مع بزوغ فجر يوم الأحد في سراقب، انفجرت مجموعة من القنابل العنقودية التي استهدفت المدينة واخترقت مبنى مجلسها المحلي.

وتشهد البلدة، في الشمال الغربي من سوريا، قصفاً عنيفاً لليوم الرابع على التوالي، وهو جزء من حملة ضربت أكثر من عشر مدن وقرى في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة المعارضة، حيث استهدفت المنازل والمباني الحكومية والأسواق، وخلّفت عشرات القتلى والجرحى.

وقال محمود أبو رفعت، وهو أحد سكان مدينة سراقب، لسوريا على طول، يوم الاثنين "الوضع الآن غير مستقر على الإطلاق، وقد أعلن المجلس المحلي الحداد لمدة ثلاثة أيام مع إغلاق المدارس خوفاً من استهدافها من قبل ميليشيات الأسد".

وأضاف أن القصف غالباً ما يستهدف "المناطق السكنية والأماكن التي يتجمع فيها المدنيون".

وفي خضم الهجمات، أجبرت دورية عسكرية تركية على التراجع بسرعة أثناء قيامها بجولة في المنطقة، متخلية عما كان يفترض أنها جولة روتينية تثبت بأن أنقرة لا تزال تسيطر على الوضع.

وفي يوم الاثنين، التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو لمناقشة مجموعة من القضايا المتعلقة بسوريا، بما فيها التعاون الثنائي على نطاق واسع في المنطقة.

وأعلن الزعيمان عن خطط لمواصلة الدوريات العسكرية في إدلب وحولها، تماشياً مع الاتفاق الروسي- التركي السابق الذي هدف إلى درء هجوم الحكومة السورية على معقل المعارضة.

وقال بوتين يوم الإثنين "إننا ندخل بشكل رئيسي بدوريات مشتركة، على الأقل دوريات من الجانبين".

ومع ذلك فإن المسودة التي خرج بها الزعيمين، جاءت في الوقت التي كثفت فيه الحكومة السورية حملتها الجوية المدمرة على آخر معقل للمعارضة في البلاد.

ورغم الانتهاكات المتزايدة لاتفاقية وقف إطلاق النار التركية - الروسية في المنطقة التي تشهد قصفاً موالياً للحكومة، أودى بحياة أكثر من 50 شخصًا منذ الأسبوع الماضي، وفقًا لمراقب الصراع في المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن روسيا وتركيا تبدوان راضيتين عن الوضع في الشمال الغربي.

وقال الرئيس أردوغان في مؤتمر صحفي قبل توجهه إلى قمة موسكو، يوم الاثنين، إن التعاون مع روسيا "مستمر ليتعاظم ويصبح أقوى [يومًا بعد يوم]".

ويشير المسؤولون إلى أن إطلاق دوريات عسكرية تركية في الشهر الماضي عبر أراضي المعارضة، يعد علامة ضئيلة على النجاح.

حيث أطلقت أنقرة أولى الدوريات العسكرية التركية في إدلب، في 8 آذار، ومنذ ذلك الحين، أكملت الدوريات ست جولات أخرى في المنطقة.

و ركزت الدوريات حتى الآن على الطريق السريع M5، الذي يربط دمشق بحلب، ويمتد مباشرة عبر الشمال الغربي تحت سيطرة المعارضة.

وفي أيلول الماضي، اجتمع الرئيسان، بوتين وأردوغان، في مدينة سوتشي الروسية، واستمر الاجتماع 11 ساعة لمنع هجوم الحكومة السورية المدمر في إدلب.

وخلصت المذكرة في نهاية الإجتماع إلى إنشاء "منطقة عازلة" تفصل بين القوات الموالية للحكومة وفصائل المعارضة المحاصرة، في حين كُلفت تركيا بنزع سلاح المعارضة الثقيل في المنطقة، فضلاً عن تجريد المنطقة من الفصائل الإسلامية المتشددة.

