12 دقائق قراءة

يهود سوريا وحلفاؤهم: مسارات مختلفة تلتقي في حلم العودة

بينما يعمل اليهود السوريون وحلفاؤهم في الشتات على إعادة بناء الروابط وإحياء التراث اليهودي في سوريا، تتصاعد في الخلفية تعقيدات سياسية، ويبرز التساؤل عن علاقة إسرائيل بذلك وما هو دورها.


28 أبريل 2026

نيويورك- مع غروب شمس يوم الجمعة، تكون الاستعدادات ليوم السبت (الشبات) في ذروتها جنوب بروكلين. تغلق المتاجر المحلية – مطعم كوشير متواضع، محل حلويات شامي، متجر للمواد الدينية اليهودية – واجهاتها، بينما يتقاطر آباء وأبناء يرتدون بدلات رسمية داكنة مع القلنسوات (كيباه) إلى عدد من المعابد المنتشرة في حي غرايفسند.

داخل إحدى البقالات القليلة التي لا تزال مفتوحة، يحيّي رجل غادر دمشق في تسعينيات القرن الماضي أحد زبائنه الدائمين باللهجة العربية السورية، فيما تُعزف في الخلفية أغنية بالعبرية. يفترق الاثنان على عبارة “شبات شالوم”.

شوارع بروكلين هذه، التي تضم أكبر تجمع لليهود السوريين خارج إسرائيل، ويُقدّر عددهم بنحو 75 ألف نسمة، تعكس روح المراكز النابضة بالحياة التي كانت يوماً ما قلب الحياة اليهودية في دمشق وحلب.

اليوم، تبدو الأحياء اليهودية التاريخية في سوريا خالية، إذ يقيم في سوريا ستة يهود فقط، وهو عدد لا يحقق نصاب إقامة الشعائر الجماعية وفق الديانة اليهودية. المعابد القديمة مغلقة أو مدمّرة: بعضها هُجّرت في أعقاب أعمال العنف المعادية لليهود في السنوات التي تلت إعلان “دولة إسرائيل” عام 1948، وأخرى تضررت أو دُمّرت خلال الحرب السورية الأخيرة، التي استمرت لنحو عقد ونصف العقد.

لكن الإطاحة بنظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024 مهّدت الطريق لكتابة فصل جديد في سوريا، فصل يسعى يهود سوريا في الشتات، وحلفاؤهم، إلى أن يكونوا جزءاً منه. ففي نهاية الحرب وترحيب الحكومة الجديدة بجميع السوريين وبناء علاقات دولية، يرون هناك فرصة لتصحيح مظالم تاريخية وإعادة إحياء الحياة اليهودية في البلاد.

ويحمل إحياء التراث اليهودي في سوريا بُعداً سياسياً أيضاً، إذ تهيمن تساؤلات حول معاملة الأقليات العرقية والدينية على تصورات الخارج، بوصفها معياراً لقياس ما إذا كانت الإدارة الحالية – التي تعود جذور جزء كبير منها إلى فصيل كان مرتبط بتنظيم القاعدة – ستفي بوعودها في بناء سوريا لجميع أبنائها.

داخل المجتمع اليهودي الذي يحاول إعادة الانخراط في سوريا، يبرز التساؤل عن علاقة إسرائيل بذلك وما هو دورها.

الخلاف

أثارت زيارة أول وفد يهودي إلى دمشق في شباط/ فبراير 2025 – التي جرى تنسيقها مع فريق وفد الطوارئ السوري (SETF)، وهو منظمة مناصرة ومساعدات إنسانية مقرها الولايات المتحدة – عناوين بارزة قبل أن ينقسم بهدوء إلى مجموعتين.

واعتُبرت الزيارة، التي زار خلالها يهود سوريون وغير سوريين مقبرة يهودية وكنيسين في دمشق، حدثاً تاريخياً، إذ شكّلت مؤشرات أولية واعدة على إمكانية عودة اليهود بعد عقود من العداء والقمع الذي مارسته الدولة، والذي قلّص مجتمع اليهود السوريين، الذي كان يضم نحو 30 ألفاً إلى بضع أفراد.

