عمان - في شباط/فبراير الماضي، أعلن مصرف سورية المركزي عن قرار يقضي بتوسيع نطاق استخدام سعر الصرف "التفضيلي" للدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، والبالغ 700 ليرة للدولار الواحد، في مقابل سعر الصرف الرسمي المحدد بـ435 ليرة، بحيث يشمل السعر التفضيلي أغراض الاستيراد والتحويلات المالية وشراء الدولار من المواطنين.

المصرف المركزي كان اعتمد السعر التفضيلي في 20 كانون الثاني/يناير الماضي، لشراء الدولار الأميركي من المواطنين ومن دون الحاجة إلى تقديم وثائق تُظهر مصدر الحصول على العملة الأميركية، في محاولة لدعم الاحتياطي من العملات الأجنبية، بالتالي، الحد من هبوط  قيمة الليرة السورية والتضخم في الأسعار. لكن ذلك لم يمنع السوريين من استخدام القنوات غير الرسمية (السوق السوداء) للحصول على سعر صرف أعلى، حيث تبلغ قيمة الدولار في السوق السوداء حالياً قرابة 1072 ليرة.

الاستيراد بالسعر الرسمي والتفضيلي

في سبيل مواجهة الأزمة الاقتصادية التي تشهدها سوريا، وما نتج عنها من استياء شعبي حتى ضمن المناطق المؤيدة للنظام، أضافت الحكومة، مطلع شباط/فبراير الماضي، سلع الأرز والسكر والشاي إلى نظام "البطاقة الذكية" المخصصة أصلاً للمشتقات النفطية، بحيث يستطيع المواطنون الحصول على كميات محددة من السلع السابقة بأسعار مدعومة تقل عن سعر السوق. إلا أن شكاوى السوريين من نقص المواد المدعومة في منافذ البيع المحددة، دفعت الحكومة إلى تمويل بعض الأصناف المستوردة بسعر الصرف الرسمي (435 ليرة)، فيما تخضع أصناف أخرى للسعر التفضيلي (700 ليرة).

إذ في شباط/فبراير الماضي، تم السماح للمؤسسة السورية للتجارة، وهي الجهة المعتمدة من الحكومة لبيع السلع المدعومة عبر البطاقة الذكية، باستيراد 11 سلعة أساسية، بما في ذلك الأرز والسكر والشاي، بسعر الصرف الرسمي. كما سمح "المصرف المركزي" للبنوك العامة والخاصة بتمويل 41 سلعة، من قبيل القمح، وحليب الأطفال الرضع، والأعلاف الحيوانية، وقطع غيار المعدات الصناعية، بسعر الصرف التفضيلي. 

مع ذلك، فإن بيانات نشرها "تقرير سوريا"، وهو موقع اقتصادي متخصص، تكشف عن أن أسباب مشكلة التضخم في سوريا أعمق من انهيار الليرة، وقد سبقت الانهيار الأخير في أيلول/سبتمبر 2019، حين سمح "المركزي" بتمويل 40 سلعة أساسية مستوردة من احتياطي العملات الأجنبية لديه.

العودة إلى "أسعار صرف متعددة"

العمل بموجب السعر التفضيلي لأنشطة اقتصادية محددة ليس جديداً في سوريا. إذ "في ستينات القرن الماضي، سعت حكومة [حزب] البعث إلى دعم الصناعة المحلية من خلال تبني برنامج يقوم على إحلال المنتجات المحلية محل المستوردة. وكجزء من ذلك البرنامج، تم وضع نظام صرف بأسعار متعددة من أجل توزيع السوق على قطاعات مختلفة وحماية صناعات معينة من تدفق الواردات الرخيصة"، كما قال ديفيد باتر، المحلل السياسي والاقتصادي في معهد تشاتام هاوس، في لندن، لـ"سوريا على طول".

لكن العمل بـ"أسعار صرف متعددة" في العام 2020، كما أضاف باتر، "لا يهدف إلى تحفيز الاقتصاد الوطني، بل يمثل أحد التدابير لوقف الفجوة بين سعر صرف السوق السوداء وسعر الصرف الرسمي"، وتالياً "تخفيف الضغط الزائد على احتياطات العملات الأجنبية، والسيطرة على المعاملات بالنقد الأجنبي، وإيقاف التضخم".

وتقوم سياسة تعدد أسعار الصرف على مبدأ سحب المصرف المركزي النقد الأجنبي، ومن ثم تخصيص كميات محددة منه لأنشطة معينة بأسعار صرف مختلفة بحسب أولوياتها. وهو ما عمد إليه "المصرف المركزي" في قراره الأخير الذي حدد بموجبه 11 سلعة يتم استيرادها بسعر الصرف الرسمي (435 ليرة)، و41 سلعة بالسعر التفضيلي (700 ليرة). 

فوق ذلك، تسمح هذه السياسة لدمشق بتحقيق أغراض سياسية من خلال توجيه السوق لصالح بعض القطاعات وشبكات الأعمال على حساب أخرى، كونها هي من يتحكم في توزيع الدولارات، ولها القرار النهائي في إعطاء الأولوية لسلع دون أخرى. إذ يسمح ذلك بمكافأة المؤيدين عبر إصدار تراخيص استيراد خاصة بهم.

