عمان- بموازاة دعمها العسكري للنظام السوري، تخوض روسيا معارك سياسية-دبلوماسية في المحافل الدولية نيابة عن هذا النظام، وسلاحها الرئيس في ذلك تشويه الحقيقة وتقييد العمل الإنساني في سوريا. وقد تجلى المثال الأحدث على ذلك في استخدام روسيا، كما الصين، حق النقض "الفيتو"، في 7 حزيران/يوليو الحالي، ضد مشروع قرار مجلس الأمن الدولي الذي دعا إلى تمديد آلية "إيصال المساعدات عبر الحدود" إلى المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، والتي ينتهي العمل بها، بموجب قرار دولي سابق، يوم غد الجمعة.

في مقابل ذلك، طرحت موسكو، أمس الأربعاء، مسودة قرار يسمح بإيصال المساعدات إلى شمال غرب سوريا عبر معبر واحد، وهو باب الهوى، بدلاً من معبرين كما هو الواقع حالياً، وبما يعكس "محاولة روسية لاتباع سياسة تدريجية لامتصاص نقمة باقي أعضاء مجلس الأمن"، كما قال مدير قسم التواصل والمناصرة في الجمعية الطبية السورية الأميركية (سامز)، د. فادي حكيم، لـ"سوريا على طول". 

لكن الاقتراح الروسي قوبل برفض غالبية أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، كونه "لم يستوف المتطلبات الأساسية لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمات غير الحكومية على الأرض في سوريا"، بحسب بيان مشترك صادر عن بعثتي ألمانيا وبلجيكا، العضوين غير الدائمين في مجلس الأمن، واللتين تقدمتا بمشروع القرار الأسبق لتمديد إيصال المساعدات عبر الحدود وأجهضه الفيتو الروسي-الصيني.

إزاء ذلك، يتم العمل الآن "على صياغة اقتراح جديد يقضي بتمديد المساعدات عبر معبري [باب الهوى وباب السلامة] لمدة ستة أشهر بدلاً من اثني عشر شهراً. لكن لا نعلم إن كنا سنشهد "فيتو" ضد الاقتراح الجديد أم لا"، بحسب حكيم.

وتمثل مدة تمديد العمل بالآلية جانباً آخر للخلاف مع موسكو التي تصر على فترة ستة أشهر في مقابل مطالبة الأمم المتحدة بتمديد لاثني عشر شهراً، كما قال لـ"سوريا على طول" المحلل والزميل في مؤسسة القرن (Century Foundation)، آرون لند. موضحاً أن ستة أشهر هي "فترة قصيرة جداً، بحيث لا تكفي للتخطيط للعملية وتعيين القائمين عليها، وتنطوي على تأثير سلبي على إيصال المساعدات ككل".

الموقف الدولي

على نحو متوقع، أثار استخدام روسيا والصين "الفيتو" ضد قرار تمديد إيصال المساعدات عبر الحدود، استياء الدول الأخرى الأعضاء في مجلس الأمن، لا سيما وأنه إلى جانب تعميق ذلك المأساة الإنسانية لنحو أربعة ملايين إنسان شمال غرب سوريا، فإنه يأتي في وقت يعاني فيه العالم من وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، و"يفترض أن يكون للخدمات الصحية أولوية. لكن الواقع يقول إننا سنخفض كفاءة الخدمات لاعتبارات سياسية وليس لعدم توفر الموارد"، كما رأى حكيم.

ورداً على الفيتو الروسي-الصيني، أصدرت بعثة بريطانيا إلى الأمم المتحدة بياناً اعتبرت فيه أن "من غير المنطق أن تعرقل روسيا والصين الاستجابة في منطقة دمرها الصراع. إذا كانا يهتمان حقاً بالوضع الإنساني، فعليهما دعم الشعب السوري بدلاً من إغلاق طرق المساعدة للوصول إليه".

كما اتهمت الولايات المتحدة الأميركية، على لسان سفيرتها في الأمم المتحدة، كيلي كرافت، روسيا والصين بـ"استغلال مجلس الأمن الدولي كأداة لتنفيذ أجندتيهما المحلية الضيقة على حساب ملايين السوريين الأبرياء". مؤكدة أن "واشنطن لن تتراخى في جهودها للوصول إلى المحتاجين في سوريا".

وفي أعقاب رفض غالبية أعضاء مجلس الأمن مشروع القرار الروسي، قالت كرافت أيضاً إن "روسيا قدمت قرارها الخاص المليء بالدعاية، والذي شوه الحقائق على الأرض وسعى إلى مزيد من الحدّ من الإغاثة الإنسانية وتقييدها في سوريا"، لذا لم يكن هناك خيار "سوى رفض دعم القرار اليوم باعتباره ساخراً وغير ملائم"، معتبرة أن روسيا والصين قررتا أن "ملايين الأرواح السورية هي تكلفة لا تذكر لشراكتهم مع نظام الأسد القاتل".

ورغم أن التصويت على قرار مجلس الأمن "مرتبط بانتهاء فترة التفويض"، كما أشار لند، و"نظام إيصال المساعدات عبر الحدود يعمل وفقاً لجدوله الخاص، ولا علاقة له بقانون قيصر [للعقوبات الأميركية المفروضة على المتعاملين مع الحكومة السورية]"، فإن هذا "القانون أثار غضب روسيا والصين بشكل واضح، وقد يرغبان في استخدام إيصال المساعدات عبر الحدود للدفع ضد الولايات المتحدة".

المساعدات عبر خطوط التماس

يحاول النظام السوري بالاعتماد على "فيتو" حليفتيه روسيا والصين، وقف العمل بقرارات مجلس الأمن الخاصة بإيصال المساعدات مباشرة إلى المناطق الخارجة عن سيطرة القوات الحكومية، واستبدالها بآلية إيصال المساعدات من العاصمة دمشق، أو ما يطلق عليه "إيصال المساعدات عبر خطوط التماس" أو خطوط الجبهات العسكرية.

وفيما كان "إيصال المساعدات عبر الحدود" يتم من خلال أربع معابر حدودية ولمدة اثني عشر شهراً، فقد بدأ الخلاف بين أعضاء مجلس الأمن بالظهور منذ كانون الثاني/يناير الماضي، ما أدى إلى استبدال الآلية القائمة حتى آنذاك بأخرى نص عليها قرار مجلس الأمن 2504 الذي ينتهي غداً الجمعة، وسُمح بموجبها بإدخال المساعدات عبر معبرين حدوديين مع تركيا فقط، ولمدة ستة أشهر.

لكن تحويل آلية إيصال المساعدات من "عبر الحدود" إلى "عبر خطوط التماس" تعترضه عدة عقبات، بحسب الباحث لند. إذ "لا توجد، في الوقت الحالي، بنية تحتية فعالة لإيصال المساعدات من دمشق إلى إدلب. كما إن الحكومة السورية لم يسبق لها أن أعطت إذناً بعبور قوافل [المساعدات] عبر خطوط [التماس]". مشيراً إلى أن "الأمم المتحدة كانت تنوي إجراء جولة تجريبية من دمشق، لمعرفة ما إذا كان الواقع قد شهد تحسناً. لكن تم إلغاء الأمر نتيجة الوضع الذي استجد مع ظهور فيروس كورونا".

كذلك، ترفض الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، بشكل قاطع، إيصال المساعدات عن طريق النظام، بحسب وزير الصحة في الحكومة المؤقتة، مرام الشيخ. إذ إن "السماح بمرور المساعدات الأممية عبر خطوط [التماس]"، كما قال لـ"سوريا على طول"، "سيكون ضمن سياسات الإذلال وتركيع المنطقة التي يتّبعها النظام، إضافة إلى استخدامها لأغراض الفساد والتحايل على العقوبات المفروضة عليه".

وأضاف الشيخ: "يجب أن يُنظر لنا على أننا مسؤولون عن خدمة أكثر من 4.5 مليون إنسان من حقهم الحصول على مساعدات بطريقة كريمة".

أكثر من ذلك، فإن "مرور المساعدات عبر مناطق النظام ستزيد من تحكمه بمؤسسات الأمم المتحدة"، برأي محمد حسنو، رئيس وحدة تنسيق الدعم، وهي مؤسسة سورية غير حكومية تعنى بالمساعدات المقدمة للسوريين وتنسيق الجهود بين المانحين والوكالات التنفيذية، مقرها تركيا، و"قد وجدنا كثيراً من المساعدات الأممية تستخدم من قبل جيش الأسد وشبيحته". مضيفاً في حديث إلى "سوريا على طول" أن من شأن ذلك أيضاً تمكين النظام من "الاستفادة من المساعدات اقتصادياً لضخ العملة الأجنبية في مناطق سيطرته وتغذية شبكة تجار الحرب والفساد المرتبطين بالأجهزة الأمنية والروسية". 

أما الأخطر، بحسب حسنو، فهو أن "مرور المساعدات عبر النظام سيوفر له معلومات يفترض أن تكون سرية، بشأن أسماء المنظمات والموظفين ولوائح المستفيدين". وهو ما أشار إليه أيضاً الباحث لند، محذراً من أن "دمشق تريد معلومات حول من يستقبل قوافل المساعدات في الطرف الآخر، لأن عدداً من العاملين في قطاع المساعدات بإدلب قد فرّوا من مناطق الحكومة، وربما ما يزال لديهم أقارب سيكونون عرضة للاعتقال". لذا "قد يخافون، لسبب وجيه، من أن نفوذ الحكومة السورية على تدفقات المساعدات ربما يستخدم للتجسس عليهم وابتزازهم".

مستقبل العمل الإنساني

مع إصرار معارضي الأسد على ضرورة عدم تبني آلية إيصال المساعدات عبر خطوط التماس، في مواجهة حرص موسكو إلى هذه النقطة، فإن إيقاف العمل بقرار إيصال المساعدات عبر الحدود "لا يعني توقف العمل الإنساني، وإنما قد تتغير مداخله وآلياته"، بحسب د. محمد سالم، العضو في وحدة تنسيق الدعم.

تأكيداً على ذلك أيضاً، أوضح د. حكيم أن "القرار الأممي ملزم للمساعدات التي تدخل عبر وكالات الأمم المتحدة فقط، ولا يشمل المساعدات عبر المنظمات الدولية أو السورية". وبالتالي "يمكن أن تستمر المساعدات الإنسانية في التدفق عبر المعابر التجارية، طالما أنها مفتوحة والسلطات المسيطرة على طرفي الحدود تسمح بذلك".

لكن هذا لا يقلل، بحسب حكيم وسالم أيضاً، من تداعيات عدم تمديد قرار "إيصال المساعدات عبر الحدود". إذ إن مواجهة ذلك "تتطلب زيادة التنسيق مع الحكومة التركية والمنظمات السورية"، وفقاً لسالم. لافتاً هنا إلى أن "هناك عدد من المانحين لا يقبلون العمل مع الحكومة التركية، وبالتالي يقدمون الدعم طالما "أوتشا" [مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية] موجوداً باعتباره موجهاً للدعم". هكذا، فإن "الحديث عن تحويل المانحين الدعم إلى المنظمات الدولية والسورية مباشرة"، برأي حكيم، "قد يكون حلاً من الناحية النظرية، لكن يصعب تطبيقه عملياً لأن الأنظمة الداخلية للمانحين لا تسمح بتحويل الدعم مباشرة للمنظمات المحلية كونها غير قادرة على إدارة هذه المنح بشكل مباشر".

ويشير حكيم إلى غياب التقديرات الدقيقة لحجم مساعدات الأمم المتحدة التي تدخل ضمن قرار "عبر الحدود"، لعدم وجود هذه التفاصيل عند إعلان موازنات وكالات الأمم المتحدة وتوزعها بين آليتي المساعدة عبر الحدود أو عبر خطوط الصراع [التماس] وذلك عملاً بقاعدة دولة واحدة-مشروع واحد، والتي انتقدتها المنظمات السورية". لكن استناداً إلى أرقام مؤسسات غير حكومية، يقدر "عمل وكالات الأمم المتحدة بنحو 300 مليون دولار، إضافة إلى مساعدات تدخل عبر صندوق التمويل الإنساني عبر الحدود، بنحو 117 مليون دولار، في العام 2019"، بحسب حكيم، ما يعني أن وقف العمل بموجب قرار مجلس الأمن "قد يعني انقطاع نحو 400 مليون دولار سنوياً".

إضافة إلى ذلك، كانت منظمة الصحة العالمية خصصت نحو 39 مليون دولار لخطة الاستجابة عبر الحدود العام الماضي، "دعمت فيها بشكل كامل أو غير كامل المنشآت الصحية في الداخل السوري، التي يقدر عددها في شمال غرب سوريا بـ305 منشآت، سواء عن طريق الأدوية أوالمستهلكات أو اللقاحات أو التجهيزات" وفقاً لحكيم، وخسارة مثل هذا التمويل "قد يؤثر على الكفاءة التشغيلية في القطاع الطبي بحدود 50%".

هكذا، بالرضوخ للفيتو الروسي-الصيني سيكون "المستقبل عصيباً" على حد وصف حكيم، "لاسيما عندما يتم الحديث عن نقص الخدمات الطبية، خصوصاً وأن بعض المواد الطبية، من قبيل لقاحات الأطفال، يكون شراؤها حكر على منظمة الصحة العالمية، فلا يمكن شراؤها من مؤسسات دولية وسورية أخرى. ما يعني أنه لا يمكن الاستغناء عن دور الأمم المتحدة بشكل كامل".