هل يغيّر انضمام سوريا للتحالف الدولي معادلة الحرب مع “داعش”؟
مع الحديث المتزايد عن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، تظهر مؤشرات تعاون أمني واستخباراتي بين دمشق وقوات التحالف، إذ اشترك الطرفان في ما لا يقل عن خمس عمليات ضد داعش.
6 نوفمبر 2025
باريس- قبيل الزيارة المرتقبة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة الأميركية بعد أيام قليل، التي من المحتمل أن يُوقع خلالها اتفاقية انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة (داعش)، يتزايد الحديث عن مشاركة الإدارة السورية الجديدة في العمليات ضد التنظيم، وما قد تحمله من تأثير على صعيد مكافحة الإرهاب في سوريا.
في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، أعلن المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، أن الرئيس الشرع سيلتقي نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في العاشر من الشهر نفسه، مشيراً إلى احتمال توقيع اتفاق رسمي لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي.
ورغم أن الإدارة السورية الجديدة لم تُعلن حتى الآن نيتها الانضمام إلى التحالف، إلا أن مؤشرات تعاون أمني واستخباراتي بدأت بالظهور بين الطرفين، إذ اشتركت القوات السورية والأميركية في ما لا يقل عن خمس عمليات مشتركة منذ تموز/ يوليو الماضي، استهدفت خلايا تابعة لتنظيم الدولة. آخرها في 18 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، حين نفذت القوات الأميركية غارة جوية وإنزالاً مظلياً في منطقة الضمير بريف دمشق، بالتنسيق مع وزارة الداخلية السورية، أسفرت عن اعتقال قيادي بارز في تنظيم الدولة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه الحكومة السورية عملياتها الأمنية لملاحقة خلايا التنظيم في البادية السورية – التي كانت معقلاً رئيسياً له قبل سقوط النظام البائد – وفي عدد من المدن السورية، يعمل التنظيم على إعادة هيكلة نشاطه وانتشاره بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة.
ووجه التنظيم، مراراً وتكراراً، تحذيرات للإدارة السورية الجديدة والرئيس الشرع من مغبة الانضمام للتحالف الدولي.
منذ هزيمة داعش في عام 2019 على يد التحالف بمشاركة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كانت مناطق الأخيرة الساحة الأبرز لعمليات التنظيم، الذي نفذ منذ سقوط النظام البائد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي وحتى 20 أيلول/ سبتمبر الماضي، نحو 153 هجوماً في مناطق “قسد”، بحسب بيانات رسمية صادرة عنها، مشيرة إلى أن هذه الأرقام تشكل “ارتفاعاً ملحوظاً” مقارنة بنشاط التنظيم بين عامي 2020 و 2024. بينما العمليات التي تستهدف الإدارة السورية الجديدة ما تزال محدودة حتى الآن.
كيف يؤثر انضمام سوريا إلى التحالف؟
تشكل الشراكة المحتملة بين دمشق والتحالف الدولي “نقطة قوة لصالح الحكومة وأجهزتها المختصة”، بحسب الباحث العسكري والضابط المنشق عن النظام البائد، رشيد حوراني، موضحاً أن العمليات التي نفذها التحالف “ضد قادة من الصف الأول في شمال غرب سورية تمثل اختراقاً للتنظيم، في وقت كان يعتقد فيه أنه قادر على التخفي في مناطق سيطرة الحكومة”.
إضافة إلى أن هذه الشراكة “تمنح الحكومة القدرة على مراقبة وتتبع خلايا التنظيم في مناطقها، وبناء قاعدة بيانات حول التنظيم وشخصياته وتحركاته، ما يسهم في إحباط عملياته المستقبلية”، أضاف حوراني لـ”سوريا على طول”.
