عمّان - في خضم المساعي الحثيثة لاحتواء تداعيات حادثة قتل تسعة عناصر من قوات الأمن الداخلي (الشرطة) في بلدة المزيريب بداية الشهر الحالي، تعرض وفد من أعضاء اللجنة المركزية في درعا -والتي تتولى التفاوض مع النظام وممثلي الجانب الروسي الضامن لاتفاق صيف 2018 لـ"المصالحة" جنوب سوريا- لهجوم مسلح من قبل مجهولين، مساء أمس الأربعاء، بالقرب من بلدة المزيريب غرب درعا، عقب اجتماع للجنة لبحث تطورات الأوضاع الأمنية في المحافظة.

وقد أفضى الهجوم إلى مقتل ثلاثة وإصابة أربعة آخرين من أعضاء اللجنة ومرافقيهم، من بين المصابين القيادي البارز محمود البردان (أبو مرشد) الذي يقود عمليات التفاوض مع الحكومة وروسيا ممثلاً عن مدينة طفس غرب درعا.

وبحسب عضو مطلع في "اللجنة المركزية" التي تشكلت عقب سيطرة القوات الحكومية على جنوب سوريا لاستكمال المفاوضات وإجراءات "التسوية" مع دمشق، فقد تم الهجوم عند "معمل الكونسروة" على أطراف بلدة المزيريب، أثناء عودة الوفد من اجتماع ضم عدداً من لجان التفاوض في المنطقة. مضيفاً في تصريح لـ"سوريا على طول" أن العملية نفذتها مجموعة من العناصر المسلحين، قاموا بإطلاق النار بشكل كثيف".

بصمات "داعش" وعقل النظام

اتهم ثلاثة من المصادر الذين تحدثت إليهم "سوريا على طول" لغرض إعداد هذا التقرير، "تنظيم الدولة" (داعش) بالوقوف وراء العملية. وبحسب عضو من لجنة التفاوض في مدينة طفس، فإن "المعلومات الأولية تشير إلى أن منفذي الهجوم خلايا تتبع داعش". مضيفاً في تصريح لـ"سوريا على طول" في وقت متأخر من ليلة الأربعاء/الخميس الماضية: "نحن نلاحقهم الآن. وهناك قوة عسكرية توجهت إلى أماكن تواجدهم في المنطقة".

وتتهم المصادر القيادي السابق في المعارضة أبو عمر الشاغوري تحديداً، بمبايعة "داعش" والوقوف وراء العملية. وهو ما دفع عناصر يتبعون للجنة المركزية و"فصائل التسوية" (التي كانت جزءاً من فصائل المعارضة قبل سيطرة دمشق على المنطقة) إلى مهاجمة مقرات تتبع للشاغوري، الذي لاذ بالفرار، من بلدة المزيريب بعد ساعات من الحادثة.
وقد نفى الشاغوري لاحقاً، في تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي اطلعت عليها "سوريا على طول"، أي صلة له باستهداف أعضاء اللجنة المركزية.

كذلك، وجه المفاوض من طفس الاتهام للقيادي السابق في المعارضة قاسم الصبيحي (أبو طارق)، منفذ عملية قتل عناصر الشرطة التسعة، بالتعاون مع الشاغوري في تنفيذ الهجوم ضد اللجنة المركزية.

وكان الشاغوري قائد أحد فصائل المعارضة العسكرية في درعا حتى توقيعه "تسوية" مع الأجهزة الأمنية، انخرط بموجبها في العمل لصالح "الأمن العسكري". وقد عرف منذئذ، بحسب ما قالت مصادر لـ"سوريا على طول"، بعلاقته "الجيدة" مع الشرطة العسكرية الروسية في المحافظة، حد إقامته "ولائم متكررة بحضور ضباط من الشرطة العسكرية الروسية وقوات النظام".

ومنذ صباح اليوم، الخميس، تفرض "فصائل التسوية" المسيطرة على المزيريب وطفس حظر تجول شاملاً في البلديتين لـ"أسباب أمنية"، على حد وصفها، وملاحقة عناصر يعتقد أنهم يتبعون "داعش".

