عمان - بخلاف غالبية الأعوام السابقة، بدأ السوريون في مناطق النفوذ المختلفة التي تقسم البلاد صيام شهر رمضان المبارك لهذا العام في اليوم نفسه. لكنه توافق أقرب إلى المصادفة، إذ لا يحمل أي دلالة على اتفاق أبعد قد ينهي أكثر من تسع سنوات من الحرب. 

فوق ذلك، يتشارك السوريون مع دخول رمضان هذا العام قسوة تأمين متطلبات المعيشة، مع غلاء الأسعار نتيجة انهيار قيمة الليرة السورية، وكذلك الخوف من تفشي فيروس كورونا في بلاد أنهكتها الحرب ودمرت قطاعها الطبي، ضمن قطاعات أخرى عديدة، إلى حد أنه "على الرغم من حبنا لرمضان وعظم قدره لدينا"، كما قال أبو محمد، من ريف محافظة درعا جنوب سوريا، "لكن تمنيت لو تم تأجيله لعشر سنوات حتى تتحسن أحوالنا".

مضيفاً في حديثه لـ"سوريا على طول": "الأسعار في أعلى ارتفاع لها. كيلو البندورة 800 ليرة [0.64$، وفقاً لسعر الصرف في السوق السوداء والبالغ 1260 ليرة للدولار الواحد] وهو أعلى سعر وصلت إليه منذ بداية الحرب. كذلك، وصلب كيلو الليمون إلى 2100 ليرة [1.67$]، وقس على ذلك بقية السلع".

تزامن ذلك مع توقف غالبية السوريين، في مناطق سيطرة النظام خصوصاً، عن ممارسة أعمالهم نتيجة القرارات الحكومية لمواجهة وباء كورونا، وبما يعني فقدان كثير جداً من العائلات مصدر دخلها، لاسيما مع توقف وصول الحوالات الخارجية إلى داخل البلاد، بشكل شبه تام تقريباً.

تفاوت بين أطراف الصراع

تتشارك مناطق سيطرة كل من القوات الحكومية، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق الفرات، وفصائل المعارضة وهيئة تحرير الشام شمال غرب سوريا، الصعوبات الاقتصادية والخوف من جائحة كورونا. مع ذلك، يظل ثمة تفاوت في ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية، وحتى توفرها، بين منطقة وأخرى.

إذ بينما تشهد مناطق سيطرة النظام السوري في دمشق وريفها ومحافظة حلب والساحل وجنوب البلاد، طوابير وتجمعات للحصول على مادة الخبز المدعوم من الحكومة، تبدو الحال أفضل نسبياً في شمال غرب وشمال شرق سوريا الخارجتين عن سيطرة دمشق.

كذلك، رغم توفر "كل شيء في أسواق" العاصمة دمشق، بحسب الصحافية أمل الدمشقي (اسم مستعار)، إلا أن "الأسعار مخيفة جداً" كما قالت لـ"سوريا على طول". وهو ما تؤكده المقارنة بأسعار الخضار، على سبيل المثال، في مناطق شمال غرب البلاد. 

ففيما وصل سعر كيلو البندورة والليمون والتفاح في دمشق 900 و2000 و1200 ليرة على التوالي، وفقاً للدمشقي، تصل أسعار المنتجات ذاتها في إدلب 650 و1200 و550 ليرة على التوالي.

وفي مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الخاضعة لقوات "قسد" في ريف دير الزور، اعتبر وسيم خضر، أحد أبناء المنطقة، أن "أسعار المواد الغذائية معقولة في ريف دير الزور"، مستدركاً بأنها "بدأت ترتفع تدريجياً بشكل بسيط، نتيجة تهريب الخضار من مناطق "قسد" إلى مناطق النظام". لكن "غالبية الأهالي قاموا بشراء حوائجهم قبل عدة أيام خوفاً من إغلاق المحال التجارية بسبب كورونا وقطع الطرقات بين المحافظات"، كما ذكر لـ"سوريا على طول".

أما المفارقة، فتتبدى في محافظة درعا التي استعاد النظام السيطرة عليها صيف العام 2018، لكنها تعايش اليوم، بحسب أبو محمد، واحداً من أصعب أشهر رمضان التي مرت عليه منذ بدء الثورة  السورية العام 2011. والسبب، كما قال، هو "توقف العجلة الاقتصادية في المحافظة منذ توقيع اتفاق التسوية" مع النظام، إضافة إلى "غلاء الأسعار، واستمرار انهيار الليرة". 

رمضان في زمن الكورونا

يعيش السوريون عموماً اليوم أول أيام رمضان بأجواء لم يعتادوا عليها. إذ كانت الأيام الأولى من شهر الصيام تشكل مناسبة لتبادل دعوات الولائم والاجتماع على موائد الإفطار. أما حالياً، فإن "العزيمة [دعوة الأهل والأصدقاء] صارت مكلفة، ولم نعد نحصل قوت يومنا"، وفقاً للدمشقي. كما أنه في ظل الخوف من وباء "كورونا وحظر التجوال، أصبح من الصعب أن نجتمع مع أقاربنا على مائدة واحدة".

وتستذكر الدمشقي أنه في "رمضان الماضي، كنا قبل الإفطار نأخذ معنا وجبة الإفطار ونذهب إلى بيوت الأهل والأقارب، ونفطر معاً. بهذه الطريقة لا نكلف أحداً أي مبلغ مالي لأجل العزيمة. أما اليوم، فلا نستطيع حتى فعل ذلك، إذ يبدأ حظر التجول بعد أذان المغرب بربع ساعة".

في المقابل، في دير الزور، فإن رمضان الحالي، بحسب خضر، "لا يختلف عن السنوات السابقة كثيراً، بإستثناء بعض التخوف من الأهالي بسبب انتشار فيروس كورونا، وعدم تمكن المغتربين في دول الخليج من العودة إلى بلداتهم في المحافظة لحضور شهر رمضان المبارك بين عائلاتهم وأهلهم، بسبب إغلاق الحدود".

على الرغم من كل ذلك، يصر السوريون على التمسك بكل ما هو ممكن للحفاظ على شعائر رمضان وأسباب بهجته.

ففي دير الزور، نظمت مجموعة من الناشطين، كما قال خضر، حملة "إفطار صائم"، جمعوا من خلالها أموال وتبرعات من مغتربين، وجهزوا سلالاً غذائية لتوزيعها مع مبالغ مالية على أسر فقيرة في ريف دير الزور.

أما الدمشقي، وعلى الرغم من سوء حالتها الاقتصادية الآن نتيجة توقف عملها وعمل زوجها، فإنها تحافظ على الأجواء العائلية الجميلة في منزلها، حيث "يجتمع كل أفراد العائلة على مائدة واحدة، ويشاهدون التلفاز معاً، ويلعبون الشدة [أوراق اللعب]".

"لقد صرفنا كل ما نملك لكننا مبسوطون [سعيدون]"، كما قالت.