فرّ غالبية اليهود سراً على خلفية موجات العنف، التي أشعلها تصويت الأمم المتحدة عام 1947 على تقسيم فلسطين. ومن أصل نحو خمسة آلاف شخص بقوا حتى أواخر القرن العشرين، غادر معظمهم بعد أن رفع حافظ الأسد الحظر على هجرة اليهود في عام 1992.

برز موضِع الانقسام داخل وفد شباط/ فبراير 2025 عندما رأى أحد المشاركين، الحاخام آشر لوباتين المقيم في ميشيغان – وهو ليس من أصول سورية – أن طرح “فريق الطوارئ السوري” للهوية اليهودية كجسر لتحسين العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة، من دون تبنّي موقف مؤيد لإسرائيل، يمثّل فرصة ضائعة ويتعارض مع قناعاته.

وبالنسبة لمعاذ مصطفى، المدير السوري الأميركي لـ“فريق الطوارئ السوري” الذي نظّم الزيارة، فإن مواقف لوباتين المؤيدة لإسرائيل بشكل صارم ونهجه الذي كان يسعى إليه يتعارضان مع الحساسيات الجيوسياسية.

وبعد انفصاله عن “فريق الطوارئ السوري”، يقود لوباتين زياراته الخاصة إلى دمشق. وكان معظم المشاركين في رحلتيه – في أيلول/ سبتمبر وكانون الأول/ ديسمبر الماضيين – من اليهود الأميركيين الذين لا تعود جذورهم إلى سوريا.

وبصفته مناصراً ثابتاً لإسرائيل ووسيطاً للحوار بين الأديان في ميشيغان، يقول لوباتين إن هدفه، بصفته “شخصاً من خارج المجتمع”، سياسي بالدرجة الأولى: الحفاظ على الزخم في توجه سوريا الجديد نحو الغرب، وبناء علاقات مع إسرائيل في نهاية المطاف. وقال لـ“سوريا على طول”: “أنا متحمس جداً لهذه الحكومة الجديدة. لقد تحدثوا عن صنع السلام مع الولايات المتحدة وحتى مع إسرائيل”.

الحاخام آشر لوباتين، المقيم في ولاية ميشيغان، يرتدي شال الصلاة خلال زيارة إلى كنيس الفرنج في الحي اليهودي بدمشق القديمة، 18/ 02/ 2025، (أ ف ب)

الحاخام آشر لوباتين، المقيم في ولاية ميشيغان، يرتدي شال الصلاة خلال زيارة إلى كنيس الفرنج في الحي اليهودي بدمشق القديمة، 18/ 02/ 2025، (أ ف ب)

ووصف لوباتين واثنان آخران من المشاركين في وفوده، ممن تحدثت إليهم “سوريا على طول”، هذه الزيارات بأنها “بعثات حسن نية”، ومن خلالها، يسعى لوباتين إلى إيجاد مساحة يلتقي فيها يهود أميركيون مؤيدون لإسرائيل وسوريون، لإجراء تبادلات ثقافية وفكرية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تعثّرت المحادثات السورية-الإسرائيلية بشأن اتفاق أمني، في حين تواصل القوات الإسرائيلية احتلال أراضٍ في جنوب سوريا. ويأمل لوباتين أن تسهم العلاقات المباشرة بين الناس، التي تُبنى عبر مبادراته في الدبلوماسية الشعبية، في تشجيع الدبلوماسية والتعاون بين الحكومتين.

