عمان- بعد ما يزيد عن خمس سنوات من العمل بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2165، والمتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر أربعة معابر حدودية من دون إذن الحكومة السورية، فشل أعضاء المجلس في تمديد القرار بصيغته السابقة، وليتم استبداله بقرار جديد يسمح بإدخال المساعدات من معبرين حدوديين فقط مع تركيا، ولمدة ستة أشهر.

إذ بموجب القرار رقم 2504 الذي تقدمت به ألمانيا وبلجيكا، وتم تمريره في مجلس الأمن في 10 كانون الثاني/يناير الحالي، سيتواصل تقديم المساعدات الإنسانية إلى سوريا من دون إذن مسبق من حكومة دمشق عبر معبري باب الهوى وباب السلامة الحدوديين مع تركيا، فيما تم وقف العمل بمعبري اليعربية الحدودي مع العراق، والرمثا الحدودي مع الأردن، اللذين كانا معتمدين ضمن القرار 2165. 

وفيما لا يؤثر استبعاد معبر الرمثا الأردني على العمل الإنساني في سوريا، كون حكومة دمشق سيطرت على جنوب البلاد منذ تموز/يوليو 2018، فإن إنهاء العمل عبر "اليعربية" يشكل تحدياً على الصعيد الإنساني، بحسب بيثنتي أورتيغا كامرا، مدير مكتب الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي في الأردن، وهي إحدى المنظمات الشريكة للأمم المتحدة في برامجها المقدمة لسوريا. لافتاً في تصريح لـ"سوريا على طول" إلى أن "الحركة عبر الحدود العراقية كانت نشطة للغاية بالنسبة للأمم المتحدة وبعض وكالاتها المتخصصة من مثل منظمة الصحة العالمية وصندوق الأمم المتحدة للسكان، لا سيما فيما يتعلق بالأغراض الطبية. ونحن قلقون للغاية لأن ذلك من شأنه التأثير على العمل الإنساني في شمال شرق سوريا".

خارطة توضح مواقع المعابر الحدودية الأربعة، التي كانت مدرجة في قرار مجلس الأمن 2165، مصدر الخارطة (Syria live map)

 

وبحسب ما ذكر ديفيد سوانسون، المسؤول الإعلامي في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في عمّان، لـ"سوريا على طول"، عبرت من خلال  معبر اليعربية "بين آذار/مارس 2018 وتشرين الأول/أكتوبر 2019، 109 شاحنات تحمل مساعدات إنسانية، لتقديم المساعدة لـ90,000 مستفيد من برامج المياه والصرف الصحي والنظافة، و14,100 مستفيد من برامج التعليم، و 84,000 مستفيد من برامج التغذية، و73,244 مستفيد من برامج الإيواء". تضاف إلى ذلك المساعدات المتعلقة بالصحة التي وفرتها الأمم المتحدة عبر "اليعربية" في الفترة ذاتها و"استفاد منها نحو 2.4 مليون شخص". 

وكان مجلس الأمن الدولي قد فشل، في جلسته المنعقدة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2019، في تمرير قرار يضمن استمرار إدخال المساعدات عبر "اليعربية" إلى جانب معبري باب الهوى وباب السلامة مع تركيا، نتيجة استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو). إذ تصرّ موسكو خصوصاً على تنسيق كل العمليات الإنسانية مع دمشق.

ويعود تاريخ بدء إيصال المساعدات إلى سوريا عبر الحدود من دون موافقة حكومة دمشق إلى 14 تموز/ يوليو 2014، عندما تبنى مجلس الأمن الدولي، بإجماع أعضائه الخمسة عشر، القرار رقم 2165. وقد حدد القرار الذي هدف إلى إيصال مساعدات إنسانية للمدنيين في خارج مناطق سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، أربعة معابر حدودية جنوب سوريا وشرقها وشمالها (الرمثا، واليعربية، وباب السلامة، وباب الهوى) لهذه الغاية، مع إخطار الحكومة السورية بذلك. 