وتستند الإدارة السورية الجديدة إلى خبرة عملية في التعامل مع الحركات الجهادية والفصائل المتشددة، كونها تنحدر من أصول جهادية، ولديها براغماتية عالية مكنتها خلال السنوات الماضية من تطوير خطابها وأيديولوجيتها تدريجياً بشكل لافت، بدءاً من جبهة النصرة وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، التي حلّت نفسها بعد سقوط النظام البائد، وهي تشكل العمود الفقري للإدارة الجديدة.
على مدار السنوات الخمس الأخيرة، تمكنت “تحرير الشام” من تفكيك العديد من المجموعات والفصائل المتشددة في مناطق سيطرتها شمال غرب سوريا، أو احتوائها تحت جناحها. وتزامن ذلك مع ما بدا أنه نوع من العلاقة الغامضة التي ربطت التحالف الدولي والقوات الأميركية بالهيئة، إذ نفذت القوات الأميركية عمليات متكررة ضد المقاتلين الأجانب الخارجين عن عباءة “تحرير الشام” أو خصومها.
“إذا سمح بانضمام سوريا إلى التحالف الدولي أو فتح المجال لمستوى جديد من التعاون، فإن ذلك سيكون له أثر رمزي على سوريا، ويكسبها بعض النقاط في واشنطن، في الوقت الذي يناقش فيه الكونغرس الأميركي رفع العقوبات الأميركية عن سوريا”، من وجهة نظر سام هيلر، باحث الأميركي مقيم في بيروت، وزميل في مركز أبحاث القرن.
وأضاف هيلر لـ”سوريا على طول”: “في حال استمر الوجود الأميركي وعملياته في سوريا، فإن انضمام سوريا للتحالف يسمح للقيادة السورية أن تساوي بين هذا الوجود والسيادة السورية، ولو على نحو رمزي وسياسي”.
كما يمكن لتعزيز التعاون العملياتي بين دمشق وواشنطن أن “يحدث تغييراً ملموساً في الحرب ضد داعش”، بحسب هيلر. إذ من المحتمل أن “تقدم القوات الأميركية تدريبات ميدانية للوحدات العسكرية السورية، إلى جاب تزويدها بتقنيات متقدمة للرصد والمتابعة، ما قد يعزز جهود مكافحة التنظيم”.
ونوه هيلر إلى أن “حدود هذا التعاون ما تزال غير واضحة، ولا يُعرف بعد ما إذا كان الانضمام الرسمي للتحالف شرطاً أسياسياً له، أم أن التعاون يمكن أن يكون من دونه”.
من جانبه، رأى الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، أن مواجهة التنظيم في هذه المرحلة “يتطلب عملاً استخباراتياً واسع النطاق، وهو ما لم يتبلور بعد في سوريا الجديدة”. موضحاً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “تحرير الشام” كانت تمتلك قدرات استخبارية فاعلة في إدلب، “لكن على المستوى الوطني لا تزال البنية الأمنية السورية قيد التشكيل، حتى ان الولايات المتحدة نفسها تفتقر إلى بنك أهداف واضح ضد التنظيم داخل سوريا وتحتاج إلى وقت طويل لبنائه”.
في السياق ذاته، قال الباحث حوراني، أن “وصول تحرير الشام إلى السلطة والتعاطي الإيجابي معها من قبل الإدارة الأمريكية بشكل خاص ودعمها من الأطراف الإقليمية يدل على أنه ينظر للإدارة الجديدة المنحدرة من خلفية جهادية على أنها طرف محلي وطني، ويراد من خلالها دمج سوريا بالمنظومة الأمنية في المنطقة”.
وأضاف: “لا أستبعد عقد شراكة سورية مع حلف الناتو وفق أطر الشراكة المعمول بها مع دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تتمثل بمبادرة اسطنبول ICI التي تأسست 2004، وتعتبر المنصة الأساسية للتعامل مع العالم العربي، ووفق أطر الحوار المتوسطي MD الذي تأسس 1994 كمنصة رئيسية للناتو للتعامل مع دول شمال أفريقيا والمشرق العربي”. مشيراً إلى أنه “سبق للناتو أيضاً أن أرسل بعثة تدريبية إلى العراق لتدريب قوات الأمن العراقية لمنع ظهور داعش”.
