أطراف الصراع في سوريا والقوى الدولية تستعد لمعركة إدلب "لا يوجد أي مسار واضح في المستقبل"

مقاتلو هيئة تحرير الشام يجرون تدريبات عسكرية في إدلب، آب. عمر حاج قدور/ AFP.

 

بعد ارتفاع وتيرة قصف قوات الحكومة، هذا الأسبوع، لمناطق شمال حماة وجنوب إدلب، بدأ نحو  ٧٠ ألف مقاتل من فصائل المعارضة والجماعات الإسلامية المتشددة بالحفر والاستعداد لما قد تكون معركتهم الأخيرة قريباً.

ولم تفض المحادثات السياسية إلى أية نتيجة، في حين أن الحديث عن حملة برية وشيكة، للقضاء على ما تبقى من المعارضة المسلحة في سوريا، يتزايد، كما أن تعقيدات المشهد السياسي في إدلب - الذي يحدده تداخل كيانات معارضة ومناطق تابعة لها - يعني أن مناطق السيطرة غالباً ما تكون غير واضحة من مجموعة إلى أخرى، وغالباً ما تتداخل الجماعات الإسلامية المتشددة، التي تهيمن عليها إلى حد كبير هيئة تحرير الشام، مع القوات المدعومة من تركيا، بما في ذلك قوات الجبهة الوطنية للتحرير، فضلاً عن الجماعات الصغيرة المستقلة.

وتقع المحافظة عند مفترق طرق مهم للغاية - فهي عالقة بين الخطوط الأمامية للحكومة في شمال غرب سوريا، وتركيا، ومناطق الحكم الذاتي الخاضعة لسيطرة الأكراد في الشرق، وكذلك المناطق الواقعة تحت الوصاية التركيةا في محافظة حلب المجاورة. وكل طرف له مصلحة في مستقبل إدلب.

وفي حين تنشغل الحكومة السورية وحلفاؤها في تعزيز قواتها لشن هجوم على أطراف إدلب، تسعى تركيا لعزل هيئة تحرير الشام عن تشكيلات المعارضة الأخرى، كما أن الفشل الواضح لقمة طهران التي عقدت الأسبوع الماضي بين قادة إيران وروسيا وتركيا للتوصل إلى مقترحات فعلية للخطوات المقبلة يجعل مستقبل إدلب غير واضح.

ويقول كريستوفر كوزاك، وهو محلل سياسي في معهد دراسات الحرب في واشنطن "لا يوجد في الحقيقة أي مسار واضح في المستقبل، مما يزيد من احتمال أنه إذا حصل أي هجوم، فإنه سيكون دموياً للغاية".

وفي مقابلة أجراها مراسل سوريا على طول باريت ليموجيس مع كوزاك، قام كوزاك بتحليل المشهد العسكري لإدلب والمستقبل الذي يحتمل أن يكون قاسيا للفصائل الإسلامية المتناحرة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام.

ومع عدم وجود أي مكان ينزح إليه عشرات الآلاف من الجهاديين، يقول كوزاك إن العديد من المتشددين لا يرون بديلاً سوى القتال حتى الموت.

ويتابع كوزاك "لا يوجد مكان آخر يمكن أن يذهبوا إليه... لا توجد وجهة واضحة للحافلات الخضراء".

وردت أنباء عديدة في الأسابيع الأخيرة عن قيام الحكومة السورية بنشر مزيد من قواتها البرية بالقرب من محافظتي حماة وإدلب، هل لديك فكرة عن مكان تمركز هذه القوات؟

على مدار الشهر الماضي، رأينا تزايداً في عدد القوات الموالية للحكومة حول ضواحي محافظة إدلب. والكثير من هذه القوات هو ما أسميه قوات النخبة الموالية للحكومة: تلك التي يمكن للحكومة الاعتماد عليها بالفعل والتي استخدمتها على نطاق واسع في جميع أنحاء سوريا، مثل القوات التي تسيطر فعلياً على الأرض، وتتضمن تلك القوات الفرقة الرابعة، وحدات الحرس الجمهوري وقوات النمر. إذا تتضمن القوات التي تستخدمها الحكومة على نطاق واسع في العمليات الهجومية، إلى جانب بعض وحدات التجنيد التابعة للجيش السوري وهي في المقام الأول جيدة للمدن والمناطق العسكرية بدلا من السيطرة على الأرض فعلياً. هذه هي القوى التي حققت الإنجازات في الحرب السورية.

