترقب أبو بلال وأمثاله قرارات حكومية تعوّض شيئاً من خسارتهم المادية، تطرح محافظة دمشق عروضاً لإعادة إعمار المنطقة وتحويلها إلى مشاريع استثمارية، وهو ما يعتبره عدد من الأهالي الذين تحدثوا لـ”سوريا على طول” بأنها “سرقة” لملكياتهم.

قبل أحد عشر عاماً ترك الرجل الخمسيني أبو بلال وعائلته منزلهم، الذي دُمّر كلياً في وقت لاحق جراء قصف قوات نظام الأسد البائد، واستقروا في حي برزة الدمشقي المجاور للقابون، ومن ذلك الحين ينفق نصف راتبه الشهري تقريباً على إيجار المنزل.

“بعد سقوط النظام استبشرنا خيراً بأن معاناتنا في النزوح ودفع إيجارات مرتفعة سوف تنتهي قريباً، وأن أحياءنا المدمرة سوف يتم إعمارها ونعود إليها، لكن يبدو أن ذلك مجرد حلم”، قال أبو بلال لـ”سوريا على طول”.

بينما كان أصحاب العقارات في أحياء شرق دمشق المدمرة (جوبر والقابون وتشرين) ينتظرون أن تنتهي معاناتهم بالعودة إلى منازلهم مع انتهاء الحرب وسقوط الأسد، فإنهم يخشون اليوم فقدان ملكياتهم العقارية، وأن يتحول ملف إعادة الإعمار إلى آلية قانونية وإدارية تقصيهم تدريجياً عن أحيائهم أو تقلّص حقوقهم تحت ذريعة التنظيم والتطوير.

في منتصف آذار/ مارس الماضي، عقد محافظ دمشق، ماهر مروان، اجتماعات مع عدد من أهالي أحياء شرق دمشق المدمرة، وأعلن خلال الاجتماع عن مشروع استثماري عقاري بقيمة تصل إلى 21 مليار دولار أميركي، ستنفذه شركات عربية وأجنبية على مساحة 1100 هكتار. وبحسب المحافظة، يحصل مالكو العقارات في الأحياء الثلاثة على تعويض نسبته 50 بالمئة من مساحة الأرض للعقارات السكنية، و30 بالمئة للأراضي الزراعية (المخالفات)، أي إن صاحب العقار يحصل على سكن بديل يعادل نصف مساحة ملكيته العقارية و30 بالمئة للأراضي الزراعية أو المباني المبنية عليها.

وأثارت العروض التي قدمتها المحافظة موجة غضب واسعة لدى السكان، واصفين المشروع بأنه “سرقة ونهب” لأملاكهم، وأنه لا يختلف عن القوانين والمراسيم التي أصدرها النظام البائد، وتسبّبت بفقدان الكثير من السوريين ملكياتهم العقارية، مثل المرسوم 66 والقانون رقم 10.

وعلى إثر ذلك، أصدر سكان وحقوقيون من أبناء حي القابون بياناً حددوا فيه “خطوطاً حمراء” أمام مقترحات محافظة دمشق والمشاريع الاستثمارية التي وصفوها بأنها تهدف إلى “التهجير القسري بصبغة إدارية”، مطالبين في بيانهم بـ”إعادة إعمار عادل يحفظ الأرض والكرامة”، واحترام حقوق الملكية الخاصة.

وبينما يشعر أهالي أحياء دمشق المدمرة أن المحافظة تقف ضدهم، قال المحافظ في جلسة حوارية أنه لن يخالف المجتمع المحلي، ومبيناً أن من الخيارات المطروحة المنح والقروض، إضافة إلى الاستثمار، ولكن بالنسبة للمنح “لا يوجد هناك شيء حقيقي مثبت على أرض الواقع”، وحتى إن وصلت المنح “هل ستوزع لجوبر والقابون فقط أم نسبة وتناسب لكل سوريا التي غالبيتها مدمرة؟”، أما القروض فقد منعتها الدولة، بحسب تصريحه.

قال المهندس مظهر شربجي، خبير حوكمة ورئيس بلدية داريا السابق: “تكمن المشكلة الأساسية في تعاطي المسؤولين الحكوميين مع ملف إعادة الإعمار”، كما أن بعض المسؤولين “ينقلون الأفكار الأولية للمخططات التنظيمية أو الوعود الاستثمارية إلى الشارع على أنها استثمارات فعلية، وهذا أمر خطير”.