وبينما ينتمي معظم شركاء لوباتين في هذا المسعى إلى اليهود الأشكناز – أي المنحدرين من أوروبا الشرقية والوسطى – فقد وجد داعماً قوياً في جوزيف ججاتي، وهو رجل أعمال سوري يبلغ من العمر 32 عاماً ومقيم في بروكلين. وكان ججاتي أيضاً جزءاً من وفد “فريق الطوارئ السوري” الأول، لكنه انضم لاحقاً إلى جهود لوباتين. ويرتدي الاثنان خلال رحلاتهما إلى سوريا قبعات متطابقة تحمل شعار “لنجعل سوريا عظيمة مجدداً”.

وُلد ججاتي في دمشق، ونشأ مرتبطاً بإرثه السوري، إذ كان يشاهد المسلسلات العربية ويستمع إلى قصص الحياة في سوريا قبل أن تغادر عائلته في أوائل التسعينيات، وهو يتحدث الإنجليزية بلكنة بروكلينية واضحة والعربية بلكنة سورية مميزة.

قال لـ”سوريا على طول”: “إن اليهود السوريين سعداء لأنهم يعتقدون أن [سوريا] ستصنع السلام مع إسرائيل”، مستدركاً: “أنا سعيد أيضاً، لكن بصفتي سورياً أولاً. لم نعد نريد الحرب بعد الآن”.

ومنذ انضمامه إلى معسكر لوباتين، أسّس ججاتي “مؤسسة الفسيفساء السورية”، وهي الجهة المظلّة التي تستضيف وفود لوباتين، وتوفّر الدعم اللوجستي والميداني. وتعرّف المنظمة، التي يستحضر اسمها النسيج الاجتماعي المتنوع إثنياً ودينياً في سوريا، مهمتها بأنها “قيادة جهود حفظ التراث، ودفع تنمية المجتمعات، وبناء شراكات عابرة للثقافات تُحدث تغييراً مستداماً”.

صمت استراتيجي

حافظ هنري حمرة، وهو مرتّل يهودي مقيم في بروكلين وينحدر من دمشق، وشارك في وفد شباط/ فبراير، على شراكته مع معاذ مصطفى في “فريق الطوارئ السوري”. وبعد عودتهما من دمشق، نجح الاثنان في الضغط على واشنطن من أجل تخفيف العقوبات، مقدّمين الانخراط اليهودي الأخير مع سوريا بوصفه دليلاً على وفاء الحكومة الجديدة بالتزامها المعلن بالتعددية.

وتنخرط تحركات حمرة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، لكنها تمتنع عن التطرق مباشرة إلى مسألة إسرائيل.

وقال حمرة لـ“سوريا على طول”: “حلمي هو إحياء الهوية اليهودية في سوريا”، لافتاً إلى أنه لا يميل إلى العمل السياسي. وأوضح أن حلمه نابع من ارتباط شخصي بدمشق، التي غادرها مع عائلته وآلاف من أبناء مجتمعه عندما كان مراهقاً في أوائل تسعينيات القرن الماضي.

وكان والد هنري حمرة، يوسف حمرة، آخر حاخام يغادر دمشق، وقد رافق ابنه في زيارة شباط/ فبراير 2025. وقال حمرة إن دخوله إلى كنيس الفرنج، حيث كان يقود الصلوات في السابق، أعاد إليه سيلاً من الذكريات.

وقال ستيفن هايدمان، الخبير في الشأن السوري ورئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية سميث: “إنها استراتيجية مناسبة تماماً لليهود المهتمين بزيارة سوريا ألا يسمحوا لزياراتهم بأن تتشابك مع القضايا الدبلوماسية الصعبة جداً التي لا تزال عالقة بين إسرائيل وسوريا”، مضيفاً: “ما شهدناه، مع تحرك إسرائيل لترسيخ موقعها في جنوب سوريا، أدى إلى تشدد في موقف الحكومة [السورية] الانتقالية”.

أدّت الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة السورية منذ تولّي الرئيس أحمد الشرع السلطة في كانون الأول/ ديسمبر 2024 إلى تجدد حالة العداء الطويلة بين البلدين. وبذريعة أن الحكومة الانتقالية تشكّل “تهديداً متصاعداً”، دفعت إسرائيل بقواتها إلى المنطقة العازلة منزوعة السلاح سابقاً داخل الحدود الجنوبية لسوريا، وقصفت وزارة الدفاع في دمشق، وسلّحت فصائل درزية في السويداء التي اشتبكت مع قوات الحكومة في تموز/ يوليو الماضي.