وفي 17 كانون الأول/ديسمبر من العام ذاته، صوت مجلس الأمن على القرار رقم 2191، الذي جدد العمل بفقرتين من القرار السابق، تتعلقان باعتماد المعابر الأربعة، لمدة 12 شهراً، لإيصال المساعدات من دون إذن الحكومة السورية، تلته مجموعة قرارات مماثلة حتى اصطدم آخرها بالفيتو الروسي والصيني نهاية العام الماضي.

التحكم بالمساعدات

قبل صيف 2018، كان معبر الرمثا أحد المعابر الإنسانية المهمة للمدنيين في الجنوب السوري الذي كان خاضعاً لسيطرة فصائل المعارضة السورية المسلحة.

ورغم أن قرار مجلس الأمن بشأن المعابر الإنسانية في سوريا "يشترط وصول المساعدات مباشرة إلى مناطق سيطرة أحد أطراف النزاع، من دون مرورها في مناطق طرف آخر، وهو ما كان يتم في إيصال المساعدات إلى الجنوب السوري من الأردن قبل سيطرة النظام على المنطقة، فإن روسيا كانت تضغط على معبر الرمثا لدرجة أن المنظمات الدولية كانت تضطر إلى التنسيق مع الجانب الروسي، رغم أن المساعدات لا تمرّ من مناطق نفوذه"، بحسب ما كشف لـ"سوريا على طول" مسؤول سابق في منظمة إقليمية مقرها عمّان، عمل أيضاً في مكتب "أوتشا" في العاصمة الأردنية.

في هذا السياق، "حاولت روسيا في التمديد قبل الأخير [القرار 2449 والصادر في 13 كانون الأول/ديسمبر 2018]، أي بعد سيطرة دمشق على الجنوب، وضع عقبات كثيرة قبل أن ينجح أعضاء مجلس الأمن في تمرير القرار"، بحسب المسؤول السابق. لافتاً إلى أن "روسيا والنظام يريدان التحكم بالمساعدات الإنسانية عبر مكتب "أوتشا" في دمشق".

ومن ثم، فرغم أن "قرار وقف العمل بمعبر الرمثا حالياً لا يؤثر على سكان جنوب سوريا" وفقاً للمصدر ذاته، فإن "تجميده يؤثر لصالح النظام. إذ بذلك يتم منع مكتب "أوتشا" في عمّان من التحكم بأي عمل إنساني عابر للحدود عبر الرمثا باتجاه الجنوب. وتحويل العمل الإنساني إلى دمشق يعني تشغيل مكتب دمشق والتحكم بالمواد".

ولم تخفِ مصادر عدة في حديثها إلى "سوريا على طول" تخوفها من سياسة الحكومة السورية، وتأثيرها على العمليات الإنسانية عبر دمشق. كما شدد سوانسون على ضرورة "منح الجهات الفاعلة الإنسانية وصولاً إنسانياً آمناً ومستداماً من دون عوائق إلى المحتاجين، ومن دون تمييز أيضاً".

إدلب ومستقبل القرار

فيما يعدّ تمديد قرار إيصال المساعدات الإنسانية عبر معبرين في شمال سوريا ولمدة ستة أشهر فقط "حلاً وسطاً"، بحسب تصريح للسفير البلجيكي في مجلس الأمن، في جلسة التصويت على القرار 2504، إلا أنه أيضاً بمثابة إنذار بكارثة تهدد مستقبل العمل الإنساني في سوريا، لا سيما في شمال غرب البلاد، حيث تشهد المنطقة تصعيداً عسكرياً من القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها، أدى بدوره إلى نزوح آلاف المدنيين، وازدياد الحاجة إلى المساعدات الإنسانية.

كذلك، يعتمد الشمال السوري "بشكل كبير على المساعدات الإنسانية، والتي تنعكس بدورها على الحياة التجارية والاقتصادية للسكان"، بحسب ما ذكر لـ"سوريا على طول" هشام ديراني، مدير منظمة بناء للتنمية، ومقرها مدينة غازي عنتاب التركية. عدا عن أن "المساعدات الإنسانية التي تقدمها المنظمات الإقليمية والمحلية قائمة أيضاً بشكل رئيسي على الإطار القانوني والسياسي لقرار إدخال المساعدات عبر الحدود".