وأضاف شربجي لـ”سوريا على طول”: “يجب أن تعيد أي عملية إعادة إعمار للناس حقوقها كاملة وفق العدالة الانتقالية وجبر الضرر، فمن كانت حصته 150 متراً، يجب أن تعود له 150 متراً كاملاً”، مشيراً إلى أنه “يمكن أن تجد المحافظة حلولاً لأجل ذلك مثل الارتفاع الطابقي وتوسيع المخطط التنظيمي لحل الإشكاليات المتعلقة بالتعويض”.

قانونياً، “لا يُقاس الأمر بمسمى تنظيم عمراني بل الأثر الفعلي على حقوق المالك”، قال المحامي سليمان القرفان، عضو مجلس نقابة المحامين في سوريا، معتبراً أن “المقترحات تمس جوهر حق الملكية عندما تؤدي إلى: حرمان المالك من السيطرة الفعلية على ملكه، مثل: التصرف، الاستعمال، الاستغلال، أو تغيير جوهري في طبيعة الحق من قبيل تحويل الملكية من عقار محدد إلى سهم غير محدد، أو تأخير طويل أو غير محدد في الانتفاع أو تعويض غير عادل أو غير مكافئ للقيمة السوقية”.

تسجيل مصور حصلت عليه “سوريا على طول” من حي القابون بدمشق يظهر آثار الدمار الكبير الذي لحق بالحي وكيف سويت المنازل بالأرض.

العودة إلى الركام

تملك عائلة أبو قاسم رضا (اسم مستعار)، أرضاً عقارية (ضمن المخطط التنظيمي) مساحتها 24 قصبة (أي قرابة 567 متراً مربعاً) في حي جوبر الدمشقي، تعود ملكيتها لوالد أبو قاسم وإخوته، ولدى العائلة سند “طابو أخضر” يثبت ملكيتهم للأرض، التي كانت قبل الثورة السورية عبارة عن بناء مكوّن من ثلاثة طوابق ومحلات تجارية، لكنها دُمّرت كلياً خلال سنوات الحرب.

“لم يبقَ من البناء شيء، وبالتالي لا حلّ إلا بإعادة إنشاء بناء طابقي، بحيث يحصل جميع أفراد العائلة على شقق سكنية”، قال رضا لـ”سوريا على طول” شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، مشيراً إلى أنهم حاولوا الحصول على ترخيص من أجل بناء العقار، لكنهم لم يحصلوا عليه “لأن الحكومة تمنع عمليات إعادة الإعمار ولا تعطي التراخيص في جوبر”.  

رضا وجميع المصادر من أحياء دمشق الشرقية، الذين تحدثوا لـ”سوريا على طول” يرفضون اقتراح محافظة دمشق، الذي يقضي تعويض 50 بالمئة للأراضي العقارية و30 بالمئة للأراضي الزراعية (المخالفات)، معتبرين أن هذه النسبة تختزل حق المالك في مساحة الأرض الأصلية، وتنقل حق الاستفادة من “التعلية أو الحقوق الهوائية للعقار” إلى المستثمرين.

وقال رضا مستنكراً: “هذه الاقتراحات أشبه بعملية نصب وسلب أملاكنا، فإذا كانت حصتي من العقار 100 متر مربع، فالمحافظة تقدم لي النصف أو الثلث، ويجب أن أشتري الجزء المتبقي من المساحة الأصلية، بينما هم والمستثمرين سوف يحصلون على السقف والهوا [حق التعلية أو ما يعرف بالمساحة الهوائية]، ويستطيعون بناء طوابق وأبراج عالية”.

لذا الحل بالنسبة لرضا: “العودة إلى ركام بيوتنا، وأن يعمّر كل واحد أرضه وفق ما يراه مناسباً”، مضيفاً: “نستطيع التعاقد مع مستثمرين لبناء الأرض، وأن نحصل على نسبة أعلى من النسب التي حددتها المحافظة، فالنسب المتعارف عليها محلياً أعلى، وكل ذلك يتم وفق المخططات التنظيمية التي تحددها المحافظة”.

