عمان- مع توقف الحملة العسكرية التي شنتها القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها في شمال غرب سوريا، بين نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر الماضيين، كان قد انضم 966,140 سورياً إلى أكثر من 320 ألف نازح سابقاً إلى شمال غرب سوريا، يقيمون في مخيمات قرب الحدود التركية، يبلغ عددها "1153 مخيماً، تضم 242 مخيماً عشوائياً، ظهر 131 منها خلال الأشهر الماضية"، بحسب مدير منظمة "منسقو استجابة سوريا"، محمد الحلاج، في تصريح لـ"سوريا على طول".

لكن إذ نجا هؤلاء من الموت بالقصف، فإنهم يصارعون اليوم لأجل البقاء في مواجهة فصل الشتاء القاسي، لاسيما وأن  121,832 شخصاً من ضمن موجة النازحين الأخيرة، وفقاً للحلاج، ما يزال يفترشون العراء. 

وقد انتشرت بين النازحين الماكثين في خيم قماشية أو بلاستيكية بسيطة لا تقي من المطر والرياح، ناهيك عن البرد القارس، فكرة بناء غرف من الطوب الإسمنتي أشبه بحظائر الطائرات (هنغارات).

وكما روى لـ"سوريا على طول"، أحمد بكور (25 عاما)، النازح من خان شيخون، فقد بقي وعائلته المكونة من 15 شخصاً، تضم أباه وأمه وإخوته، في العراء لنحو "ثلاثة أشهر، ولم نجد منزلاً يؤوينا في ظل وجود الآلاف من النازحين. فبنينا مؤخراً غرفة تسمى هنا بلوكس [طوب]، كوننا مقبلون على فصل الشتاء ولا يقوى إخوتي الأطفال على تحمل برد العراء، ولا نملك مالا لاستئجار منزل يكفينا جميعاً، [كون] عائلتي كبيرة".

عامل بناء يقف أمام "بولوكس" بريف إدلب الشمالي، 10/12/2019 (سوريا على طول)

 

وتقدر تكلفة بناء "غرفة واحدة مع منافعها [دورة مياه] بحوالي 200 دولار"، وفقاً للحلاج. وهي تكلفة قد تبدو معقولة قياساً إلى إيجارات المنازل في المنطقة، والتي تتراوح بين 100 و350 دولار شهرياً. إلا أنها في الوقت نفسه غرف "لا تتحمل الهزات الأرضية [أي ضغط القصف حولها]. كما إن القبة التي تتم صناعتها غير آمنة، ويمكن أن تنهار في أي لحظة لخلوها من التدعيم"، كما حذر الحلاج.

مشاريع خيرية محدودة

في مسعى لتخفيف وطأة النزوح، تبادر بعض المنظمات العاملة في الشمال السوري إلى تنفيذ مشاريع إيواء. لكنها تظل مشاريع محدودة.

إذ مؤخراً تم إنجاز مشروع في مدينة الباب قرب قرية سوسيان، بتمويل من الهلال الأحمر القطري، وتنفيذ هيئة ساعد الخيرية بالتنسيق مع المجلس المحلي لمدينة الباب، كما ذكر الحجاج، "قدم شققاً مجانية للعائلات النازحة في ريف حلب الغربي، وبحيث كانت الأولوية لأسر تعيلها سيدة، أو تضم أيتاماً أو ذوي احتياجات خاصة، وبحيث بلغ مجموع المستفيدين 120 عائلة". 

كما أطلقت منظمة بنيان، في آب/أغسطس الماضي، مشروع تأهيل "80 شقة وجعلها صالحة للسكن في ريفي حلب وإدلب، بشرط إقامة عوائل نازحة فيها لمدة سنة واحدة"، بحسب ما قال منسق مشاريع منظمة بنيان، محمد أحمد، لـ"سوريا على طول". وقد استفاد من المشروع الذي تم استكماله الشهر الماضي "260 عائلة نازحة موزعة على 80 شقة لمقيمين. وبحيث يكون العدد الكلي للعائلات المستفيدة بين مقيمة ونازحة 340 عائلة". 