في السياق ذاته أيضاً، اعتبر الباحث الاقتصادي السوري يونس الكريم أن السعر التفضيلي هدفه "إعادة تقييم الخدمات والسلع في الموازنة العامة"، وأن "الأمر متعلق بالسلطة المالية والعقود التي وقعها النظام لصالح الروس والإيرانيين، ورغبات النظام وخطته الاستثمارية".

وكما أوضح الكريم في حديثه إلى "سوريا على طول"، فإن "دمشق لم تغير سعر الصرف منذ بدء هبوط الليرة مقابل الدولار في آب/أغسطس 2018، إذ حافظت على سعر 435 ليرة للدولار الواحد في الموازنة العامة بهدف إفشال مؤسسات عامة في الدولة وطرحها للمزاد والبيع واستغلالها من قبل حلفاء النظام ورجاله". مضيفاً أن "تصاعد الرفض والاحتجاج على الواقع الاقتصادي من قبل الموالين، دفع النظام إلى تدارك الموقف وطرح سياسة السعر التفضيلي لإقرار سعر أقرب إلى سعر السوق". كما أن "استخدام السعر التفضيلي بعد الأزمة الاقتصادية في لبنان يهدف إلى جذب أموال المنظمات التي تحول أموالها إلى لبنان ومن ثم سوريا، وهو ما "لم ينجح لأن الفارق [بين السعر التفضيلي والسوق السوداء] ما يزال كبيراً".

"سرقة موصوفة"

مع اتساع الفرق بين سعري الصرف الرسمي والموازي (السوق السوداء)، يزداد نشاط وحركة السوق السوداء، ما مكن كثيراً من رجال الأعمال وشركات الصرافة من جني أرباح ضخمة، وقاد، بدوره، بحسب الكريم، إلى "توقف الكثير من المستثمرين والمستوردين عن القيام بأعمالهم في الاستيراد وتغطية احتياجات النظام. إذ اتجهوا للمضاربة على سعر الصرف، ما تسبب في الضغط على النظام وفقدان السلع وارتفاع أسعارها". معتبراً ذلك "سرقة موصوفة تضاف الى عمليات السرقة السابقة التي يتحفنا بها وزير المالية وحاكم المصرف المركزي".

وهو ما كانت أشارت إليه لمياء عاصي، وزيرة الاقتصاد السورية السابقة، في منشور على صفحتها على "فيسبوك" في 3 شباط/فبراير الماضي، بأن "الأسعار المتعددة للدولار: السعر الرسمي 436، السعر التفضيلي 700، سعر المصدرين 805، سعر السوق السوداء؟؟؟؟ هي طريقة للتربح غير المشروع، والخاسرون هم  المواطن والدولة...!".

قبل ذلك، في كانون الثاني/يناير الماضي، قالت عاصي لوكالة الأنباء الروسية "سبوتنيك"، إن "السياسات النقدية الحالية في سوريا لم ترتق لمستوى التحديات الحالية ولا يمكن فهمها في ظل اقتصاد وطني يعاني الأمرين، من تداعيات حرب قذرة وتضخم وقلة موارد وظروف معيشية قاسية، إذ إن السعر الرسمي لصرف الدولار الذي أعلنه وثبته المصرف المركزي هو 435 ليرة للدولار بينما تجاوز سعره في السوق السوداء حاجز الـ1000 ليرة".

وأضافت: "هذا الفرق الكبير يعتبر طارداً للحوالات الخارجية التي يمكن أن يرسلها السوريون في بلاد الاغتراب. فكيف يمكن الاستغناء عن مصادر الدولار في وقت فيه شح للموارد العامة للدولة، وفي سياستنا النقدية غير المتسقة مع أبسط المبادئ الاقتصادية، يعتبر سعر الفائدة المعلن عنه غير متناسب مع معدل التضخم وسعر الصرف في البلد، ومع ذلك يصر المركزي على سياسة مالية بالرغم من عدم نجاعتها".

تضييق القنوات غير الرسمية

رغم أن السوريين يمكنهم نظرياً الحصول على سعر أعلى بكثير للدولار في السوق السوداء مقارنة بالقنوات الرسمية، فإن الحكومة، وفقاً لمجموعة من القرارات التي أصدرتها، جعلت خطراً التداول في السوق السوداء. 

ففي كانون الثاني/يناير الماضي، أصدر بشار الأسد مرسومين رئاسيين يجرمان استخدام العملات الأجنبية وأسعار الصرف غير الرسمية. ومنذئذ، تنشر وكالة الأنباء الحكومية "سانا" ووسائل الإعلام الموالية للحكومة بشكل منتظم أخباراً عن اعتقال أشخاص يتعاملون بالعملات الأجنبية، وعن إغلاق شركات الصرافة المتورطة في "سلوك غير مشروع".