على سبيل المثال، “نستطيع أن نجد متعهداً يبني على أرضنا بناءً من خمسة طوابق، يعطينا ثلاثة طوابق وهي عقارنا الأصلي، ويحصل هو على طابقين لقاء تكاليف البناء”، قال رضا.

كذلك يرفض خالد السليمان (اسم مستعار)، من أهالي حي جوبر، بشكل قاطع عروض التعويض التي قدمتها المحافظة لهم، قائلاً: “هم يريدون التنظيم والاستثمار، ونحن لا نرفض ذلك، وإنما نرفض النسبة المقترحة”، مضيفاً: “إذا لم تستطع المحافظة تقديم تعويضات حقيقية، عليها على الأقل أن تتكفل بالبنى التحتية ونحن نعمّر أرضنا”.

“غالبية العقارات سابقاً في جوبر كانت مؤلفة من ثلاثة أو أربعة طوابق، أما التنظيم الجديد فيتضمن أبراجاً من ستة وثمانية طوابق، لذا فإن الحل المقبول أن يحصل المالك على عدد الطوابق الأصلية ويحصل المستثمر على بقية الطوابق الإضافية، وهو ما يضمن أن نعود لمنازلنا”، قال السليمان لـ”سوريا على طول”.

تعليقاً على ذلك، قال معاون محافظ دمشق المهندس، معمر دكاك، لـ”سوريا على طول”: “إن عملية إعادة الإعمار هي عملية متكاملة تضم سلسلة من الإجراءات التخطيطية والقانونية والإدارية والمجتمعية”، تهدف إلى “إعادة بناء التجمعات العمرانية بتصويب ما أمكن من الثغرات العمرانية السابقة لتكون تجمعات متوازنة عمرانياً، صحية، بيئية ومستدامة بما يضمن تأمين عودة كريمة لأصحاب الحقوق، والحفاظ ما أمكن على الهوية والذاكرة المكانية في المناطق المطلوب إعادة إعمارها”.

وبينما ينظر أهالي حي جوبر إلى المشاريع الاستثمارية نظرة سلبية، أوضح دكاك أن “إعطاء بعد تنموي استثماري بشكل متناسب مع خصائص كل منطقة هو أمر إيجابي، حيث أن التوظيف السليم للاستثمارات يساهم في ضمان استمرارية تأمين الموارد المحلية لخدمة التجمع العمراني”. لافتاً إلى أن “المحور الشمالي الشرقي يشكل المدخل الشمالي لمدينة دمشق وهو محور هام وتنميته ضرورية لتنمية التجمعات العمرانية التي تقع ضمنه من جهة ولتحقيق تنمية شاملة لكامل المدينة من جهة أخرى، دون أن يؤثر ذلك على المالكين”.

صورة جوية تظهر آثار الدمار والنهب الذي تعرض له حي جوبر في العاصمة دمشق على يد نظام الأسد، 31/ 08/ 2025 (سانا)

صورة جوية تظهر آثار الدمار والنهب الذي تعرض له حي جوبر في العاصمة دمشق على يد نظام الأسد، 31/ 08/ 2025 (سانا)

“صفقة تعويض”

بالنسبة لكثير من مالكي العقارات في القابون وجوبر وتشرين، فإن إعادة الإعمار لا تبدأ من الخرائط والمخططات التنظيمية، ولا الاكتفاء بتعويض مالي أو حصص عقارية يرون أنها لا تعادل ما خسروه، وإنما من حقهم في العودة إلى المكان نفسه، وهو ما يجعل أي طرح لا يضمن استعادة حقهم الأصلي أو يختزل ملكيتهم في أسهم عبارة عن “صفقة تعويض” لا مشروع عودة عادلة، على حدّ تعبير أبو بلال من حي جوبر.

المشكلة في المقترحات التي قدمتها محافظة دمشق أنها “مشاريع استثمارية أكثر من كونها مشاريع إعادة إعمار من أولوياتها أصحاب الأرض”، كما قال سعيد عبد الحميد (اسم مستعار)، أحد أبناء جوبر، معتبراً أن للسكان حقّ على الحكومة بأن “تزيل الركام وتصلح البنى التحتية وتضمن عودتنا للمكان نفسه”.