أحد المستفيدين من المشروع أحمد إبراهيم، يملك منزلاً في ريف إدلب من طابقين. وفيما يقطن وعائلته في الطابق الثاني، تقيم ثلاث عائلات نازحة في الطابق الأول موزعة على ثلاث غرف كبيرة.

وكان إبراهيم قد وافق على شروط "بنيان" بإعادة تأهيل منزله مقابل إسكان ثلاث عائلات لمدة سنة واحدة، باعتبار أن "ما قدمته المنظمة من ترميم عاد بالفائدة علي كمقيم، خاصة وأنني كنت أعيش في بيت مستأجر سابقاً، كما عم بالفائدة النازحين الذين يعانون أوضاعا مأساوية"، كما قال لـ"سوريا على طول". مشدداً على أن "هذه البادرة كانت جميلة جداً؛ فنحن نعيش في منزل واحد ونتعامل بإيجابية، نعيش سوية وكأننا عائلة واحدة".

أما بالنسبة لعبد الرزاق (35 عاما)، والنازح من معرة النعمان، فإن إقامته في منزل إبراهيم عنت "درء برد الشتاء عن أطفالي، وارتحت من حمل هموم دفع إيجار منزل لمدة سنة". معبراً في الوقت ذاته عن قلقه بشأن مصيره بعد مضي مدة الاتفاق، إذ "لا أعلم أين ستكون وجهتي بعد سنة من الآن"، كما قال لـ"سوريا على طول".

على الرغم من تلك الجهود، تظل "استجابة المنظمات بشكل عام لإيواء النازحين ضعيفة جداً" كما أوضح الحلاج، إذ "لا تلبي 2% من احتياجاتهم".

إسكان "حكومي" يلفه الغموض

في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أعلنت ما تسمى "حكومة الإنقاذ" التابعة لهيئة تحرير الشام؛ الفصيل العسكري المسيطر على محافظة إدلب، عن مشروع لإنشاء وحدات سكنية على أراض ذات ملكية عامة في المناطق الحدودية الشمالية بالقرب من باب الهوى، وبما يسمح بإيواء نحو 18 ألف عائلة نازحة.

وبحسب الإعلان، يمكن للراغبين في الاستفادة من المشروع تسجيل أسمائهم لدى المجالس المحلية من دون دفع أي رسوم في المرحلة الأولى، على أن يدفع المكتتب لاحقاً أقساطاً تتناسب مع نسب الإنجاز في شقته. ويشترط للتسجيل أن "تكون أرض [لنازح] محتلة من النظام، وأن لا يملك مأوى دائماً في المناطق المحررة [الخاضعة لفصائل المعارضة]، وأن يكون غير مستفيد من مشروع إسكان آخر"، بحسب مدير الخدمات الفنية بوزارة الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ، المهندس قتيبة الخلف.

وذكر الخلف في تصريح لـ"سوريا على طول"، أنه تم إعداد الدراسات الهندسية كافة للمرحلة الأولى للمشروع، والتي "تضم 104 كتل سكنية، كل منها تضم 16 شقة، ليكون المجموع 1664 شقة، مع ما تحتاجه من مبان إدارية وخدمية". مضيفاً أنه "تم الإعلان عن مناقصة، فازت فيها إحدى الشركات المتعهدة للبناء".

وعزا المسؤول عدم تنفيذ المشروع حتى الآن إلى "عملية نبع السلام في شرق الفرات، وقلة كميات المحروقات الواصلة الى الشمال المحرر حاليا"، ما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار مواد البناء، و"هذا ما جعلنا نتريث في تنفيذ المشروع قليلاً"، لحين انتفاء أسباب التأجيل.

ورغم أن منذر (اسم مستعار)، النازح من ريف حماه، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، سجل في أحد المجالس المحلية التابعة لحكومة الإنقاذ على شقة ضمن المشروع المزمع، إلا أنه شكك في حديثه إلى "سوريا على طول"، في شفافية اختيار المستفيدين، معتبراً أن "المحسوبيات مستشرية في كل مؤسسات حكومة [الإنقاذ]، ولن يكون الوضع مختلفا في حالة مشروع الإسكان". مضيفاً: "كلنا نعلم أن مشاريع حكومة الإنقاذ يعود نفعها على الشرعيين وأقاربهم ومن هو محسوب عليهم فقط".

في السياق ذاته، أشار مصدر مطلع على مشروع الإسكان، فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن حكومة الإنقاذ ترتب أعباء غير مبررة على النازحين الراغبين في الاستفادة من المشروع السكني. إذ ستقام المساكن "على أراض عامة ليست ملكا لأحد، لكن سيجبر النازحون على دفع ثمنها ضمن سعر الشقة".

أيضاً، لفت المصدر في حديثه إلى "سوريا على طول"، إلى أن الإعلان عن المشروع السكني لم يوضح أسعار الشقق، وبالتالي "سيبقى النازحون يجهلون المبالغ التي سيدفعونها". وقبل ذلك "لن يستطيعوا التسجيل في مشاريع سكنية أخرى، رغم عدم تحديد موعد استلام تلك الشقق".

كذلك، يخشى نازحون تواصلت معهم "سوريا على طول" من الضغط على المنظمات العاملة في المنطقة للمساهمة في إنشاء المساكن، ومن ثم تقوم "حكومة الإنقاذ" باستيفاء كامل ثمن الشقة من النازحين. فيما رأى منذر أن مثل هذه المشاريع "تعطي انطباعاً للنازح بأن لا عودة له إلى منزله الذي هجر منه، بالرغم من أن هناك آلاف الأهالي الذين لم تتضرر بيوتهم السكنية في ريف إدلب الجنوبي".

تملك للمقتدرين

بعد وصوله إلى إدلب مهجراً من ريف حمص الشمالي، قرر عماد المهباني الذي امتلك شركة مقاولات في محافظة حمص، افتتاح فرع لشركته في مكان إقامته الحالي في سرمدا بريف إدلب الشمالي، كون النازحين يعانون "من مشاكل الإيجار والتنقلات المستمرة، فيلجأ [بعضهم] إلى شراء شقة تأويهم"، كما قال لـ"سوريا على طول". موضحاً أن العائق الوحيد أمام ذلك هو "الدفعة الأولى للشقة، أما الأقساط فيمكنهم تأمينها من خلال عملهم، وفق ما يخبرني معظم الزبائن من النازحين".

وكما شرح المهباني، فإنه إضافة إلى خيار تسديد المشتري "90% من السعر واستلام الشقة مباشرة، على أن يدفع المبلغ المتبقي عند التسجيل في السجل العقاري"، يوجد أيضاً نظام التقسيط. بموجب الأخير، يدفع المشتري "رسم التسجيل في السجل العقاري [بقيمة] 100$،  والدفعة الأولى للشركة 1000$. وعند صب كل سقف 500$، أما الدفعات الباقية [فتتوزع على] 100$ حتى تسديد كامل ثمن الشقة". 

هذا الأمر مكن عمران الرحال، المهجر من محافظة حمص والمقيم حالياً في سرمدا، من شراء منزل بعد أن ضاق ذرعاً، كما قال لـ"سوريا على طول"، "بالمعاملة الفظة لأصحاب المنازل التي استأجرتها. إضافة إلى رغبتي في الاستقرار". وكما روى، فقد "طلب صاحب المنزل الذي استأجرته بـ29 دولار شهرياً، رفع الإيجار إلى 150 دولار، بحجة أن أحد النازحين الجدد سيدفع له هذا المبلغ". وقد اضطر لدفع الزيادة لعدم وجود منزل بديل. 

لكن لشراء منزل، كان يجب "بيع بعض ممتلكاتي، سيارة وقطعة أرض، في الحولة بريف حمص عن طريق أحد أقاربي هناك، بنصف ثمنها الفعلي، لمعرفة التجار هناك بوضع المهجرين واضطرارهم للبيع". إذ "كانتا تثّمنان بـ14 ألف دولار، لكن تم بيعهما بـ6 آلاف دولار".