ماذا عن استراتيجية التنظيم؟
منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بدأ تنظيم الدولة يغير في استراتيجية انتشاره، منتقلاً بشكل أكبر إلى داخل المدن على حساب انتشاره في البادية السورية. وانخفض عدد عملياته في البادية مقارنة بالسنوات الماضية، نتيجة العمليات العسكرية المكثفة التي تنفذها الحكومة السورية لملاحقة خلايا التنظيم هناك.
طيلة السنوات الماضية عاش التنظيم “في حالة متراجعة من النشاط العسكري”، لكنه زاد من نشاطه مع سقوط النظام البائد “لأسباب تتعلق بتعاونه غير المعلن، على مبدأ العلاقات التخادمية، مع كل من قسد والميليشيات الإيرانية، اللتين تهدفان إلى تقويض مساعي الدولة السورية في فرض الأمن والاستقرار”، بحسب حوراني.
وأضاف: “التنظيم متخوف من أن تسعى الحكومة السورية للانضمام الى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، لذا أراد بعملياته أن يكون سبّاقاً لإرباكها”.
وحاول التنظيم “إعادة بناء قوته مستفيداً من الفراغ الأمني الذي خلفه السقوط السريع للنظام البائد”، كما “عوّل على المقاتلين الأجانب في صفوف هيئة تحرير الشام، وموقفهم من التحولات العميقة في سياستها وتبنيها بشكل كامل بناء الدولة الوطنية”، وفقاً لحوراني.
بدوره، رأى المحلل العسكرية والاستراتيجي العميد مصطفى الفرحات، أن التنظيم “استغل الفراغ أو عدم تثبيت القيادة والسلطة الجديدة أركانها في السلطة”، وحاول “تجنيد من يستطيع أن يغريهم أو يدخلهم في صفوفه معتمداً على سياسة الإغراء الأيديولوجي والعقدي، ومستغلاً حالات التهميش والفقر والبأس، مع التركيز على بعض المهاجرين الذين لا يزالون يتبنون فكرة الجهاد العابر للحدود”.
لكن، العمليات النوعية التي نفذتها القوات السورية والأميركية خلال الأشهر الماضية “قلصت نشاط داعش إلى حد كبير، رغم استمرار حالة عدم الاستقرار في البلاد”، قال العميد الفرحات لـ”سوريا على طول”.
من جانبه، أوضح الخبير في شؤون الجماعات الإسلامية، حسن أبو هنية، أن التنظيم تخلى منذ هزيمته في العام 2019 عن “فكرة السيطرة المكانية”، واعتمد استراتجية حرب الاستنزاف والعصابات، محولاً نفسه إلى “خلايا صغيرة تعمل بنظام لامركزي” أو ما يعرف بـ”الذئاب المنفردة”.
وأضاف: “استمر التنظيم بنفس السياسة، ولم يطرأ تحول جديد على الهيكل التنظيمي أو المستوى الأيديولوجي له ولا على مستوى الاستراتيجية العسكرية”، قال أبو هنية.
وذهب أبو هنية إلى أن التنظيم يركز في عملياته، اليوم، ضد “قسد”، في الوقت الذي يعيد فيه هيكلية نفسه وتحديد أولوياته، لكنه “لا يركز على استهداف الإدارة السورية الجديدة بشكل مباشر”.
“التنظيم مقتصد في عملياته ويعيش حالة من الراحة، في ظل غياب وجود ضغط كبير من التحالف أو الإدارة السورية الجديدة ضده”، كون دمشق “لديها أولويات ومشاكل إثنية وعرقية ومع فلول النظام السابق، ومع الدروز وإسرائيل والأكراد، إضافة إلى عدم اكتمال الهياكل العسكرية والأمنية لسوريا الجديدة لا من ناحية دستورية ولا قانونية”.
