بوتين وأردوغان يجتمعان في سوتشي، روسيا، ١٧ أيلول. تصوير: وزارة الخارجية الروسية.

يبدو أن الهجوم المتوقع من قبل الحكومة السورية وحلفائها لاستعادة السيطرة على محافظة إدلب في شمال غرب البلاد، والتي تسيطر عليها المعارضة، قد تم تفاديه بشكل مؤقت، بعد مفاوضات أجريت يوم الثلاثاء بين تركيا وروسيا لدرء الهجوم الوشيك.

وخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين من المفاوضات في مدينة سوتشى المطلة على البحر الأسود، مساء يوم الاثنين، وأعلنا عن اتفاق شامل ينص على إقامة منطقة عازلة تمتد على طول ١٥ إلى ٢٠ كم وتفصل بين مناطق الحكومة والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

ووفقا للاتفاق، سيتم فرض المنطقة العازلة اعتبارا من ١٥ تشرين الأول. وستقع مسؤولية تجريد المنطقة من السلاح وحل الجماعات المسلحة فيها قبل ذلك التاريخ على عاتق أنقرة.

وقال أحمد صباح، وهو عامل مجتمع مدني، نزح من ريف حماه إلى كفر نبل في جنوب إدلب، أن الاتفاق كان سببا للتفاؤل الحذر بين العديد من المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في شمال غرب سوريا.

وأضاف لسوريا على طول "سيستفيد جميع أهالي المناطق المحررة من هذا الاتفاق"، واصفا "شعورا جديدا بالأمان- أو على الأقل- الهدوء، في الوقت الحاضر".

وبينما يجنب اتفاق يوم الاثنين، على ما يبدو، المنطقة من الخطر المباشر الذي وصفته الأمم المتحدة مؤخرا بأنه "أسوأ كارثة إنسانية في القرن الواحد والعشرين"، فإن مشاعر بعض السكان لا تزال مختلطة.

وفي السياق، قال إبراهيم الشمالي، ناشط إعلامي في جنوب إدلب، إنه يرى الاتفاق كحل مؤقت بعد سنوات من الصراع والنزوح، حتى لو كان ذلك على المدى القصير.

 

مظاهرة لدعم المعارضة في شرق إدلب، مساء الاثنين. تصوير: مركز إدلب الإعلامي.

وقال لسوريا على طول، يوم الثلاثاء "لقد فقدنا مئات الآلاف من الشهداء. وتم تشريد الملايين خارج سوريا وهم لا يستطيعون العودة إلى بلداتهم وقراهم".

وأضاف "يعتقد الكثيرون أن الاتفاق وبقاء إدلب هو في صالح الثورة، لكنني أعتقد أننا فقدنا الكثير مما كان في أيدينا من قبل".

المعارضة: "لن نتوقف عن الدفاع عن أنفسنا"

أما قادة المعارضة الذين تحدثوا إلى سوريا على طول من إدلب، يوم الثلاثاء، فقد أبدوا تفاؤلا بأن المواجهة مع قوات الحكومة قد تم تجنبها على ما يبدو- فيما أقروا بأنهم غير متأكدين مما يمكن أن يعنيه الاتفاق فعليا.

وقال النقيب ناجي، الناطق باسم الجبهة الوطنية للتحرير المدعومة من تركيا، وهي مجموعة من ١١ فصيل مختلف تشكلت بتوجيهات وتمويل مكثف من قبل أنقرة في أيار هذا العام "نحن نرى نجاحا للدبلوماسية التركية والإخوة الأتراك ضمن الإطار العام لهذا الاتفاق".

وسعت الحكومة التركية للتفاوض من أجل تفادي المواجهة في إدلب، خوفا من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين ومقاتلي المعارضة المتشددة في حال شن هجوم شامل على شمال غرب سوريا الخاضع لسيطرة المعارضة.

وقال قائد آخر من فصيل مدعوم من تركيا في شمال سوريا، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مصرح له بالتحدث إلى الصحافة، أن اتفاق يوم الاثنين سيتجنب إراقة الدماء دون أن يهدد أساسا مناطق سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا.