وذهب آدم الشامي، ناشط إعلامي من حي تشرين، في هذا الاتجاه أيضاً، معتبراً أن “الطروحات الحالية تميل إلى أن تكون مشاريع استثمارية، تحوّل المنطقة إلى أبراج تجارية لا أن تكون خطة تعافي مجتمعي هدفها إعادة السكان المهجرين”.

وشدد الشامي في حديثه لـ”سوريا على طول” على أنّ “كل مشروع لا يضع حق عودة السكان كبند أول هو مشروع لا يراعي مصالحنا، ولن يتم القبول به مهما كانت المغريات”.

في حي تشرين أو ما يعرف بـ”بساتين برزة”، تبدو المشكلة أعقد، إذ أقيم الحي على أراضٍ زراعية، لذا فإن غالبية العقارات فيه هي عبارة عن “عقود بيع وشراء أو طابو زراعي مسجل في الدولة بشكل نظامي”، لذا فإن “الواقع العقاري معقد جداً، حيث يتشارك عشرات الأشخاص وورثتهم في بعض العقارات”، بحسب الشامي، ولهذا السبب “يتمسك الأهالي بعدم خسارة عقاراتهم أو تحويلها إلى أسهم أو تعويضات لا تعوّض جزءاً من خسارتهم”.

تملك عائلة الشامي كامل السندات التي تؤكد حقهم القانوني في الأرض، حيث تمتلك عائلته أربعة عقارات سكنية وتجارية في حيي القابون وتشرين، تعرّض ثلاثة منها لدمار كلّي وتعرض الرابع لدمار جزئي.

“نحن لا نبحث عن مساحة سكنية بديلة، بل نتمسك بهويتنا المرتبطة بالحي”، قال الشامي، معتبراً أن “الخيار الأنسب لنا هو منحنا التسهيلات والتراخيص اللازمة لإعادة بناء أملاكنا ذاتياً، أو ضمن مخطط تنظيمي يحفظ لنا نفس الموقع والمساحة دون تهجير قسري أو نقل إلى ضواحي بعيدة”.

أقرّ دكاك، معاون محافظ دمشق، أن “التصرف بالملكية العقارية هو من مبادئ الحرية الشخصية، ويعود للمالكين حق التصرف بعقاراتهم بالطريقة التي تناسبهم”، مشيراً إلى أن المحافظة “أوضحت أنها بصدد إعادة النظر بالمخططات التنظيمية لجهة تحسينها وتحقيق التكامل فيما بين المناطق المتجاورة”، ولفت إلى أن “تنظيم الأراضي بطريقة حضرية سوف يزيد من قيمتها العقارية”.

من ناحية قانونية، حذّر المحامي القرفان من أن هناك العديد من المخاطر التي يمكن أن تترتب على مثل هكذا مخطط تنظيمي، أبرزها: “فقدان السيطرة الفردية، وأن يتحول المالك إلى شريك غير محدد الحصة المكانية، لا يستطيع البناء أو البيع بحرية”. وكذلك “تعقيد عمليات التصرف والبيع، وربطها بموافقات مسبقة أو سوق ثانوي ضعيف”، إلى جانب “خطر الاستحواذ التدريجي للمستثمرين الكبار، الذين يشترون الأسهم من صغار المالكين، ما يؤدي إلى تركيز الملكية و إقصاء السكان الأصليين”.

وأيضاً “قد يتأخر [تنفيذ المشاريع الاستثمارية] أو تتغير قيمة الأسهم فيها”، عدا عن “كثرة النزاعات بين الشركاء التي ستؤدي حكماً إلى صعوبة إدارة الملكية”، بحسب القرفان.

هل يُدفع أصحاب العقارات إلى بيعها؟

“إذا مضت المحافظة في تنفيذ مقترحاتها الحالية، فإن أهالي جوبر والقابون سوف يلجؤون إلى الحل الأسرع وهو بيع أراضيهم”، قال عبد الحميد.

“هناك نوع من الغموض القانوني وبطء متعمد في إعادة الإعمار من قبل المحافظة والهدف من ذلك أن يصل أصحاب الأراضي وورثتهم إلى التململ وبيع عقاراتهم أو التخلي عنها”، لذا فإن “المعركة الآن هي عض أصابع بيينا وبين المحافظة والمستثمرين”، قال الشامي.