كما رأينا وحدات من الجيش العربي السوري، حتى من الفرقة الأولى، رأينا أيضاً عناصر من الجماعات شبه العسكرية الأخرى الموالية للنظام، على سبيل المثال، لدينا أنباء تفيد بأن مقاتلي المعارضة الذين قاموا بتسوية أوضاعهم مع الحكومة من شمال حمص ودرعا في جنوب سوريا أرسلوا أيضا ضمن مجموعات صغيرة إلى إدلب تحت راية الفيلق الخامس، وقد تم تشكيل هذه الوحدات الجديدة من قبل روسيا لتوحيد الجماعات شبه العسكرية الموالية للنظام ومقاتلي المعارضة الذين وقعوا على التسوية ووضعها تحت هيكل قيادة رسمي مرتبط بروسيا والجيش العربي السوري.

وبالطبع، هناك قوات إيرانية كـ"لواء الإمام الحسين" وغيره. وبالرغم من أن القوات الإيرانية لا تزال مركزة بشكل أساسي في شرق سوريا حول البوكمال وهذه المنطقة، فقد رأينا أيضا وحدات مدعومة من قبل إيران في إدلب.

هل يشير نشر القوات في تلك المنطقة إلى ما قد يبدو عليه الهجوم الوشيك، من وجهة نظرك؟

أود فعلياً أن أشير إلى منطقتين ... حيث أتوقع حدوث هجوم محدود، لقد رأينا في المقام الأول تركيزاً على شمال حماة وجنوب حلب - لديك أيضاً قطاعاً في الجنوب الشرقي من إدلب، في منطقة خان شيخون ومورك، على طول خط المواجهة هناك - وكذلك في شمال محافظة اللاذقية. وسهل الغاب في غرب حماة بالقرب من مدينة جسر الشغور في غرب إدلب.

ورأينا بالفعل غارات جوية في جسر الشغور وسهل الغاب وشمال حماة شنتها القوات الجوية السورية فضلاً عن سلاح الجو الروسي، الأمر الذي سيكون الخطوة الأولية لزعزعة استقرار المواقع التي تسيطر عليها المعارضة قبل الهجوم المرتقب.

ما هي بعض المواقع الرئيسية لتمركز قوات المعارضة على طول الخطوط الأمامية؟ من الذي يسيطر على معظم المناطق الاستراتيجية حول جسر الشغور، على سبيل المثال، نظرا لأن الحكومة السورية استهدفت تلك المنطقة بالتحديد عندما تصاعدت عمليات القصف الأسبوع الماضي؟

يسيطر الحزب الإسلامي التركستاني على جسر الشغور، وهي جماعة متطرفة مرتبطة بتنظيم القاعدة، مكونة أساساً من جماعات الأويغور من آسيا الوسطى بالإضافة إلى الأويغور من تركيا، والذين انتقلوا إلى جسر الشغور.

وجسر الشغور هي منطقة توتر بالنسبة للجماعات المرتبطة بالقاعدة، ولا سيما الحزب الإسلامي التركستاني، كما أن شمال محافظة اللاذقية على وجه الخصوص كان موقعاً للمقاتلين الشيشان والقوات الأخرى، وكذلك بعض فصائل الجيش السوري الحر، لكن جسر الشغور منطقة أكثر كثافة من غيرها بالنسبة للمقاتلين الأجانب المرتبطين بتنظيم القاعدة، أو على الأقل الحركة الجهادية الإسلامية العالمية.

قوات النمر الموالية للحكومة تصل إلى حماة في أيلول. تصوير: قوات النمر.