وأضاف القائد لسوريا على طول يوم الثلاثاء "لن نتوقف عن الدفاع عن أنفسنا، ولن يتم أخذ الأسلحة من أي فصيل كان، على الرغم من أن الفصائل ستضطر إلى الالتزام بأحكام الاتفاق، أي إبقاء الأسلحة خارج [المنطقة العازلة]".

وفي الوقت نفسه، يبدو أن مسؤولي الحكومة السورية يرحبون بالاتفاق- وإن كان ذلك من خلال التحذيرات.

ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا)، يوم الثلاثاء، عن مصدر في وزارة الخارجية لم يكشف عن هويته وبدا كأنه يرحب بالاتفاق، أن الاتفاق جاء حصيلة "مشاورات مكثفة".

وأضاف المصدر أن الاتفاق كان "مؤطرا زمنياً بتواقيت محددة" ، مؤكداً أن على الحكومة السورية الالتزام "بسيادة ووحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية".

"هذا على عاتق تركيا"

على الرغم من أن الخطة قد تلغي هجوماً كبيراً من قبل القوات الموالية للحكومة على المدى القصير، إلا أن المحللين يرون أن عقبات يمكن أن تقف في طريق إنشاء المنطقة العازلة، أقلها وجود آلاف المقاتلين الإسلاميين المتشددين الذين يحافظون على وجود قيادي فيما يقارب 60 في المئة من الأراضي الواقعة تحت سيطرة المعارضة في شمال غرب سوريا.

وقال نيكولاس هيراس، وهو زميل دفاع في مركز الأمن الأمريكي الجديد في واشنطن العاصمة "في الوقت الذي يمثل فيه الاتفاق انتصاراً دبلوماسياً كبيراً لأنقرة، إلا أنه يضع العبء الكامل أيضاً على عاتق تركيا لنزع السلاح من الجماعات المتشددة وحلها".

وأضاف هيراس "هذا على تركيا، التي يجب أن تكون حذرة في دبلوماسيتها في إدلب، كما يتعين عليها أن تكون مستعدة لتطبيق القوة العسكرية عند الضرورة".

وتسيطر الجماعات الإسلامية المتشددة، ومنها هيئة تحرير الشام وحزب تركستان الإسلامي، على مناطق حول محافظة اللاذقية الشمالية الشرقية وجسر الشغور في محافظة إدلب وكلتا المنطقتين ضمن المنطقة العازلة المقترحة.

وقد رفض المسؤولون في هيئة تحرير الشام المشاركة في محادثات نزع السلاح مع أنقرة في الأشهر الأخيرة بشكل قاطع، كما وصفها أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، "بالاستسلام" في خطاب ألقاه قبل عدة أسابيع ، ووصف السلاح بأنه "منبع قوتنا وعزتنا".

وفي حين أن المجموعة لم تصدر بياناً رسمياً حتى الآن رداً على الاتفاق، حذر أبو يقظان المصري، مسؤول الشريعة في هيئة تحرير الشام، على تلغرام يوم الاثنين "من يطلب منك تسليم سلاحك فهو أولى بالقتال من غيره".

وأضاف المصري "استمرار الجهاد وحاكمية الشريعة دونه ضرب الرقاب".

ولم يستجب المتحدثين باسم هيئة تحرير الشام على طلب التعليق عندما تواصلت معهما سوريا على طول يوم الثلاثاء.

واستعادت الحكومة السورية سلسلة من المعاقل التابعة للمعارضة خلال العامين الماضيين، وأجلت مقاتلي المعارضة وعائلاتهم والذين رفضوا البقاء تحت سيطرة الحكومة إلى المنطقة الشمالية الغربية الواقعة تحت سيطرة المعارضة، ويقيم الآن عشرات الآلاف من النازحين من الغوطة الشرقية وجنوب دمشق ودرعا في محافظة إدلب.

وبعد أسابيع من نشر القوات الموالية للحكومة شمالاً وحملة القصف المدمرة على محافظتي إدلب وشمال حماة، الأسبوع الماضي، تنبأ العديد من المراقبين أنه سيكون هناك هجوماً وشيكاً على المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

هذا التقرير بمساهمة من مرام العبد

هذه المقالة هي جزء من تغطية سوريا على طول لأوضاع النازحين في سوريا بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.