“نخشى من تحويل ملكيتنا المثبتة بسندات ملكية إلى أسهم تنظيمية على الشيوع، قد تضيع قيمتها الحقيقية مع مرور الزمن وارتفاع التكاليف، أو فرض مخططات تنظيمية مثل القانون رقم 10 أو المرسوم 66، التي قد لا تتناسب مع القدرة المادية للسكان الأصليين على دفع فروقات القيمة أو تكاليف الترخيص الباهظة”، أضاف الشامي.

واتهم الشامي محافظة دمشق بأنها “تراوغ لمصلحة المستثمرين، عبر تقسيم العقارات وعرض نسب مختلفة لمالكي العقارات أو الأراضي الزراعية، لاسيما وأن المنطقة بالكامل سوّيت بالأرض، بشكل لا يتم التمييز بين معالمها بتاتاً”.

تشهد الأحياء الثلاث عمليات بيع واسعة، ومنذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، ارتفعت أسعار الأراضي والعقارات في المنطقة بشكل ملحوظ، لكنها مع ذلك “تظل أرخص من أحياء دمشق المجاورة التي لم تتعرض للدمار وتتوفر فيها الخدمات الأساسية والبنى التحتية”، قال تاجر عقاري من أبناء حي تشرين، ويعمل في حيي القابون وتشرين.

مع ذلك، فإن حركة البيع هذه “لا تبدو بريئة أو طبيعية”، كما أكد أربعة من المصادر الذين تحدثت إليهم “سوريا على طول”، بما فيهم التاجر العقاري. إذ اتهمت المصادر تجاراً ومستثمرين بدفع الناس والضغط عليهم لبيع أراضيهم مستغلين الظروف الحالية من الغموض والشائعات ومقترحات محافظة دمشق.

وعلى عكس حي جوبر شهدت بعض الحارات في حيي تشرين والقابون، التي تعرضت لدمار أقل، عودة جزئية وإعادة ترميم للمنازل، بحسب التاجر العقاري.

وتمنع محافظة دمشق إعادة الإعمار أو البناء في الأحياء الثلاث، لاسيما القابون وتشرين على اعتبارها مناطق “مخالفات”. إلا أن بعض العائلات في حيي القابون وتشرين أعادت بناء وحدات سكنية صغيرة فوق أنقاض منازلها بشكل مخالف، كما أوضح التاجر، قائلاً: “الأهالي تعبوا من هذا الحال، نحن تهجرنا ودمرت بيوتنا وضاع تعب عمرنا، ولن نسمح أن يضيع حقنا مرة أخرى، فمن يقوم بإعادة بناء بيته اليوم هو مستعد أن يموت وأن لا يسمح لأحد بهدمه مرة أخرى”.

واتهم التاجر العقاري محافظ دمشق بلعب دور سلبي والتماشي مع مصلحة المستثمرين، معتبراً أنه يفاوض نيابة عنهم، “وعندما عرض المخطط على اللجان الأهلية قال لهم: إذا كنتم لا تريدون هذا التنظيم سوف نأخذه إلى أحياء القدم والعسالي جنوب دمشق” محاولاً الضغط من أجل قبول المخطط.

تتناغم حركة بيع العقارات في هذه الأحياء مع الأخبار والشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب المهندس شربجي، ويسهم في هذه الفوضى “بعض رؤساء البلديات، الذين إذا زارهم وفد أجنبي أو وفد من السوريين المغتربين، ينشرون على مواقع التواصل الاجتماعي بأن هناك زيارات لوفود طرحوا خلالها مشاريع استثمارية، رغم أن هذه الوفود جاءت للاطلاع على الواقع”، وبالتالي “قد ترتفع الأسعار في مكان وتتراجع في آخر”. 

“يميز القانون السوري بين البيع الصحيح، الذي يجب أن تتوفر فيه شروط الرضا والأهلية، وبين حالات الغبن والاستغلال، وفي حال ثبت وجود فرق كبير في السعر مع استغلال حاجة أو جهل، فعندها يمكن الطعن بالعقد”، كذلك يميز بين “حالات الإكراه والتدليس، إلا أنه يصعب عادة إثبات الإكراه والاستغلال”، لذلك فإن “معظم هذه البيوع ستبقى صحيحة قانونياً رغم عدم عدالتها” بحسب المحامي القرفان.

