في إحدى الصور النادرة، تظهر أكثر من عشر نساء وعدد من الأطفال وكبار السن وهم يأكلون السندويشات داخل الحافلة، ويرتدي أحد الركاب سترة حمراء تحمل شعار منظمة الهلال الأحمر التابعة للحكومة السورية والتي تعرف أيضا باسم الهلال الأحمر العربي السوري.

وتظهر صورة أخرى أربع حافلات خضراء تصطف على امتداد طريق صحراوي مقفر.

ووفقا لوكالة الأنباء السورية الرسمية سانا، التي نشرت الصور في ٧ نيسان، كانت الحافلات تقل مئات النازحين الذين غادروا مؤخراً بأعداد كبيرة من مخيم الركبان.

كانت وجهتهم النهائية واضحة: الوصول إلى مسقط رأسهم في ريف حمص، وهي المناطق التي سيطرت عليها القوات الموالية للحكومة في السنوات الماضية منذ أن فر السكان عقب وصول تنظيم الدولة إليها.

وفي الركبان، عاش النازحون لسنوات وهم يعانون من الجوع الشديد، والبرد القارس، وانتشار الأمراض، حيث كانت المنطقة مجرد نقطة عبور حدودية معزولة مع الأردن، وتحولت تدريجياً إلى مخيم من المنازل الطينية التي ضمت عشرات الآلاف من السوريين النازحين إلى تلك المنطقة النائية.

وتم تسليط الضوء على مخيم الركبان بشكل متزايد في الأشهر الأخيرة بعد إغلاق طريق التهريب، الخريف الماضي، والذي كان السبيل الوحيد لإدخال الإمدادات الحيوية، بما في ذلك المواد الغذائية والدواء. ومع حلول فصل الشتاء، وانتشار الجوع والمرض، وصلت قافلتان تحملان اللقاحات والإمدادات إلى المخيم بتنسيق من الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري.

لكن الحديث ابتعد الآن وبسرعة عن فكرة التخطيط لإيصال المساعدات، حيث يتحدث المسؤولون الروس والسوريون الآن عن إجلاء حوالي ٤٠ ألف نازح من الركبان، ونقلهم إلى أماكن أخرى، وإزالة المخيم بالكامل.

وفي شباط، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها ستشرف على "ممرات إنسانية" لتسهيل نقل سكان الركبان إلى مسقط رأسهم داخل سوريا.

ووفقاً لما أعلنته روسيا حينها، سيتم إنشاء حواجز على أطراف الركبان "لاستقبال وتوزيع وتقديم المساعدة اللازمة للنازحين" الراغبين في مغادرة المخيم.

الآن، وبعد فصل الشتاء القارس، بدأ سكان الركبان، الذين عانى معظمهم من الظروف المعيشية القاسية في المخيم الصحراوي، مغادرة المخيم وبأعداد غير مسبوقة.

وفي الأسبوع الماضي وحده، أشارت التقديرات إلى أن مئات من سكان المخيم استقلوا السيارات طوعاً خارج المخيم وقطعوا الأراضي التي تديرها الولايات المتحدة والمعارضة.

ورغم أن النازحين كانوا يغادرون المخيم على أساس فردي لسنوات، إلا أن القوافل في هذا الشهر كانت الأكبر عددا حتى الآن.

ومن هناك، استقلوا حافلات "الإجلاء" الخضراء متجهين إلى محافظة حمص الخاضعة لسيطرة الحكومة، بحسب ما قاله أحد عمال الإغاثة في الركبان وناشط إعلامي، لسوريا على طول، في مطلع هذا الأسبوع.

وبالنسبة للسوريين، ترمز الحافلات الخضراء إلى التهجير من مناطق سيطرة المعارضة في البلاد، حيث استخدمتها الحكومة، منذ عام ٢٠١٦، لنقل مئات الآلاف من السوريين من مناطق سيطرة المعارضة بعد الاستيلاء عليها.

لكن الوضع في الركبان مختلف، فلا يوجد قصف في هذه الزاوية من الصحراء، إنما يشتكي النازحون بدلا من ذلك من الجوع واليأس، حيث تركوا عالقين في خضم مواجهة جغرافية وسياسية معقدة.

 

الحافلات الخضراء التابعة للحكومة السورية تصطف على امتداد طريق صحراوي فارغ بالقرب من الركبان في ٧ نيسان. تصوير: سانا

 

وفي آخر القوافل الثلاث التي غادرت المخيم، وصل مئات من النازحين إلى حواجز الحكومة السورية على مشارف "منطقة خفض التصعيد" الصحراوية، يوم الأربعاء، وسجلوا أسماءهم لإجراء عملية مصالحة يشوبها الغموض، وتهدف إلى تسوية وضعهم مع السلطات السورية.

وتتضمن العملية، ركوب شاحنات خاصة الملكية خارج المخيم، والتوجه نحو أول حاجز في الأراضي الحكومية، ثم دفع حوالي ٢٠$ للشخص الواحد للعبور، وفقاً لمحادثات مع عدة سوريين ما زالوا داخل المخيم.

وبمجرد عبورهم، يتم نقل العائدين إلى "مركز إيواء" في محافظة حمص، حيث يقيمون لمدة أسبوعين تقريبًا، بحسب ما قاله أحمد زغيرة، أحد أعضاء المجالس الإدارية المحلية في الركبان. وتحدث العديد من سكان المخيم عن مراكز إيواء مماثلة.

في الواقع، لا يوجد كثير من المعلومات عن الإجراءات الخاصة التي قام بها أولئك الذين عبروا، لأن الاتصال من الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة صعب.

لكن هناك تلميحات عن شكل المرحلة الأولى للرحلة بالنسبة لمن قرر العبور.

وفي أحد الفيديوهات التي نشرت، بعد ظهر يوم الأربعاء، من قبل وكالة خطوة المؤيدة للمعارضة، تصطف مجموعة من الشاحنات في ضواحي مخيم الركبان، كما يبدو، داخل المنطقة التي يبلغ طولها ٥٥ كم من الصحراء التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والمعارضة. وتحمل بعض الشاحنات قطعاً من الأثاث الخشبي والفرش والأغطية.

في حين يحمل بعضها الآخر السكان الذين ينتظرون مغادرة المخيم. ويمكن أن تسمع في الفيديو صوت طفل وهو يصرخ "وداعا!".

"الكثير من الضغط على الناس"

استقر النازحون السوريون في مخيم الركبان في أعقاب استيلاء التنظيم على جزء كبير من الصحراء السورية الشرقية بعد عام ٢٠١٣. وفي الركبان، كانوا يأملون في نهاية المطاف من العبور إلى الأردن عبر نقطة حدودية مغلقة الآن.

لكن تلاشت هذه الآمال إلى حد كبير في عام 2016، عندما قتل عدد من الجنود الأردنيين على خلفية عملية انتحارية مزعومة من قبل تنظيم الدولة بسيارة مفخخة بالقرب من الحدود الأردنية، مما دفع عمان إلى إغلاق الحدود بالكامل وإعلان المنطقة منطقة عسكرية.

ويعيش عشرات الآلاف من النازحين السوريين داخل الأرض المحرمة على طول الحدود السورية الأردنية المعروفة باسم "الساتر الترابي". أما العبور إلى الأردن، فهو خيار متاح فقط لمن هم بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة في عيادة تابعة للأمم المتحدة بالقرب من الحدود.

وتشكل الصحراء المحيطة بالمخيم مباشرة جزءًا من "منطقة خفض التصعيد" بطول 55 كم أنشأتها القوات الأمريكية. حيث تخضع هذه المنطقة لسيطرة اسمية من قبل فصائل المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة وتعمل انطلاقاً من قاعدة التنف العسكرية، التي اعتبرتها كل من الولايات المتحدة والمعارضة جزءاً أساسياً في محاربة التنظيم.

ويواجه النازحون الذين يرغبون في العودة إلى مسقط رأسهم صراعاً في اتخاذ قرار معقد، فهم يخشون مواجهة الاعتقال أو التجنيد العسكري، وهو أمر مطلوب من الرجال في المناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة.

كما أن خيار البقاء بالنسبة لهم يعني مواجهة شح غذائي دائم، وتساؤلات كثيرة حول مستقبل هذه المنطقة المتنازع عليها من سوريا.

وبالنسبة لغالبية من تبقى من السكان في المخيم حتى الآن، لا يوجد موارد كافية تمكنهم من البقاء لفترة أطول في هذه المنطقة النائية من الصحراء. وقال أهالي المخيم، لسوريا على طول، إن الأدوية، وحتى المواد الغذائية الأساسية، شحيحة للغاية.

وقال مسؤول محلي في المخيم، ممن حضروا اجتماع الشهر الماضي مع المسؤولين الحكوميين والروس، فضلاً عن ممثلي الأمم المتحدة و الهلال الأحمر السوري، لمناقشة مصير الركبان "لا يوجد أي طعام أو وقود في المخيم حالياً، حتى الخضروات نفس الشيء".

وحتى الآن لا يبدو مصير الركبان واضحًا.

وأوضح المسؤول في المخيم، أن الإمدادات القليلة التي لا تزال متاحة في أكشاك السوق داخل المخيم تباع بأسعار مرتفعة للغاية، ولا يقوى الكثير من السكان على تحملها.

وقال لسوريا على طول " يلجأ الناس الآن إلى الطعام الجاهز، لأنهم لا يستطيعون الطهي [دون وقود]".

وختم قائلاً "هناك ضغط كبير على الناس في المخيم".