وبشكل عام، يسيطر فصيلان رئيسيان على إدلب: هيئة تحرير الشام وجبهة التحرير الوطنية، وهي تحالف مدعوم من تركيا يضم الإسلاميين والجماعات التابعة بالجيش السوري الحر- أبرزها الجماعة الجهادية السلفية أحرار الشام، التي كانت شريكاً لهيئة تحرير الشام ومن ثم منافساً لها.

وإن معظم الخطوط الأمامية التي نراها، في جسر الشغور وسهل الغاب ومحافظة حماة الشمالية، هي في الواقع مزيج من تلك الفصائل. وأود أن أقول أن هيئة تحرير الشام والفصائل التابعة لها لديهم بعض التضاريس الاستراتيجية، خاصة في جسر الشغور والأراضي المرتفعة هناك. لكن هذا ليس بالضرورة أن يكون هجوماً من شأنه أن يجنب أي أحد أو يركّز على القاعدة على حساب جماعات المعارضة الأخرى.

ومحافظة حماة الشمالية هي مزيج من جبهة التحرير الوطنية وهيئة تحرير الشام وغيرها من الجماعات مثل جيش العزة، وهذا جزء من المشكلة المستمرة في إدلب، فالمفهوم العام أنه يمكنك بسهولة فصل "الإرهابيين" عن بقية المعارضة المسلحة لا يمكن العمل به في الواقع لأنه في الكثير من هذه المناطق يتم مزجهم مع بعضهم، فهناك فرع لهيئة تحرير الشام في قرية وفرع لجبهة التحرير الوطنية أو فرع لأحرار الشام في قرية مجاورة. لذلك من الصعب للغاية رسم خرائط واضحة.

هناك مناطق تهيمن عليها هيئة تحرير الشام أكثر من غيرها، مثل المناطق التي تقع بالقرب من الحدود التركية، كمدينة إدلب و جسر الشغور، لكنها بالتأكيد ليست لوحدها.

ستلعب تركيا دوراً رئيسياً في مستقل إدلب، وفيما يتعلق بالهجوم الوشيك المؤيد للحكومة. هل ترى أن تركيا ترغب في الحفاظ على بقاء نفوذها على المدى الطويل في ادلب كما هو الحال الآن في شمال محافظة حلب، أو هل تعتقد أن إدلب سيتم إعادة دمجها بالكامل مع تركيا؟

أعتقد أن تركيا تريد ذلك، تريد تركيا الحفاظ على منطقة مراقبة مباشرة على طول هذه الحدود حيث يمكنها إدارة تدفقات النازحين، ويمكنها إعادة اللاجئين من تركيا إلى أوطانهم، لذا أعتقد أن هدفهم النهائي ربما ليس كل محافظة إدلب، ولكن بالتأكيد تريد الأمتداد إلى أقرب ما يمكنها من الحدود لإنشاء منطقة درع الفرات، تلك المنطقة العازلة في محافظة إدلب.

إذا تحدثنا عن هجوم محدود، أتوقع أن تركيا ستحاول هي رسم الخط، لإخبار روسيا وإيران والحكومة أنه يمكنهم قطع أجزاء من أطراف إدلب وإعادة جزء كبير منها لسيطرة الدولة مقابل استمرار التأثير والوجود التركي في هذه المنطقة العازلة الصغيرة.

تركيا لديها يد للعب هنا، لكنها ليست اليد الأقوى، وهي معزولة نسبياً في هذه المرحلة من اللعبة.

لذا فإن تركيا - أو أردوغان – عليها حقاً أن تعرف ما هو في مصلحتها، والذي أعتقد أنه سيكون على المدى الطويل، مرحلة متوسطة حيث تمتلك تركيا هذه المنطقة العازلة على طول حدود إدلب، لكن في نهاية المطاف، وعلى المدى الأطول ولا اعرف إلى متى سيطول الأمر سيتم الضغط على تركيا من أجل التنازل عن تلك المنطقة مرة أخرى إلى الدولة [السورية] مقابل بعض التنازلات الأخرى، ربما في عفرين أو شمال محافظة حلب. هذه المناطق [عفرين وشمال حلب] ذات أهمية أكبر للمصالح التركية، بالنظر إلى مخاوفهم من الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية.