وأضاف القرفان “تسمح الأنظمة المقارنة بتحميل المالكين كلفة البنية التحتية وفق شروط، كأن يكون محدوداً ومتناسباً ويعود بفائدة حقيقية على المالك”، لكن “يصبح إشكالياً عندما تكون التكاليف مرتفعة جداً، وتُفرض دون خيار، وتؤدي حتماً إلى عجز المالك عن الدفع أو اضطراره للبيع، وفي هذه الحالة يمكن اعتباره ضغط اقتصادي يؤدي إلى نزع ملكية غير مباشر”.

الإشكالية القانونية في مشاريع إعادة تنظيم أحياء شرق دمشق “لا تكمن في مبدأ التنظيم بحد ذاته، بل في مدى احترامه لجوهر حق الملكية، فحين تتحول الملكية من حق عيني محدد إلى حصة استثمارية غير مضمونة، ويُفرض على المالك الدخول في نماذج تطوير لا يملك رفضها، مع تحميله أعباء مالية كبيرة، فإن ذلك يقترب من مفهوم نزع الملكية غير المباشر، حتى وإن تم تحت غطاء التنظيم العمراني، قال المحامي القرفان. 

كما أن “غياب الشفافية وعدم وضوح المصير التنظيمي يؤدي إلى تشوهات في السوق العقارية، حيث تتم عمليات بيع تحت ضغط الخوف وعدم اليقين، وهي وإن كانت صحيحة شكلاً، إلا أنها تثير إشكالات عميقة من حيث العدالة وحماية الملكية”، بحسب القرفان.

إعادة إعمار أم إعادة تشكيل؟

“التعويض العادل هو الذي يضمن القيمة الاستبدالية للعقار، أي تمكين المالك من الحصول على مسكن بديل بنفس المواصفات والموقع دون أعباء مالية إضافية”، قال الشامي.

وطالب الشامي محافظة دمشق بـ”ضرورة إشراك المجتمع المحلي في اتخاذ القرار، وتبسيط إجراءات العودة والترميم، وضمان صون الملكيات الخاصة كما نص عليها الدستور، وأن تكون خطط الإعمار جسراً للعودة والاستقرار، لا عائقاً يكرس التغريب والنزوح”. 

وأضاف: “حينما أقر النظام البائد قانون استملاك أحياء جوبر القابون وبرزة والعسالي قامت قائمة إعلامنا الثوري وجميع من هم اليوم في الحكومة كانوا يعتبرون ذلك تغييراً ديمغرافياً غير مقبول ولن يتم القبول فيه. ونتفاجأ اليوم أن نفس الشخصيات تسعى إلى تمرير قانون ونظام استثماري مماثل في طبيعته لقانون الاستملاك القديم”.

“هناك حد فاصل بين التنظيم المشروع ونزع الملكية المقنع”، قال المحامي القرفان. مشيراً إلى أن “التنظيم المشروع يهدف إلى تحقيق مصلحة عامة (تنظيم، طرق، خدمات) يكون مؤقتاً أو محدود الأثر لا يلغي جوهر الملكية، ويرافقه تعويض عادل عند الضرورة”. أما نزع الملكية المقنّع فـ”يظهر عندما يُفرض على المالك الدخول في مشروع استثماري لا يريده، ويتم استبدال ملكه بحصة أو سهم دون خيار حقيقي، ويُفرض نموذج استثمار واحد (شركة، مطور، شراكة إجبارية)، ويكون التعويض غير نقدي أو مؤجل لسنوات”.

وأضاف: “تملك الدولة سلطة التنظيم، لكنها لا تملك فرض استثمار خاص على الملكية الخاصة إلا ضمن حدود ضيقة جداً”.

“تجميل العاصمة لا يكون على حساب حقوقنا. جوبر ليست للبيع”، قال محمد عبيد، أحد أبناء حي جوبر الدمشقي، مضيفاً: “بعد أن تدمرت بيوتنا وتهجرنا لسنوات كنا ننتظر العودة وأن نحصل على تعويض لا أن نخسر!”.

شارك هذا المقال