وفيما يجعل هذا السياق نهج لوباتين مهمة شاقة، فإن تركيز حمرة الثقافي حقق اختراقات في كل من دمشق وواشنطن. ففي واشنطن، شكّل توظيف هوية يهودية سورية منفصلة عن إسرائيل ثقلاً مضاداً مؤثراً في مواجهة الرسائل الإسرائيلية الداعية إلى إبقاء عقوبات “قانون قيصر” سارية.

وقال مصطفى، الذي قاد جهود الضغط: “كان هناك جهد كبير، لا سيما من قبل بنيامين نتنياهو و[مستشاره] رون ديرمر، للإبقاء على قانون قيصر”، مضيفاً: “إن الاستماع مباشرة من المجتمع اليهودي السوري إلى أنهم لا يستطيعون إعادة ترميم أقدم كنيس في العالم ما دامت عقوبات قيصر قائمة، كان جزءاً مهماً من عملية اتخاذ القرار لدى بعض أعضاء [الكونغرس] الذين غيّروا مواقفهم”.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، رشّح حمرة نفسه في أول مجلس شعب سوري بعد حكم الأسد، متعهداً بتعزيز الوحدة الوطنية والضغط على الولايات المتحدة من أجل تعاون اقتصادي. ولم ينجح في الانتخابات غير المباشرة الأولية، إلا أن ترشحه لا يزال قائماً، إذ لم يتم الإعلان عن الثلث الأخير من المقاعد، التي يعيّنها الرئيس الشرع مباشرة.

ملصقات انتخابية لهنري حمرة، المرشح البرلماني السوري الأميركي وابن آخر حاخام غادر دمشق في تسعينات القرن الماضي، معلّقة على جدار في دمشق قبيل الانتخابات غير المباشرة، 03/ 10/ 2025، (أ ف ب)

ملصقات انتخابية لهنري حمرة، المرشح البرلماني السوري الأميركي وابن آخر حاخام غادر دمشق في تسعينات القرن الماضي، معلّقة على جدار في دمشق قبيل الانتخابات غير المباشرة، 03/ 10/ 2025، (أ ف ب)

وسجّل حمرة مؤسسته “التراث اليهودي في سوريا” (JHS) رسمياً في دمشق، لتكون أول منظمة غير حكومية يهودية في البلاد. ومن خلال هذه المؤسسة، يعمل على تنظيف المقابر اليهودية القديمة، وترميم الكُنس، والتعامل مع بيروقراطية معقدة، عبر التنسيق بين المسؤولين السوريين في دمشق وأبناء الجالية في الشتات في بروكلين، بهدف إعادة الممتلكات اليهودية المصادَرة إلى أصحابها.

وقال: “أريد أن أُطمئن المجتمع اليهودي السوري بأنه لا يوجد ما يدعو للخوف، وأن يعودوا ليروا ما لدينا في سوريا”.

وأوضح مصطفى، خلال اتصال هاتفي مشترك مع حمرة، أن إسرائيل “خارج إطار النقاش تماماً، ولا علاقة لها بما يجري في سوريا”، مضيفاً: “الأمر يتعلق بوطن تاريخي مقدّس بالنسبة للمجتمع اليهودي السوري. وقد تكون لذلك تبعات – أو لا – على العلاقات السورية-الإسرائيلية، لكنها ليست موضع تركيز، ولم تُطرح أصلاً في أي اجتماع مع [المسؤولين السوريين]”.

نهج جريء

في المقابل، لا يتردد لوباتين في الخوض بالمساحة الحساسة للعلاقات السورية-الإسرائيلية. وقد شملت وفودُه حتى الآن محادثات مع مسؤولين، من بينهم قتيبة إدلبي في وزارة الخارجية، ووزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات.

