عمان- في الأول من آب/ أغسطس الحالي، عُقدت الجولة الثالثة عشرة من مباحثات "أستانة" في العاصمة الكازاخية، وسط أجواء مشحونة داخل الأوساط الشعبية السورية المعارضة.

فقد سبق هذه الجولة تصعيد غير مسبوق من قبل القوات الحكومية السورية والمليشيات المتحالفة معها، إضافة إلى الطيران الروسي، على ريفي حماه الشمالي وإدلب الجنوبي، أدى منذ بدئه أواخر نيسان/أبريل الماضي، إلى مقتل وإصابة آلاف المدنيين، وتشريد عشرات آلاف آخرين، مع استهداف ممنهج للمنشآت الطبية والخدمية المدنية في المنطقة.

وفيما أعلنت الدول الضامنة في اليوم الأول من جولة "المفاوضات" الأخيرة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في محافظة إدلب، فقد بدا سريعاً أن هذا الاتفاق لم يكن إلا لعقد جولة "المفاوضات" التي ما إن اختتمت نقاشاتها حتى عاد التصعيد الحكومي-الروسي بالحدة ذاتها.

تعد إدلب والمناطق المحيطة بها في أرياف حماه واللاذقية وحلب، والخاضعة لسيطرة المعارضة السورية أو تتواجد فيها، واحدة من ثلاث "مناطق خفض تصعيد" أقرتها روسيا وإيران وتركيا في أستانة ذاتها في أيار/ مايو 2017. وهي تشمل إضافة إلى إدلب كلاً من الغوطة الشرقية لدمشق، وأجزاء من محافظة حمص. بينما تم إنشاء منطقة خفض التصعيد في جنوب سوريا، في تموز/يوليو 2017، باتفاق أميركي-روسي مستقل.

الأهداف المعلنة لإنشاء مناطق خفض التصعيد الأربع، كانت الحد من المواجهات العسكرية بين قوات الحكومة والمعارضة السورية، وإيصال المساعدات إلى المدنيين، وتأهيل مرافق البنية التحتية، وخلق الظروف المؤاتية لعودة اللاجئين والنازحين طوعياً إلى مناطقهم، وصولاً إلى حل سياسي للحرب في سوريا.

لكن مع انعقاد الجولة الثالثة عشرة قبل أيام، كانت ثلاث من مناطق خفض التصعيد قد تحوّلت من سيطرة فصائل المعارضة إلى سيطرة حكومة دمشق والمليشيات المتحالفة معها. فيما يعاني أكثر من ثلاثة ملايين مدني من ظروف إنسانية وأمنية صعبة في منطقة خفض التصعيد الرابعة في إدلب وجوارها، بينهم نازحون جرى تهجيرهم، بشكل مناقض تماماً لاتفاقات أستانة، من مناطق خفض التصعيد الأخرى.

في هذا السياق، يعتبر المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية الدكتور يحيى العريضي، أن روسيا "ابتدعت ما سمي بمسار أستانة بهدف إجهاض الانتقال السياسي" الذي تضمنه كل من "بيان جنيف" الصادر في حزيران/ يونيو 2012 وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 في كانون الأول/ ديسمبر 2015، باعتبار أن هذا الانتقال يمثل أحد ركائز الحل في سوريا. 

أيضاً، تضمنت "أستانة" بُعداً آخر "أضافه الروس وسُحب من القرارات الدولية" كما يضيف العريضي في تصريحه لـ"سوريا على طول"، وهو "ما سمي في القرارات الدولية "إجراءات بناء الثقة". وتتضمن أموراً إنسانية تتعلق بإطلاق سراح المعتقلين ورفع الحصار عن المناطق المحاصرة وإيصال المساعدة والإغاثة [لقاطنيها]. لكن أيا من هذه الأمور لم يطبق".

وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت في تقرير نشرته في 31 تموز/يوليو الماضي، أي قبل يوم واحد من مباحثات "أستانة" الأحدث، ارتكاب القوات الحكومية وحليفها الروسي، منذ 26 نيسان/أبريل الماضي، 33 مجزرة في منطقة "خفض التصعيد" الرابعة، أودت بحياة 781 مدنياً، بينهم 208 أطفال، و140 امرأة. هذا التصعيد دفع بهيئة التفاوض السورية إلى تعليق مشاركتها في الجولة الأخيرة التي أقيمت مطلع الشهر الحالي، بحسب ما أعلن رئيسها الدكتور نصر الحريري عبر تغريدة له في تموز/ يوليو الماضي. 

ضلوع روسيا في الانتهاكات بحق المدنيين في شمال غرب سوريا حالياً، يبرهن أنها تمارس دورين متناقضين. إذ فيما تعدّ إحدى الدول الضامنة لاتفاق "أستانة" لخفض التصعيد، فإنها تشارك بقوة في العمليات العسكرية، لا سيما عبر القصف الجوي، إلى جانب القوات الحكومية.

كذلك، يلفت العريضي، إلى أنه "إذا كان هناك حل سياسي في أستانة، فإن الروس يريدون تفصيله على مقاسهم ومقاس النظام". مؤكداً في المقابل أن "هيئة التفاوض" تعمل "على التصدي لأي شيء من هذا القبيل، إذ لا ترى حلاً سياسياً إلا من خلال مسار جنيف، وما "أستانة" إلا إلغاء لجنيف ولعملية الانتقال السياسي".