وبالتالي، فإن "عدم تجديد القرار مستقبلاً، أو جعل عملية تجديده محلّ نقاش أو تهديد، كفيلان بنشر الذعر في الشمال السوري، لأن وقف المساعدات الأممية يجعل عمل المنظمات الدولية أمام عدة سيناريوهات؛ فقد تستمر ولكن من دون كفاءة، أو قد يصعب استمرارها لانخفاض إمكانية التنفيذ"، كما قال ديراني. محذراً من أن وقف العمل بقرار مجلس الأمن قد يشلّ الحركة في المنطقة "لأن المساعدات هي التي تشغل المستشفيات والمدارس، ومحطات المياه، والمخابز. [عدا عن أن] 80 % من المساعدات الغذائية التي تصل إلى بعض القطاعات في شمال غرب سوريا هي مساعدات أممية".

وذهب المسؤول السابق في منظمة إقليمية بعمّان، إلى أن عدم تمديد قرار مجلس الأمن بشأن معبري باب الهوى وباب السلامة مستقبلاً من شأنه إعادة سيناريو الغوطة الشرقية في إدلب. إذ "لا يمكن أن تتحرك المساعدات من دمشق إلى مناطق المعارضة من دون موافقة النظام أو التدخل في توقيت دخولها وكمياتها"، على نحو ما كان يحصل في الغوطة قبل سيطرة القوات الحكومية عليها في نيسان/أبريل 2017، إذ "كان النظام يعرقل دخول [المساعدات] ويتحكم بالكميات والأصناف".

وربط المسؤول السابق مصير المعبرين اللذين يتضمنهما القرار 2504 بمستقبل العملية السياسية في سوريا، بما في ذلك المباحثات الروسية-التركية. معتبراً أن "تمديد القرار لمدة ستة أشهر فقط قد يعني أن المفاوضات الروسية-التركية ستفضي إلى سيطرة النظام على كامل المعابر قبل انقضاء هذه المدة. وبالتالي لا داعي، من وجهة نظر روسيا، للتمديد أكثر من ذلك".

حلول بديلة

بعد أسبوع من تمرير قرار مجلس الأمن 2504، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك في مؤتمر صحفي بنيويورك، في 15 كانون الثاني/ يناير الحالي، إن المنظمة الأممية تعمل "على تكييف عملياتها لتتوافق مع الولاية التي مُنحت لها"، مقراً في الوقت ذاته بأن القرار "سيتسبب بتحديات تشغيلية، لكن الأمم المتحدة ستواجهها".

من جانبه، قال أورتيغا كامرا إن شركاء الأمم المتحدة والمنظمات الدولية "بدأت في إعداد خطة طوارئ، يتم نقاشها مع جميع أصحاب العلاقة". لافتاً إلى أن "فريق الأمم المتحدة في دمشق وجميع الجهات الفاعلة تقوم بصياغة خطة تضمن أن تكون المعابر الإنسانية فاعلة".

ورغم أن عدم تمديد القرار بعد ستة أشهر "سيجعل الوضع صعباً والمخاطر هائلة، فإننا نواجه هذا الاحتمال الذي سيكون حقيقة عاجلاً أو آجلاً"، كما قال المسؤول الإسباني.

لكن مهما سعت الجهات الإنسانية الفاعلة في سوريا إلى إيجاد حلول بديلة عن عبور المساعدات بموجب قرار مجلس الأمن الدولي، فإن هذه الحلول ستظل "قليلة وغير فعالة" برأي ديرانية. إذ توجد في شمال غرب سوريا "فجوة كبيرة في التغطية الإنسانية، إذ لا تلبي أكثر من 25% من الاحتياجات". متسائلاً: "ماذا لو دخلنا بعمليات بديلة وقيود أكبر وانخفاض في التمويل وزعزعة في عملية التنسيق؟ بالتأكيد ذلك سيخلق فجوة أكبر في حياة الناس".