في المقابل، اعتبر مسؤول عسكري رفيع ضمن فصائل المعارضة السابقة في ريف درعا الغربي أن "الهجوم قد يكون من تنفيذ "داعش"، لكن المحرك الرئيس له هو النظام". إذ "هناك صفقات مشبوهة حصلت بعد التسوية عندما أفرج النظام عن قادة داعش في حوض اليرموك، وهؤلاء الأشخاص معروفون بالنسبة لنا"، كما قال لـ"سوريا على طول".

مفتاح التوغل الإيراني

يوم الإثنين الماضي، اجتمع عدد من قادة وضباط الأجهزة الأمنية والقوات الحكومية بأعضاء من اللجنة المركزية في درعا وقادة فصائل التسوية، في بلدة العجمي غرب درعا، لبحث آلية تُجنب المنطقة عملية عسكرية مرتقبة منذ مقتل رجال الشرطة في المزيريب. 

حضر الاجتماع عن دمشق رئيس المجموعة الأمنية في جنوب سوريا، اللواء حسام لوقا، ورئيس فرع الأمن العسكري في محافظة السويداء، العميد لؤي العلي، والعقيد غياث دلة، قائد اللواء 42 (قوات الغيث) في الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، وتعد رأس الحربة في الحشود العسكرية التي وصلت إلى درعا مؤخراً. 

وبحسب ما كشف لـ"سوريا على طول" اثنان من أعضاء اللجنة المركزية حضرا الاجتماع، فقد تم الاتفاق على "نشر نقاط عسكرية مشتركة من الفرقة الرابعة وأبناء المنطقة الذين أجروا تسوية وانخرطوا في صفوفها" غرب درعا، بدعوى "العمل على تأمين طريق معسكر زيزون والثكنات العسكرية للنظام في المنطقة الغربية"، والذي يعتبر خط إمداد رئيس للقوات الحكومية للوصول إلى ثكناتها في حوض اليرموك. هذا بالإضافة إلى "تكثيف نشر الحواجز العسكرية في المناطق التي تحدث فيها اغتيالات"، شريطة أن يقتصر انتشار القوات العسكرية من خارج أبناء المنطقة على أطراف المدن والبلدات غرب درعا. 

واتهم مصدر عسكري مفاوض من ريف درعا الغربي ما وصفه بـ"التيار الإيراني في النظام" بالوقوف وراء عملية استهداف أعضاء المركزية. مرجعاً ذلك، في حديثه لـ"سوريا على طول"، إلى أن "نتائج الاتفاق الأخير [في العجمي يوم الإثنين الماضي] لم تكن مرضية للفرقة الرابعة، ولذلك سعت إلى ضرب الفريق المفاوض الذي يعد عقبة في وجه المشروع الإيراني".

وتعتبر الفرقة الرابعة والفرقة الخامسة والفرقة الخامسة عشرة-قوات خاصة، والمخابرات الجوية، أذرعاً إيرانية داخل المنظومة العسكرية والأمنية للنظام، وتمثل بالتالي الفريق الذي يحاول "الدفع" باتجاه عملية عسكرية واسعة جنوب سوريا، تمكن طهران من التوغل في ريف درعا الغربي الاستراتيجي القريب من الحدود الإسرائيلية، والحدود الشمالية الغربية للأردن.

اغتيالات متصاعدة

مع مرور قرابة عامين على ما سمي اتفاق "المصالحة" بين دمشق وفصائل المعارضة جنوب سوريا بضمانة روسيا، ما يزال الفلتان الأمني هو السمة الرئيسة للمنطقة، لاسيما في محافظة درعا التي لا تكاد تهدأ فيها عمليات الاغتيال والخطف، مستهدفة مدنيين وعسكريين موالين لدمشق ومعارضين لها على حد سواء.

ورصد مكتب توثيق الشهداء في درعا، وهي مؤسسة توثيقية محلية، وقوع 27 عملية اغتيال في شهر نيسان/أبريل الماضي، أدت إلى مقتل 22 شخصاً، و34 عملية اغتيال منذ بداية أيار/مايو الحالي، أدت لمقتل 45 شخصاً، كما كشف عضو المكتب عمر الحريري لـ"سوريا على طول". وتشمل هذه الأرقام قتلى الأجهزة الأمنية والقوات الحكومية وفصائل المعارضة (السابقة) ومدنيين.

**

تم تحديث التقرير لاضافة رد أبو عمر الشاغوري على الاتهامات الموجهة إليه.