ومع ذلك، تبدو خارطة الطريق السياسية التي وضعت في اتفاق سوتشي أنها تحتضر في الوقت الحالي، بعد أن سيطر التحالف الإسلامي المتشدد "هيئة تحرير الشام" على حوالي 80 في المائة من محافظة إدلب، في أعقاب حملة للتوسع العسكري السريع، في كانون الثاني، شهدت استيلاء الجماعة على مساحات شاسعة من أراضي فصائل المعارضة المتناحرة المدعومة من تركيا.

كانت السيطرة على الطريق السريع M5 وكذلك الطريق السريع M4، الذي يمتد من محافظة اللاذقية إلى إدلب، واحدة من الشروط الأساسية الأخرى في اتفاقية سوتشي، حيث كان الطريقان بمثابة شريان للتجارة الدولية تاريخياً بين تركيا والبلدان المجاورة لسوريا.

وكانت روسيا وتركيا قد اتفقتا على ضرورة تطهير الطرق من الثوار وإعادة فتحها للتجارة قبل نهاية العام الماضي، لكن لم يتم الالتزام بهذا الموعد.

وتحدثت إليزابيث تيومان، المحللة التركية لدى معهد دراسات الحرب الذي يتخذ من واشنطن العاصمة مقراً له، إلى سوريا على طول، بعد أولى الدوريات التركية الشهر الماضي، حيث قالت " إن خطط التعاون العسكري القريب من خلال دوريات مشتركة مستقلة في المستقبل.. من المرجح أن تهدف إلى الوفاء بالبنود الأخيرة من [اتفاقية سوتشي] بشأن استئناف التبادل التجاري".

وقالت لسوريا على طول في ذلك الوقت " أن هذه المهمة ليست سهلة ولا أتوقع الانتهاء منها قريباً".

ووفقاً لمصطفى بكور، قائد فصيل جيش العزة المعارض، الذي يسيطر على الأراضي في جنوب إدلب، "هناك صراع كبير للسيطرة على هذه الطرق السريعة الرئيسية الآن".

وقال لسوريا على طول، يوم الاثنين، " لقد تمت الإشارة إلى أهمية هذه الطرق الدولية من خلال الاتفاق الذي تم بين روسيا وتركيا" في أيلول الماضي، مضيفًا أن "فتح الطرق يعتبر أمرًا حيويًا لتركيا أيضاً".

وبالنسبة لعدد من المراقبين، فإن حكومة الأسد تحاول لعب دور المفسد لأي توافق دولي من شأنه منعها من استعادة سيطرتها الكاملة على الأراضي التي فقدتها خلال السنوات الثماني الأخيرة من الصراع.

ووفقاً لعمر أوزكيزيليك، المحلل في مؤسسة "سيتا" في أنقرة، فإن توقيت التصعيد الأخير لم يتزامن صدفة مع الفترة التي تسبق قمة موسكو.

وقال إن هذا التصعيد ينسجم مع النمط الاستراتيجي الأوسع، الذي تقوم به الحكومة السورية باستخدام الضغط العسكري لتخريب التعاون التركي - الروسي حول اتفاقية وقف التصعيد التي وضعت لوقف طموحاتها الإقليمية  في الوقت الحاضر.

وقال أوزكيزيليك لسوريا على طول " إن النظام يقصف إدلب بشكل منهجي حتى لا يتراجع، وليمنع وقف إطلاق النار، لأنه يرغب في الاستيلاء على إدلب بالكامل، تماشياً مع سياستهم باستعادة كل شبر".

وأضاف أن "حكومة الأسد تعتقد أنه إذا كان هناك اتفاق حقيقي لوقف إطلاق النار في إدلب، فإنهم سيفقدون الفرصة لشن عملية عسكرية كبيرة هناك".

حيث أعلن الرئيس السوري بشار الأسد، مرارًا وتكرارا، عن عزمه استعادة "كل شبر" من سوريا من فصائل المعارضة، في أعقاب سلسلة الإجلاء القسري، واتفاقيات المصالحة التي أدت إلى نزوح الملايين من السوريين من جيوب سابقة كانت تسيطر عليها المعارضة في جميع أنحاء البلاد نحو الشمال الغربي.

وهناك حوالي 3.5 مليون مدني ما زالوا محاصرين بين مجموعة من القوات السورية والميليشيات المتحالفة معها من جهة، والحدود التركية المحكمة من لجهة الآخرى.