ووصف مشاركان – الأستاذ لورنس شيفمان من قسم الدراسات العبرية واليهودية في جامعة نيويورك، والأستاذة سوزانا هيشل من قسم الدراسات اليهودية في جامعة دارتموث – مواقف المسؤولين السوريين في تلك المحادثات بأنها حذرة ومتفائلة وبراغماتية تجاه إسرائيل. وعكست النقاشات التصريحات العلنية التي تفيد بانفتاح سوريا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، مع التأكيد على أن ذلك مشروط بانسحاب القوات الإسرائيلية.

وقال هايدمان: “في البداية، كانت هناك بوادر انفتاح من جانب الحكومة الانتقالية، وقد جرى تجاهلها إلى حد كبير في إسرائيل. والآن، ثمة أصوات داخل إسرائيل ترى في ذلك فرصة ضائعة”. ومن خلال وفوده، يسعى لوباتين جزئياً إلى تدارك تلك الفرصة الضائعة.

وحققت رحلة لوباتين في كانون الأول/ ديسمبر 2025 تقدماً في إنشاء منصات للتبادل الثقافي بين يهود أميركيين وسوريين. وقد اطّلع عدد من الأكاديميين على لوحات دورا أوروبوس، التي تُصوّر مشاهد من الكتاب العبري، وعلى قطع أثرية من كنيس جوبر الذي تعرّض للقصف، وهي محفوظة في المتحف الوطني بدمشق.

ويأمل الفريق في إقامة شراكات بين المتحف، الذي يضم قطعاً يهودية مهمة، وجامعات أميركية تستضيف باحثين مهتمين بدراستها، وذلك من خلال مؤتمرات أكاديمية تجمع أفراداً من كل مؤسسة للتبادل الفكري.

وبحسب مسؤول في المتحف الوطني، يجري العمل على عقد شراكة، وقد أبدت جامعة نيويورك، حيث يدرّس الأستاذ لورنس شيفمان، اهتماماً بهذه الفكرة، إذ منحت الجامعة الموافقات المالية والتنظيمية اللازمة لسفر شيفمان إلى دمشق ضمن أول رحلة نظّمها لوباتين في أيلول/ سبتمبر الماضي.

ويأمل لوباتين أن تسهم هذه التبادلات في تعزيز الروابط الفردية والمؤسسية، وأن تؤدي دور قناة خلفية للدبلوماسية في وقت تتعثر فيه المفاوضات الرسمية. لكن هذه الجهود باتت موجهة بشكل متزايد إلى إسرائيل لا إلى سوريا.

وقال لوباتين: “أحد الأهداف هو التأثير على إسرائيل لنقول: يا جماعة، هناك الكثير من الإمكانات للصداقة”، لافتاً إلى أنه من خلال تجربته في التواصل مع مسؤولين إسرائيليين، من أعضاء في وزارة الخارجية إلى رون ديرمر، شعر بالإحباط من الموقف الإسرائيلي البارد، وتابع: “إسرائيل هي التي تحتاج إلى دفع. أود أن أرى إسرائيل أكثر انفتاحاً تجاه هذه الحكومة الجديدة”.

ويأمل أن تؤدي جهود “نشر حسن النية” في سوريا إلى تشكيل عامل توازن في مواجهة العداء الإسرائيلي، بحيث “يشعر السوريون بالمودة من قبل اليهود الأميركيين، ويسهم ذلك بطريقة ما في التخفيف من الآثار السلبية لما يصدر عن إسرائيل، لأن ما تقوم به لا يجعل السوريين سعداء”، على حدّ قوله.

ويخطط لوباتين في رحلته المقبلة اصطحاب قادة أعمال يهود إلى سوريا، على أمل أن تسهم الحوافز الاقتصادية في دفع الأمور إلى الأمام.

يهودي سوري ينظر إلى أنقاض كنيس إلياهو النبي (كنيس جوبر) في الأطراف الشمالية الشرقية لدمشق خلال زيارة من الولايات المتحدة، 18/ 02/ 2025، (أ ف ب)

يهودي سوري ينظر إلى أنقاض كنيس إلياهو النبي (كنيس جوبر) في الأطراف الشمالية الشرقية لدمشق خلال زيارة من الولايات المتحدة، 18/ 02/ 2025، (أ ف ب)

وبينما يدرك المسؤولون السوريون أن مجموعة لوباتين تبدي اهتماماً برؤية تحسّن في العلاقات مع إسرائيل، فإنهم مع ذلك وجّهوا دعوات للمجموعة واستضافوهم كضيوفٍ رسميين، كما قال هو ومشاركون آخرون.

وأضاف هايدمان: “تدرك الحكومة السورية تماماً أن كيفية تعاملها مع الجالية اليهودية السورية في الشتات تخضع لمراقبة دقيقة، ويُنظر إليها كمؤشر على ما إذا كانت مستعدة ليس فقط للحديث عن التعددية والاندماج، بل لاتخاذ خطوات فعلية في هذا الاتجاه”.

وفي هذا الشهر، أعلنت وزارة الداخلية السورية أنها ألقت القبض على خمسة أشخاص على صلة بمخطط لقتل الحاخام مايكل حوري، وهو من بين الذين زاروا سوريا منذ سقوط نظام الأسد وشاركوا في إعادة افتتاح كنيس الفرنج في دمشق. وتتهم الحكومة السورية “حزب الله” بالضلوع في ذلك، وهو ما تنفيه الجماعة اللبنانية المسلحة.

وفي حين رحّبت الحكومة السورية بالوفود اليهودية، فإن الاتجاهات الأوسع في معاملة الأقليات بقيت متباينة، مع وقوع حوادث عنف قائمة على الهوية استهدفت أفراداً من الأقليتين العلوية والدرزية في البلاد. وبينما اتخذت الحكومة في دمشق خطوات نحو المساءلة عمّا تصفه بـ”انتهاكات فردية”، لا يزال منتقدوها في الداخل والخارج يشككون في مدى التزامها.

ومع ذلك، كما يشير هايدمان، عندما تستند إسرائيل إلى هذا السجل بوصفه دليلاً على استمرار النزعات المتطرفة لدى الحكومة الجديدة، ومبرراً لمواصلة سياساتها العدائية، فإنها تعتمد معياراً مزدوجاً صارخاً بالنظر إلى تعاملها مع الفلسطينيين، من هجمات المستوطنين في الضفة الغربية إلى ما وصفه خبراء في الأمم المتحدة وحقوق الإنسان بأنه إبادة جماعية في غزة.

موقف حذر

بالنسبة للحاخام إيلي عبادي، الذي فرّ والداه من حلب، ويشغل حالياً منصباً فخرياً في دولة الإمارات العربية المتحدة باسم “الحاخام الأكبر”، فإن حماسة كلا المعسكرين تجاه الحكومة الجديدة سابقة لأوانها. وعلى الرغم من تفاؤله الحذر، أحجم عبادي – الذي ولد في لبنان لأبوين فرّا من حلب – عن اغتنام فرص السفر إلى سوريا، إيماناً منه بضرورة “الانتظار والترقب” لمعرفة ما إذا كانت الحكومة السورية ملتزمة حقاً باحترام جميع الأقليات.

وفي غياب هذا الالتزام المثبت، يرى عبادي أن ترحيب الحكومة السورية بالوفود اليهودية ينبع من اعتبارات استراتيجية، قائلاً لـ”سوريا على طول”: “تعتقد دول كثيرة أن الوصول إلى الحكومة الأميركية يتطلب المرور عبر اليهود، وهو أمر لا أعتقد أنه صحيح، لكن هذا ما يظنونه”، وأضاف: “حتى الإمارات كان لديها هذا التصور”.

وخلال العقد الذي سبق توقيع الإمارات على “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، التي طبّعت علاقاتها مع إسرائيل، كان عبادي يستضيف بانتظام شخصيات إماراتية بارزة في كنيس إدموند ج. صفرا في مانهاتن. وقال إن تلك الحوارات، التي تمحورت حول التعايش الديني في حقبة الأندلس واهتمام الإمارات بإحياء هذا النموذج داخل حدودها، كانت “عوامل محفّزة لتسريع ذلك التطبيع”، معتبراً أن مثل هذه الروابط غير الرسمية بين الناس يمكن أن “توضح أموراً لا يمكن توضيحها على المستوى الرسمي”.

لكن عبادي يحذّر من أن التاريخ بين سوريا وإسرائيل – باعتبارهما رسمياً في حالة حرب منذ عام 1948 – يجعل أي مسار نحو التطبيع محلّ شك، قائلاً: “هناك بعض أوجه التشابه، لكن من الناحية التاريخية، نحن أمام سياقات مختلفة تماماً”.

وتتمثل إحدى مهام عبادي في إبراز وجهات نظر يهود الشرق الأوسط ضمن الحوار اليهودي، الذي يقول إنه يهيمن عليه عادة الصوت الأشكنازي. ويأمل في العمل مع مؤسسات يهودية سفاردية في بروكلين واللقاء بالرئيس أحمد الشرع خلال زيارة مستقبلية إلى دمشق.

وبحكم اللغة والعادات المشتركة، يرى أنه سيكون قادراً على تجاوز التعقيدات الدبلوماسية والدفع نحو التقدم بشكل أكثر فاعلية من وفود لوباتين. وقال: “عندما أتحدث مع قادة عرب، أحمل معي الثقافة العربية وأمثالها وأغانيها. فوراً تنهار أي حواجز”، مضيفاً: “إذا كان المتحدث يهودياً لا ينحدر من الشرق الأوسط ولا يعرف الثقافة، فإن الحاجز سيبقى قائماً دائماً”.

العودة إلى بروكلين

بينما تجلس العائلات حول مائدة عشاء الشبات في بروكلين، يستعيد ججاتي ذكرياته وآماله تجاه سوريا. ففي الزيارة الثانية التي قادها لوباتين في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قام بتنسيق إرسال لحم (كوشير)، أي اللحم الحلال بالنسبة لليهود، إلى مطعم في دمشق، حتى تتمكن البعثة من تناول وجبة كاملة في الليلة الأخيرة من عيد الحانوكا.

وقال ججاتي بفخر في مقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي: “هذا هو المكان الوحيد الذي يمكنك فيه الحصول على لحم كوشير في سوريا”.

قد يجد ججاتي وحمرة وعبادي أنفسهم ضمن ثلاثة مسارات مختلفة، لكنهم يشتركون في حلم رؤية الحياة اليهودية تعود إلى سوريا، ويجمعهم رابط مشترك بوطنهم.

يحتوي أرشيف متحف التراث السفاردي في بروكلين على مجموعة من الصور لعائلات يهودية بارزة، توثّق حياتهم في سوريا ورحلاتهم إلى الولايات المتحدة خلال القرن العشرين.

في إحداها، يجلس والد ججاتي إلى طاولة طعام في دمشق. وفي أخرى، يقف عمّ حمرة داخل كنيس الفرنج. وتُظهر صورة ثالثة عائلة عبادي عندما كان طفلًا، خلال إقامتهم الأولى في لبنان. تعكس هذه الصور ذكريات وروابط راسخة صانتها العائلات اليهودية السورية عبر عقود من الزمن.

قد يستغرق البعد الدبلوماسي لزيارات دمشق وقتاً حتى يُترجم إلى نتائج ملموسة، لكن في الوقت الراهن، يبدو أن مجرد العودة إلى الوطن تكفي. وقال حمرة: “سأعود لزيارة سوريا كلما سنحت لي الفرصة”.

شارك هذا المقال