فيما يتعلق بالمصير النهائي لمقاتلي هيئة تحرير الشام، فإن الأتراك لا يرغبون بهم والاستسلام للحكومة السورية قد يعني السجن أو الموت، فما المصير المتوقع لعشرات الآلاف من المقاتلين المتشددين في إدلب والمناطق المحيطة بها؟

هذا هو سؤال المليون دولار، بحسب ما رأيت يبدو أن ما فعلته تركيا وكأنه اعطاء ممراً آمناً للمقاتلين الأجانب لمغادرة إدلب، ظاهريًا إلى تركيا ومن هناك إلى مكان آخر، هناك جهود مستمرة لإعادة بعض هؤلاء المقاتلين الأجانب قبل بدء الهجوم، لذا يحاول المقاتلون الأجانب الرحيل في هذه المرحلة ويقال أن تركيا تقوم بتسهيل ذلك، مما سهّل تدفق الكثير من هؤلاء المقاتلين الأجانب إلى سوريا للتعزيز مصالحهم الخاصة.

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، كانت تعمل تركيا على برنامج لإقناع هيئة تحرير الشام لحل نفسها والاندماج في المعارضة في سوريا - وذلك بانضمام المقاتلون المحليون إلى جبهة التحرير الوطنية وحصول المقاتلون الأجانب على ممر آمن خارج سوريا - من أجل المحاولة مرة أخرى لردع أو إقناع الروس والإيرانيين بعدم شن عملية عسكرية على محافظة إدلب.

ولكن، من جميع التقارير التي رأيناها يبدو أن هذه المفاوضات لم تنجح، وأصدر أبو محمد الجولاني، أمير هيئة تحرير الشام، بياناً يندد أي شكل من أشكال المصالحة وتحدث عن الأشخاص الذين تخلو عن أسلحتهم، قائلاً إن بعض [مجموعات المعارضة] قد تخلت عنهم بالفعل، لذلك فإن المعارضة تدخل هذه المعركة، ظاهرياً، ببعض التنسيق من أجل الدفاع ولكن لا يبدو أن هناك بنية قيادية قوية قادرة على البقاء تسيطر على جميع قوى المعارضة في إدلب.

وفيما يتعلق بالمقاتلين السوريين، أعتقد أن الهدف النهائي الذي تراه تركيا واقعياً هو أن المقاتلين السوريين سيتم دمجهم في جبهة التحرير الوطنية هذه، وهي جيش وطني يقومون ببنائه على طول حدودهم، بالإضافة إلى الحصول على جزء من إدلب، ربما الذي يمتد على طول الحدود السورية التركية، لتجعله كمنطقة عازلة يمكن تفريق هؤلاء الرجال فيها، [تمتد المنطقة] من سلقين [في شمال إدلب] ومنطقة الحدود إلى عفرين ومنبج.

هذا هو على الأرجح أفضل سيناريو لهؤلاء المقاتلين، وهذا هو السيناريو الذي تسعى إليه تركيا وليس أقل من ذلك لأنه سيكون لتركيا مخاوف أيضاً إذا تم دفع هؤلاء الناس نحو الحدود بأعداد كبيرة و سيكون لديهم حجة للتحرك ضد تركيا لعدم مساعدتهم.

والبديل في هذه المرحلة هو إما القتال أو الموت، لأنه وبصراحة لا يوجد مكان آخر يمكن إجلاؤهم إليه، لا نعرف إلى أين ستتوجه الحافلات الخضراء هذه المرة، لا يوجد في الواقع أي مسار واضح، لذلك فإنه في حال حصول الهجوم الشامل سيكون هذا الهجوم الأكثر دموية على الإطلاق.

باريت ليموج، صحفي ومترجم

باريت ليموج صحفي استقصائي قدم تقارير عن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ونشرت تقاريره سابقاً في الجزيرة، وعين الشرق الأوسط، وبنك بي إس نيوشور، والمونيتور، وهافينغتون بوست، وغيرها. درس الصحافة في جامعة كينجز كوليدج وهو يتابع حاليا ماجستير في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت.