عامر الحوراني 

 

عمان- استفاق أهالي ريف درعا الغربي، اليوم الأحد، على نبأ إصابة 5 مدنيين من عائلة واحدة، جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات ما كان يسمى "جيش خالد بن الوليد" المبايع لـ"تنظيم الدولة" (داعش) في منطقة حوض اليرموك، وهي الحادثة التي تضاف إلى سلسلة حوادث مشابهة، حصدت أرواح العشرات من سكان المنطقة الواقعة جنوب سوريا منذ سيطرة القوات الحكومية عليها صيف العام الماضي.

بحسب وسائل إعلام محلية، فإن اللغم انفجر بجرّار زراعي كانت تستقلّه العائلة، على الطريق الواصلة بين بلدتي تسيل وعين ذكر، وهي تقع ضمن المنطقة التي كانت تخضع لسيطرة "داعش"، قبل سيطرة القوات الحكومية عليها أواخر تموز/ يوليو 2018.

قبل أسبوع من الحادثة، سجلت درعا حادثة مشابهة؛ إذ قتل طفل وأصيب شاب بجروح، جراء انفجار لغم، إنما من مخلفات القوات الحكومية، في منطقة غرز شرق مدينة درعا. إذ تنتشر الألغام في الأراضي الزراعية المحيطة بالمواقع العسكرية التابعة للقوات الحكومية على طول خطوط الجبهات (السابقة) في الجنوب، لكنها أكثر كثافة في مناطق "داعش" الذي "فخّخ كلّ شيء، بما في ذلك الأجهزة الكهربائية في المنازل"، بحسب مصادر تحدثت إلى "سوريا على طول".

وبحسب إحصائية لمكتب التوثيق في "تجمع أحرار حوران"، حصلت عليها "سوريا على طول"، فقد قضى منذ مطلع آب/أغسطس 2018 وحتى 25 آب/أغسطس الماضي، 44 مدنياً، بينهم 4 سيدات و16 طفلاً، في محافظة درعا، نتيجة انفجار مخلفات الحرب، لاسيما الألغام والذخائر غير المنفجرة.

وقال مدير المكتب، عقبة المحمد، لـ"سوريا على طول" إن "نصف عدد الضحايا سقطوا في ريف درعا الغربي، لاسيما في منطقة حوض اليرموك" التي كانت تحت سيطرة جيش خالد بن الوليد. موضحاً أن "من بين الضحايا 18 مدنياً قضوا جراء انفجار ألغام أو قنابل عنقودية أثناء عملهم في الأراضي الزراعية بمحافظة درعا".

"حوض ألغام" اليرموك

رغم انتهاء حكم "داعش" في جنوب غرب سوريا منذ أواخر تموز/يوليو 2018، فإن الحياة لم تعد إلى طبيعتها في المنطقة.

إذ يتحرك أهالي حوض اليرموك بحذر، فيما يتخوفون من الوصول إلى "قرى الشيخ حسين، وكوكب، ومحيط سد سحم الجولان" باعتبارها الأخطر، نتيجة انتشار الألغام المتفجرة فيها، بحسب ما ذكر خالد السعيد (26 عاماً)، من بلدة السحم لـ"سوريا على طول". مضيفاً أن الألغام لا تنتشر في أراضي "الحوض" فحسب، وإنما أيضاً "في الأجهزة، مثل الهواتف وغيرها".

وكان التنظيم قد فخخ معظم الأراضي الزراعية والمنازل في القرى الواقعة تحت سيطرته خلال معاركه الأخيرة، ما يفسر استمرار حوادث انفجار الألغام بعد مرور أكثر من عام على نهاية التنظيم في المنطقة.

ومن بين الحوادث الذي يعرف السعيد حيثياتها، مقتل زوجة شاب من بلدة سحم الجولان، تحمل الجنسية الأردنية، بانفجار مصباح يدوي كان قد ركنه التنظيم في منزلها. إذ "عادت السيدة إلى منزلها بعد القضاء على التنظيم، وانفجر المصباح فيها أثناء ترتيب المنزل".

إذ ترك "داعش" وراءه ألغاماً معقدة ومتعددة الأشكال، من بينها "التشاريك، وهي أجسام يتم تلغيمها بشكل معقد وأساليب خداعية، مزروعة في المنازل التي حلّ فيها عناصر التنظيم والأماكن التي كانت مقرات لهم"، بحسب السعيد.

وعدا عن ألغام "داعش"، ألقى الطيران الحربي السوري والروسي، الذي مثّل غطاء جوياً للقوات البرية، قنابل عنقودية على مساحات واسعة في المنطقة، يشكل غير المنفجر منها إلى الآن تحدياً آخر أمام المدنيين.

سلة غذاء "متفجرة"

تشكل الأراضي الزراعية في درعا واحدة من أهم سلال الغذاء السوري. إذ تتمتع المحافظة بتربة خصبة ومناخ ملائم ووفرة في المياه. مع ذلك، فإن مساحات واسعة من هذه الأراضي ما تزال محرّمة على أصحابها، رغم إعلان الحكومة السورية عودة الحياة إلى طبيعتها.

ففيما يحصد مزارعون محاصيلهم، يمتنع أبو محمد العربي، المزارع من بلدة خربة غزالة في ريف درعا الشرقي، عن حصاد أرضه على أطراف البلدة، خوفاً من الألغام المنتشرة في المنطقة.

الخربة لم تقع تحت سيطرة "داعش"، المعروف بزراعة الألغام كواحدة من سياساته العسكرية، بل بقيت البلدة تحت سيطرة القوات الحكومية. لكن كون محاورها الشرقية والجنوبية شكلت خط اشتباك مع المعارضة، دفع القوات الحكومية إلى زراعتها بالألغام.

ومنذ أن سمحت الحكومة بعودة أهالي خربة غزالة إليها، قبل عام، بقي العربي ينتظر فرق الهندسة التابعة للحكومة لإزالة الألغام من أرضه، لكن عمل هذه الفرق "ما يزال خجولاً" بحسب وصفه.

لذلك، فقد قرر الاستعانة بثكنة عسكرية قريبة من أرضه، على أمل مساعدته في تفكيك الألغام منها. لكنهم اعتذروا عن ذلك، نتيجة "ضعف التجهيزات" لديهم، بحسب ما أخبروه.

بالنتيجة، خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في ريف درعا الشرقي عن الاستثمار "نتيجة إحجام المزارعين عن الاقتراب منها خوفاً من الإلغام، أو لأنها أصبحت سواتر ترابية كانت تتحصن بها القوات الحكومية"، بحسب ما قال المزارع من خربة غزالة طارق الحاج، لـ"سوريا على طول.

ورغم سهولة نزع الألغام في خربة غزالة وغيرها من المناطق التي زرعتها القوات الحكومية بالألغام، إذ "لا يقدم الجيش على زراعة أي قطعة متفجرة من دون تحديد موقعها على خرائط خاصة، تسهيلاً لعملية تفكيكها مستقبلاً"، فإن هذه القوات "لم تفكك هذه الألغام بعد بسط نفوذها على الجنوب السوري" بحسب تصريح العقيد المنشق أكرم الزعبي لـ"سوريا على طول". متهماً حكومة دمشق "بعدم الاكتراث بأعداد ضحايا الألغام".

تفكيك مأجور

في أكثر من مناسبة، أعلنت القوات الحكومية السورية أن الفرق الهندسية التابعة لها ستقوم بتفجير عبوات ناسفة وذخائر لـ"إرهابيين" -بحسب وصفها- في مناطق عدّة من درعا.

لكن كما يكشف المزارع طارق الحاج، فإن تطهير أرض من المنطقة من الذخائر والألغام إنما تم مقابل أموال دفعها أصحاب تلك الأراضي للفرق التابعة للقوات الحكومية.

فرغم أن عمليات تفكيك الألغام تقع على عاتق الحكومة السورية، ويُفترض أن تكون مجانية، لإعادة تأهيل المناطق التي سيطرت عليها،  إلا أن الحاج شدد على أن الفرق تتقاضى ما قيمته 10 إلى 15 ألف ليرة سورية، بحسب مساحة الأرض المراد تنظيفها من الألغام والذخائر غير المتفجرة.

وفيما عملت مجموعات من عناصر الفرقة الرابعة التابعة للقوات الحكومية، ممن كانوا عناصر سابقين في الجيش الحر، على تفكيك وإزالة مخلفات الحرب من مزارع ومنازل الأهالي في درعا البلد لقاء مبلغ 5 آلاف ليرة سورية للدونم الواحدة، فإن "تركيز الفرق الهندسية التابعة للجيش كانت على خطوط التماس بشكل أكبر"،  بحسب ما ذكر الناشط الإعلامي ضياء الأحمد لـ"سوريا على طول".

يشار إلى أن الأمم المتحدة كانت حذرت على لسان نائب المتحدث الرسمي باسم الأمين العام للمنظمة، في تموز/يوليو الماضي، من أن حياة أكثر من 10 ملايين سوري مهددة بسبب ووجودهم في مناطق "ملوثة بالألغام".

 

تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع مؤسسة سوريا على طول "ربط المجتمعات من خلال التشارك المهني" والذي ينفذ بالشراكة مع برنامج "دايركت إيد" التابع للسفارة الأسترالية في عمان.