أطفال في مخيم عين عيسى في كانون الأول ٢٠١٧. تصوير دليل سليمان /AFP.

عندما أطلق التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، حملته ضد تنظيم الدولة في عام ٢٠١٤، كانت "الخلافة" التي أعلنتها الجماعة المتشددة تمتد عبر ثلث مساحة سوريا، فضلا عن مساحات شاسعة من العراق المجاور. ومن خلال اتباع استراتيجية وسائل تواصل اجتماعية وحشية وفعالة للغاية، تمكن التنظيم من جذب أكثر من ٤٠ ألف شخص من جميع أنحاء العالم للمساعدة في "بناء الدولة"، بما في ذلك المقاتلين وعلماء الدين الإسلامي، وكذلك البيروقراطيين والمهندسين والأطباء.

واليوم، تقلصت مساحة ما يسمى بالخلافة لتصبح رقعة من الأراضي القاحلة ذات الكثافة السكانية المنخفضة في صحراء البادية الجنوبية، في حين قُتل أو اعتقل أو أعيد معظم السكان السابقين البالغ عددهم ٤٠ ألف نسمة إلى بلدانهم.

وهناك مجموعات كبيرة من هؤلاء السكان- حوالي ٢٤ ٪- تلقوا اهتماما أقل بكثير من غيرهم: وهم النساء وأطفال الخلافة.

وفي تقريرهما لعام ٢٠١٨ "من داعش إلى الشتات- تتبع النساء والقاصرين في تنظيم الدولة"، هدفت الباحثتان جينا فالي وجوانا كوك من المركز الدولي لدراسة التطرف إلى تسليط الضوء على هذه المجموعات غير المعروفة والمهمشة إلى حد كبير.

وقالت فالي لمراسلة سوريا على طول أليس المالح "من المهم جدا النظر إلى هذه الحالات على أساس فردي، ورفض مثل هذه المصطلحات التبسيطية مثل "العرائس الجهادية"، مشيرة إلى حاجتنا لفهم أكثر شمولاً للأدوار ونقاط الضعف لدى النساء والقاصرين في التنظيم.

وفي الوقت الذي لا توجد فيه أرقام محددة لتلك المجموعات، تعيش الآلاف من نساء تنظيم الدولة في مراكز احتجاز أو مخيمات النازحين في شمال سوريا والعراق. وتواجه نساء المخيمات، إلى جانب أطفالهن، مشاكل قانونية حيث مُنعن من المغادرة دون أمل بالعودة إلى أوطانهن.

ويواجه الأطفال المولودين لأجانب، في المناطق التي سيطر عليها التنظيم في السابق، خطر أن يصبحوا عديمي الجنسية لأن المجتمع الدولي لا يعترف بشهادات الميلاد والزواج التي تصدرها الجماعة الإسلامية المتشددة.

وقالت فالي "نحن نرى أن الأطفال لم يتم تضمينهم في جهود الإعادة إلى الوطن أو تم تجاهلهم بسبب أوراقهم"، حيث أن خطر انعدام الجنسية "كبير بالنسبة للمولودين من أمهات سوريات أو ليبيات على وجه الخصوص".

وأضافت أن ضمان الوضع القانوني لهؤلاء الأطفال ليس ضروريا من أجل منحهم حق التعلم فقط، ولكنه أيضا يجعلهم "أقل عرضة للعزلة عن بقية المجتمع" في المستقبل.

على مدار العام الماضي، استعادت الحكومة السورية وقوات المعارضة المدعومة من جانب الولايات المتحدة مساحات شاسعة من الأراضي من تنظيم الدولة، وتقلصت مناطق سيطرة المجموعة لتقتصر على مناطق صغيرة قليلة السكان في صحراء سوريا الجنوبية الشرقية. ما الذي حدث لما تسميه أتباع التنظيم الأجانب، أي المقاتلين الأجانب، أو النساء اللواتي سافرن للعيش فيما يسمى بالخلافة، أو الأطفال الذين ولدوا في الواقع تحت حكم التنظيم، في هذه الأراضي التي تم الاستيلاء عليها؟

بالنسبة لأتباع التنظيم ككل، شهدنا أعدادا قليلة من العائدين، لا سيما في حالة النساء. وإذا نظرنا إلى المملكة المتحدة، فإننا نعلم أن ٥٠٪ من أصل ٨٥٠ قد عادوا، و٢٠٪ قتلوا، لكن هذا يعني أن وضع ال ٣٠٪ المتبقية غير معروف، وهذا عدد كبير من السكان يشمل النساء والقاصرين.

[وفقا لبحث فالي وكوك تشكل النساء ١٣٪ من أتباع التنظيم الأجانب، وعاد منهن فقط ٤٪ إلى بلدانهن الأصلية".

هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى هذا الحال. قد يكون البعض بقي في مناطق التنظيم، عن طيب خاطر، أو أن النساء تواجه صعوبات كبيرة عند مغادرة مناطق تنظيم الدولة. ولا يقتصر الأمر على أن تصحب النساء محرم أو مرافق، بل يمكن للمهربين منعهن من مغادرة الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم.

لدينا أيضاً العديد من حالات النساء والأطفال الأجانب الذين تم احتجازهم في مخيمات النازحين أو مراكز الاحتجاز داخل العراق وسوريا.

[وفقاً لـ هيومن رايتس ووتش، أبدت السلطات ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا اهتماما بإعادة تابعات التنظيم في سجونها، بدلا من محاكمتهن].

وقد يكون الأمر أن بعض النساء يعدن إلى بلدانهن الأصلية، أو ينتقلن إلى بلدان ثالثة دون علم أحد. في العديد من الحالات، تستطيع النساء عبور الحدود أو الحواجز دون تفتيش بسبب الصور النمطية للنساء  المسلمات أو غير عنيفات.

تركزت معظم التقارير حول مقاتلي التنظيم الأجانب على الرجال، لكن ما الذي تعلمته عن أدوار ودوافع النساء الأجنبيات أثناء بحثك؟

عندما ننظر إلى النساء، لا ينبغي أن ننظر إليهن كمجموعة متجانسة، وبالمثل لا يمكننا تقييدهنّ بدور واحد.

ففي حين كان الدور الأساسي للنساء عندما دخلن أراضي تنظيم الدولة هو زوجات وأمهات، رأينا أيضا النساء كمحترفات في المؤسسات الحكومية لتنظيم الدولة. وبسبب سياسات الفصل الصارمة بين الجنسين، تبنت النساء أدوارا في قطاع التعليم كمعلمات، وقطاع الرعاية الصحية كقابلات وممرضات، وفي بعض الحالات كطبيبات. ورأينا أيضا النساء في الأجهزة الأمنية.

في شباط من هذا العام، شهدنا أول فيديو كدليل يظهر النساء كمقاتلات في الخطوط الأمامية، وفي آذار، أطلقت النشرة الإخبارية للتنظيم الصادرة باللغة العربية في نبأ، نداء من أجل حق المرأة في القتال بمعايير وشروط صارمة.

وبالنسبة لدوافع النساء للانضمام إلى التنظيم، نحن بحاجة إلى النظر في دوافع التطرف بالطريقة ذاتها التي ننظر بها إلى الرجال. ولا يمكن حصر النساء ضمن مجموعة واحدة. وكما تتوقع أن ترى دوافع متنوعة للرجال ينطبق ذلك على النساء من حيث دوافعهن المختلفة.

في بعض الحالات، كان للنساء التزام أيديولوجي شديد للغاية. في حالات أخرى رأينا نساء تعرضن للتمييز أو كان لديهن شكاوى تجاه السياسات المحلية أو الخارجية في بلدهن الأصلي ويشعرن بالعزلة أو الحرمان داخل مجتمعهن. وتماما كالرجال، تسعى بعض النساء لأن يكون لهن هدف ويعشن المغامرة.

ولهذا السبب من المهم جداً النظر إلى هذه الحالات على أساس فردي، ورفض مثل هذه المصطلحات التبسيطية مثل "العرائس الجهادية"، وبأن المرأة قد تم تدريبها أو إغرائها أو أنها ساذجة. في بعض الحالات، تكون المرأة قد تعرضت للضغط أو الإكراه لمرافقة الأقارب أو الأزواج أو الأصدقاء، ولا يمكن استبعاد ذلك بالنسبة للرجال أيضا.

هناك دور آخر برزت به العديد من تابعات التنظيم وهو "تربية أشبال الخلافة". ويقدّر التقرير أن ٧٣٠ طفلا ولدوا لأتباع التنظيم الأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة المجموعة. ما هو وضعهم الحالي؟

يُنظر إلى هذا الرقم ٧٣٠ على أنه رقم صغير، ومن المحتمل أن يكون هناك الكثير غيرهم ممن ولدوا داخل أراضي تنظيم الدولة وغير مدرجين ضمن الأرقام.

من حيث مكان تواجدهم، يوجد بعضهم داخل مخيمات النازحين، وداخل مراكز الاحتجاز. وقد أعيد بعضهم إلى الوطن.

لكن وضعهم كعائدين، لا سيما وضعهم القانوني، يعتمد على بلدان جنسية آبائهم. كانت بعض الدول نشطة بشكل خاص في عملية الإعادة إلى الوطن – حيث عملت الحكومة العراقية عن كثب مع الدول الأجنبية على إعادة القاصرين المولودين في الخارج، ونأمل أن يستمر ذلك- [في حين] كانت الدول الأخرى أقل اهتماما، أو أنها لم تقدم سياسات واضحة بشكل عام حول إعادة القاصرين إلى الوطن.

