عمّان - مرة أخرى، يعود إلى الواجهة اسم القيادي السوري السابق في هيئة تحرير الشام، جمال زينية، المعروف باسم "أبو مالك التلي" أو "أبو مالك الشامي". فالقيادي الذي اشتهر خصوصاً بكثرة استقالته من "الهيئة"، قبل أن يعود عن قراره في كل مرة، كان قد أعلن قبل أيام، مع مجموعة من الفصائل العسكرية في شمال غرب سوريا، تشكيل "غرفة عمليات فاثبتوا".

وتضم غرفة العمليات الجديدة التي أعلن عنها يوم الجمعة الماضية، خمسة فصائل عسكرية تعتبر قريبة أو تابعة صراحة لتنظيم القاعدة، هي: لواء المقاتلين الأنصار الذي يقوده التلي، وتنسيقية الجهاد، وجماعة أنصار الدين، وجماعة أنصار الإسلام، وتنظيم حراس الدين.

بروز اسم التلي

ينحدر التلي من مدينة التل بريف دمشق. وفيما لا يعرف الكثير عن ماضيه قبل اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، يذكر المغرد السوري الشهير، مزمجر الشام، الذي عايش الجهاديين في سوريا وينقل أخبارهم، أن التلي اعتقل من قبل النظام السوري في العام 2004 بتهمة الانتماء إلى "جماعة الدعوة والتبليغ" التي تعتبر على خلاف كبير مع منهج "القاعدة"، ليخرج بعد أشهر من اندلاع الثورة السورية، "قاعدياً قح"، بحسب "مزمجر الشام".

عقب فترة وجيزة من التحاقه بصفوف الفصائل العسكرية المعارضة في منطقة القلمون الغربي بريف دمشق، على الحدود السورية-اللبنانية، أسس التلي في العام 2012، مع قادة آخرين، فرع جبهة النصرة -التي ستُعرف لاحقاً باسم "جبهة فتح الشام"، ثم "هيئة تحرير الشام"- في القلمون الغربي، وصار لاحقاً قائد ذاك الفرع الذي سيطر على أحد أهم قطاعات "النصرة" الاستراتيجية، نتيجة موقعه الجغرافي على الحدود اللبنانية وتحكمه بطرق التهريب في المنطقة. تالياً، تولى التلي، بحسب ما ذكر مصدر قريب من "النصرة"/"تحرير الشام" لـ"سوريا على طول"، منصب نائب قائد "النصرة" أبو محمد الجولاني.

برز اسم التلي للمرة الأولى بمناسبة حادثة اختطاف "النصرة" لراهبات مدينة معلولا، شمال شرق دمشق، مطلع العام 2014. إذ لعب التلي دور المفاوض الرئيس في صفقة الإفراج عنهن. وهو دور سوف يؤديه أيضاً في صفقة الإفراج عن جنود لبنانيين، في كانون الأول/ديسمبر 2015، كانوا مختطفين لدى فصيله. ويشاع أن التلي جنى ملايين الدولارات في الصفقتين.

على إثر تورطه في ما عُرف بـ"أحداث عرسال" اللبنانية في آب/أغسطس 2014، والتي تم خلالها خطف الجنود اللبنانيين وقتل آخرين، طالب القضاء العسكري اللبناني، في أيار/مايو 2016، بإنزال عقوبة الإعدام بحق التلي، إضافة إلى عشرات السوريين واللبنانيين المتورطين في الأحداث ذاتها. 

لكن في آب/أغسطس 2017، وبعد معارك عسكرية واسعة قادها التلي في القلمون الغربي ومنطقة عرسال ضد القوات الحكومية السورية وحزب الله اللبناني، تم التوصل إلى اتفاق سُمح بموجبه للتلي وعناصره بالانتقال إلى إدلب. وبعد ثلاثة أشهر من ذلك، اغتال مجهولون، في تشرين الأول/أكتوبر 2017، نجل التلي، عروة زينية، البالغ من العمر 15 عاماً، في بلدة حزانو شمال إدلب.