على سبيل المثال، أعلنت وزارة الداخلية، في 12 شباط/فبراير الماضي، أن فرع الأمن الجنائي في مدينة حمص قام بمداهمة وإغلاق محل للهواتف المحمولة لتعامله بالعملات الأجنبية، وأن أصحاب المحل كانوا يحملون 10,000 دولار و103,000 ليرة سورية، تمت مصادرتها وتسليمها للمصرف المركزي.

وعلى صفحة الوزارة  على "فيسبوك"، تم نشر صور تُظهر المعتقلين من الخلف ووجوههم إلى الجدار، إلى جانب صور الدولارات الأميركية التي كانت بحوزتهم. وقد حصل المنشور على ما يقارب 2000 إعجاب، بالإضافة إلى العديد من التعليقات والمشاركات التي أشادت بتصرف الحكومة.

لكن جوزيف ضاهر، الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة لوزان، كان قد اعتبر في تصريح سابق لـ"سوريا على طول" أن "الحكومة السورية تتخذ إجراءات لإظهار أنها تقوم بعمل ما"، مشككاً في أن تكون هذه الاعتقالات فعالة في القضاء على المضاربة على العملة الوطنية، وفي تثبيت قيمة الليرة ووقف انهيارها.

وهو ما أكد عليه باتر، إذ "طالما كان هناك مجال للفساد، فإن المتداولين والمستثمرين سيحاولون الحصول على العملات الأجنبية مباشرة من الأسواق الموازية إذا كانت متاعبها أقل".

طمأنة رجال الأعمال

على الرغم من الإعلان الرسمي عن السعر التفضيلي الجديد، فإن الخوف من معاقبة بعض المستوردين لاستخدامهم العملات الأجنبية دفع كثيرين منهم إلى طلب تطمينات من المصرف المركزي بأنه لن تطالهم عقوبات. 

في هذا السياق، عقد حازم قرفول، محافظ المصرف المركزي السوري، اجتماعاً مع اتحاد غرف التجارة السورية، أعلن خلاله الاستعداد لمناقشة الإجراءات والتدابير مع التجار الذين يحملون تراخيص لاستيراد البضائع بالعملات الأجنبية، طالما تم إجراء الصفقات "داخل القنوات الرسمية فقط". ويشمل ذلك تمويل الاستيراد من قبل البنوك ومحال الصرافة والمصرف المركزي نفسه، إضافة إلى موارد التجار ورجال الأعمال الشخصية.

وقال قرفول إن هذه الإجراءات سيتم تنسيقها مع وزارة الداخلية وهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة في ضوء المرسومين الرئاسيين اللذين صدرا في كانون الثاني/ يناير الماضي.

في المقابل، شدد ممثلو اتحاد الغرف التجارية السورية على أهمية التأكد من أن المعاملات تتم داخل القنوات الرسمية من خلال التعاون مع المصرف المركزي، ونشر توضيحات بشأن الإجراءات اللازمة، وعقد ورش عمل وندوات حول تنفيذ المرسومين السابقين، ودعم العملة الوطنية.

وبحسب باتر، فإن الحكومة "ترغب في إحياء الواقع التجاري والصناعي في حلب"، بعد أن استعادت القوات الحكومية كامل محافظة حلب هذا الشهر. إذ تحاول الحكومة "إقناع رجال الأعمال والشركات بالعودة من تركيا ومصر ودبي وأوروبا، لتعود حلب مركزاً صناعياً وتجارياً"، بحسب باتر.

أيضاً، طمأن قرفول المستوردين والمصدرين في المناطق الحرة بأنهم لن يتعرضوا للعقاب ما داموا يستخدمون القنوات الرسمية. وبعد تصريحات قرفول قال فهد درويش، رئيس اللجنة العليا للمستثمرين في المناطق الحرة، لـ"صحيفة الوطن" الموالية إنه "يمكن للمستوردين تمويل إجازاتهم من شركات الصرافة المرخصة، للمواد التي لا يموّلها مصرف سورية المركزي مباشرة". مضيفاً أنه تلقى تأكيداً من حاكم "المركزي" بأن المعاملات بالعملات الأجنبية مسموح بها في المناطق الحرة لأن المرسومين 3 و4 لا ينطبقان على هذه المناطق أو الشركات الأجنبية، حتى لو كان المستثمرون الرئيسون فيها سوريين.

كما ذكر درويش أن قرفول وعد المستثمرين والمعنيين في المنطقة الحرة بالعمل على إعادة فروع المصارف الأجنبية والعربية إلى المناطق الحرة للمساعدة في تخفيف تمويل الواردات، وخاصة المدخلات الصناعية. إذ قبل العام 2012، كانت هناك سبعة بنوك تعمل في المناطق الحرة، لم يبق منها اليوم سوى بنك واحد.

وحتى الآن، ما يزال من غير الواضح عدد الشركات والمستثمرين الذين سيعودون إلى سوريا من الخارج. إذ إن مدى ثقة رجال الأعمال بالاقتصاد السوري يبقى سؤالاً مفتوحاً. وهو ما يعني بدوره، في ظل استمرار معاناة الحكومة مع نقص العملات الأجنبية، أن إعادة الإعمار ما تزال فكرة بعيدة المنال.