ما هي التحديات الرئيسية التي تعترض عملية إعادتهم إلى الوطن، وما هي المخاطر التي يتعرض لها الأطفال الذين يولدون تحت ما يسمى بالخلافة؟

أولاً، نحتاج إلى تحديد مكان هؤلاء الأطفال، وهذا ليس سهلاً خاصة وأن التنظيم ما يزال يسيطر على مناطق معينة على الأرض. في بعض الحالات، هناك أطفال من المستحيل الوصول إليهم. تتمثل المرحلة التالية في التأكد من أن هؤلاء الأطفال قد تم الاعتراف بهم رسمياً بالوثائق، والتي ستمكنهم في المستقبل من الحصول على التعليم والتوظيف كما ستجعلهم أقل عرضة للعزلة عن بقية المجتمع.

هناك حالة غموض بالنسبة للرضع الذين يولدون لمواطنين مزدوجي الجنسية، سواء من الرعايا الغربيين وكذلك الذين لديهم جنسية مزدوجة محلية وأجنبية. وهناك حالة غموض بشأن الدولة التي ستتحمل الجنسية الأساسية وبالتالي المسؤولية الأولية عن الرضيع.

وقد أعلنت بعض الدول أنها ستلغي الجنسية المزدوجة للمواطنين البالغين الذين ذهبوا إلى التنظيم. لم تكن هذه السياسات واضحة فيما يتعلق بالأطفال، لكننا نعلم أن أستراليا ألغت الجنسية للقاصرين الذين لا تتجاوز أعمارهم ١٤ عاما.

ويواجه الأطفال الذين ولدوا في مناطق تنظيم الدولة خطر أن يصبحوا عديمي الجنسية بسبب الأوراق أو الوثائق غير الرسمية أو غير المعترف بها والصادرة عن تنظيم الدولة، مثل الولادات غير المسجلة والزيجات غير الرسمية التي تمت تحت سلطة التنظيم. هناك مشكلة تتعلق بالأوراق- أو شرعية الزواج، وبالتالي هناك مشكلة بالنسبة للأطفال.

نحن نعرف ألف طفل روسي ما زالوا مهجرين ومن المحتمل أن يكونوا بلا جنسية داخل العراق وسوريا. هذه بعض الحالات التي رأينا فيها أطفالا لم يتم تضمينهم في جهود الإعادة إلى الوطن أو تم تجاهلهم بسبب أوراقهم.

إن خطر انعدام الجنسية كبير جدا بالنسبة لأولئك المولودين لأمهات من الجنسية السورية أو الليبية، لأن قوانين المواطنة في هذه البلدان تمنع الأمهات من إعطاء جنسيتهن لأطفالهن. لذلك في الحالات التي يكون فيها والدهم قد قُتل أو اعتُقل أو استمر في القتال مع تنظيم الدولة، لا تستطيع الأم إعطاء جنسيتها للرضيع، وبالتالي فإن هؤلاء الأطفال يواجهون خطر انعدام الجنسية.

[في حزيران ٢٠١٨، أصدرت الحكومة السورية قانونا يسمح بمنح الجنسية لمجهولي النسب. ومع ذلك، تبقى طريقة تنفيذ القانون أمرا غير واضح].

كيف يبدو المستقبل بالنسبة للأطفال المولودين تحت سيطرة تنظيم الدولة؟

علينا أن نفهم أن هؤلاء الأطفال الذين تمت إعادتهم إلى أوطانهم، لديهم وصمة مؤذية للغاية هي أنهم "أتباع التنظيم"، وأنهم قد يصبحون منبوذين أو معزولين أو محرومين من حقوقهم داخل مجتمعاتهم المحلية. وبالتالي، فإن لديهم إمكانية اللجوء إلى الجهات المتطرفة في المجتمع وقد يشكلون خطرا في المستقبل.

ولهذا السبب، نحتاج إلى تحركات استباقية للنظر في إعادة تأهيل الأطفال بدلاً من معاقبتهم. ﻧﺣن بحاجة إلى جهود وتحركات استباقية وشاملة لمعالجة وضع القاصرين من جميع النواحي المتعلقة بكونهم عاشوا تحت ظل التنظيم. لهذا نحن بحاجة إلى محاولة تصنيف القاصرين والنظر في الظروف المحيطة بمشاركتهم وتجنيدهم، والأدوار التي لعبوها في ظل تنظيم الدولة، وكذلك الأسباب أو الظروف المحيطة بانفصالهم عن المجموعة.

وبدلاً من أن تكون هناك استراتيجيات عامة لإعادة دمجهم مماثلة بالاستراتيجية المتبعة مع الكبار، نحتاج للنظر في كل حالة على حدة، حيث أن كل حالة تتطلب تقييما خاصا لاحتياجات الدعم النفسي-الاجتماعي.

هذا التقرير هو جزء من تغطية سوريا على طول الإخبارية، لمدة شهر كامل، للأراضي التي كانت تحت سيطرة التنظيم في سوريا بالتعاون مع مؤسسة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

ترجمة: سما محمد.