انشقاق عن "تحرير الشام"؟

مع شروع زعيم "النصرة"، أبو محمد الجولاني، بعملية فك الارتباط مع "القاعدة"، بتغيير اسم تنظيمه في العام 2016 إلى "جبهة فتح الشام"، ثم إعلان انفصاله رسمياً عن "القاعدة" وتشكيل "هيئة تحرير الشام" في كانون الثاني/يناير 2017، تعمقت الخلافات بين الجولاني وبين ما يسمى "التيار القاعدي" (الرافض للانفصال عن القاعدة) في الهيئة الوليدة. إزاء ذلك، أطلق عدد من المنظرين الشرعيين في التنظيم، في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، مبادرة "والصلح خير" لحل الخلاف بين الطرفين، والإفراج عن قادة "القاعدة" الذين كان الجولاني قد زجهم في السجن. وإضافة إلى أبو مالك التلي، ممثلاً عن الجولاني، كان من أبرز أعضاء تلك المبادرة: أبو قتادة الألباني، وأبو عبدالكريم المصري، وأبو الهمام السوري.

وحتى الأسبوع الماضي الذي شهد انضمامه إلى "غرفة عمليات فاثبتوا" عقب تأسيسه فصيلاً جديداً يحمل مسمى "لواء المقاتلين الأنصار"، كان التلي أحد أعضاء مجلس الشورى العام في تحرير الشام. مع ذلك، فقد شهدت الفترة السابقة تلميح التلي أو إعلانه صراحة الاستقالة من هيئة تحرير الشام لأكثر من مرة. 

ففي مطلع شباط/فبراير الماضي، على سبيل المثال، أعلن التلي بقاءه في "تحرير الشام"، بعد صراع عاشه مع ذاته، حسب وصفه، عقب يوم واحد من استقالة شرعي "الهيئة" أبو اليقظان المصري. وكما كتب على قناته الرسمية في تطبيق "تلغرام": "أيام عصيبات مرت علي وأنا أعيش في صراع، لا أعلم ما هو الخير لي في مسألة خروجي من هيئة تحرير الشام أو بقائي فيها". مضيفاً: "قد يسر الله لي إخوة أعانوني على حسم أمري ببقائي ضمن هيئة تحرير الشام، والتزامي بالثغر الذي يُوَكل إلي".

وفي 10 نيسان/أبريل الماضي أيضاً، عاد التلي إلى صفوف "تحرير الشام" بعد أيام من إعلانه استقالته من "الهيئة"، احتجاجاً على عدم علمه ببعض سياسات الجماعة وعدم قناعته بها، كما قال. وقد جاءت هذه العودة بعد لقاء جمع التلي بالجولاني، الأمر الذي احتفى به قادة "الهيئة" على حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفيما كشف المصدر المقرب من "تحرير الشام" عن أن "المرات التي خرج فيها أبو مالك [من الهيئة] ولم يعلن عنها أكثر من التي أعلن عنها بكثير"، فإن خروجه الحالي قد يكون مختلفاً.  

فرغم أنه لم يعلن حتى الآن انشقاقه عن الهيئة، فإن خروجه إلى تشكيل عسكري جديد يجمع بقايا التيار المتشدد في الهيئة الرافضين لفكرة تحول سياسة "تحرير الشام" العامة إلى فصيل معتدل، يبدو أقرب إلى إعلان انشقاق ضمني عن التنظيم، لاسيما وأن التلي يحسب على التيار المتشدد في الهيئة، الرافض للاتفاق الروسي-التركي.

كذلك، نشرت وكالة إباء التابعة لهيئة تحرير الشام، مطلع الشهر الحالي، صوراً قالت إنها تعود إلى ملتقى جمع أهالي مدينة التل المهجرين إلى إدلب، ظهر فيها التلي إلى جانب مجموعة أخرى من الشخصيات، مثل أبو خالد التلي، نائب أبو مالك حينما كان أميراً لقطاع القلمون الغربي. وهو ما فسره البعض بأنه محاولة من التلي لحشد حاضنته.  

أما بشأن تأثير خروجه على هيئة تحرير الشام، فإنه على الرغم من كون "أبو مالك رجل معارك وشجاع ومحبوب، إلا أن خروجه من الهيئة لن يؤثر على مسيرتها"، بحسب المصدر المقرب من "تحرير الشام".