من ناحية أخرى، “تراجعت إمكانيات التنظيم وقدراته على القيام بعمليات التجنيد، ويعود ذلك إلى وعي الشعب السوري، وتضامن غالبيته مع الدولة الجديدة، وبالتالي الجبهة الشعبية الداخلية ورغبة المجتمع الدولي في استقرار سوريا يحدان من قدرة داعش”، قال العميد الفرحات.
ولكن قد يستفيد التنظيم من دعم إيران، وفي نفس الوقت من غياب الدولة المركزية، نتيجة الحالة الفصائلية والتمسك بالسلاح في شمال شرق سوريا وفي جنوبها، ووجود كيانات خارج سيطرة الدولة، بحسب الفرحات.
الرهان على فشل الإدارة السورية
يراهن تنظيم داعش في إعلامه الرسمي، عبر جريدة النبأ، على “فشل سوريا والنظام الجديد فيها”، وهو “لم يغير رؤيته تجاه هيئة تحرير الشام والشرع، إذ يراهم كفاراً، ويشدد على نقطة أنهم يخالفون الشريعة والدين، وصاروا جزءاً من التحالف الدولي”، قال أبو هنية.
ورغم هذه القناعة العقائدية، فإن التنظيم “مقتصد” في عملياته ضد الحكومة السورية، ويفضل أن “ينتظر فشلها، فهو حليف للفشل، بمعنى أنه يحول قوته إلى قوة موضوعية، وينظر إلى آراء الناس وغضبهم”، خاصة أن دمشق تواجه مشاكل معقدة كبيرة سواء إقليمية مع إسرائيل وإيران، واستراتيجية مثل إعادة الإعمار ومستويات الفقر المرتفعة جداً وغياب الدعم المالي.
وبينما يراقب وضع دمشق، يركز التنظيم إمكانياته على “عمليات الاستقطاب والتجنيد وإنشاء شبكة واسعة من الخلايا النائمة في كافة المدن والبلدات السورية، ويعمل على استغلال الغاضبين من الإدارة الجديدة”، ويسعى إلى “استثمار التناقضات والخلافات، كما حدث مع كتيبة الغرباء الفرنسية، ويعمل على تصوير النظام الجديدة كعميل للأميركان”، بحسب أبو هنية.
وتجنباً لاستغلال التنظيم للمقاتلين الجهاديين، دعا العميد الفرحات الحكومة السورية إلى “تطبيق دمج العناصر الراغبين في البقاء ضمن الهيكل العسكري للدولة، مع المراقبة الحذرة لسلوكهم، لاسيما الأجانب منهم، وهذا من شأنه أن يسهم في تثبيت أركان الدولة وتقليل خطر داعش”.
يعيش السوريون “نشوة النصر والتخلص من نظام قاتل ومن إيران وحزب الله، لكن شيئاً فشيئاً ستبدأ الصعوبات الحقيقية في بناء الدولة، ويراهن داعش على تحول سوريا لدولة فاشلة”، قال أبو هنية، مشيراً إلى أن “أي عملية قد ينفذها التنظيم ضد النظام الجديد قد ترتد عليه، وسوف تخلق كراهية ضده وتزيد تضامن الناس مع النظام الجديد، لذلك هو يدرك كل هذه المخاطر بشكل أساسي، ويحاول أن يبقى في كمون وفي حالة أمنية وليس عسكرية”.
وأضاف: “سلوك النظام الجديد في سوريا بعد أن تتشكل ملامح سوريا الجديدة سوف يحدد طبيعة تعامل تنظيم الدولة معه”.
وختم الفرحات: “يتلاشى مستقبل التنظيم كلما كان هناك دور للدولة وازداد نفوذها وعززت الاستقرار، بمعنى أنه تناسب عكسي، كلما زادت سيطرت الدولة على الجغرافية السورية قلت فرص داعش، وهذا شاهدناه في بلدان إفريقية استغل داعش غياب الدولة المركزية والحرب الأهلية للعودة”.
