من مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل، وفي أحد الشوارع المنحدرة التي تجوب مجدل شمس، يستتر متجر خياطة بين المباني السكنية المكسوة بحجر الكلس الأبيض.

لا علامات تدل على وجود سياح إسرائيليين في هذا الشارع المتفرع من المنطقة السكنية الهادئة في البلدة، والتي تبعد خطوات فقط عن منطقة حدودية مسيجة، وتفصل الأراضي المحتلة من قبل إسرائيل عن خط وقف إطلاق النار الذي يحد المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية.

ومع ذلك، فإن اللافتات الموجودة في متجر الخياطة الصغير مكتوبة باللغة العبرية، مثل العديد من واجهات المتاجر، ولافتات الطرق، وحتى قوائم المطاعم في المدينة. قال السكان إنه أمر يلاحظه الزوار الأجانب عند وصولهم إلى المنطقة.

وفي مجدل شمس، تحمل السيارات لوحات ترخيص إسرائيلية صفراء وزرقاء، بينما يرفرف العلم الإسرائيلي فوق عيادة طبية محلية، ويوجد هناك أقلية صغيرة من السكان الإسرائيليين، رغم أن غالبية أهالي المدينة رفضوا حمل الجنسية الإسرائيلية. وبدلا من ذلك، لديهم بطاقات هوية صادرة عن الحكومة الإسرائيلية تحمل عبارة "غير محدد"، باللغة العبرية.

قال أحد الناشطين، وهو يتحدث إلى سوريا على طول داخل مقهى يطل على ملعب كرة القدم في البلدة، الأسبوع الماضي "نحن سوريون، إنه ليس مجرد شعور، إنها الحقيقة".

ويتحدث السكان بلهجة عربية تبدو لبنانية تقريبا، وكان شائعا بالنسبة لهم الالتحاق بجامعة دمشق في العقود التي سبقت الحرب السورية الحالية.

وعندما سيطرت القوات الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية، خلال حرب الستة أيام بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، عام ١٩٦٧، فر عشرات الآلاف من السكان إلى سوريا- غالبا باتجاه دمشق أو درعا.

وبقي حوالي ٢٥ ألف مواطن في منازلهم، فيما لا يزال يعتبر على نطاق واسع، ومن وجهة نظر القانون الدولي، بأنه أراضي سورية محتلة.

إلا أن إسرائيل تطالب منذ فترة طويلة بالجولان، وهي منطقة تضم الكثير من الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية، وتطل على أجزاء من المناطق النائية جنوب سوريا، حيث تبني مستوطنة تلو الأخرى لتعزز سيطرتها على الهضبة الاستراتيجية.

وبينما ولدت أجيال من السوريين تحت ظل الاحتلال في ظل فراغ قانوني، قدرت إحدى جماعات حقوق الإنسان المحلية الآن، أن المستوطنين الإسرائيليين يشكلون ما يقارب نصف عدد سكان الجولان.

وبالرغم من الاحتجاجات الدولية على احتلالها للمنطقة، حاولت الحكومة الإسرائيلية ضم الجولان بشكل فعلي في عام ١٩٨١، من خلال قانون زعمت أنه يضع المنطقة تحت سلطتها القضائية، لكن لم يعترف به دوليا.

لكن الوضع الراهن والمستمر منذ عقود تغير فجأة في أواخر الشهر الماضي، عندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تغريدة عبر حسابه على تويتر تقول:

بعد ٥٢ سنة، حان الوقت لتعترف الولايات المتحدة بالسيادة الكاملة لإسرائيل على هضبة الجولان، والتي لها أهمية استراتيجية وأمنية بالغة لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي!

وفي الأسبوع الماضي، وقع الرئيس الأمريكي، إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تصريحاً، يعلن فيه اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على الأرض المحتلة. وشوهد كليهما على شاشة التلفزيون وهما يبتسمان ويحملان الوثيقة الموقعة بعد اجتماع مقرر في البيت الأبيض.

وحتى الآن، الولايات المتحدة هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.

وقوبل القرار بموجة من الإدانة. وردت الحكومة السورية من خلال وصف الجولان بأنه "جزء لا يتجزأ" من سوريا، في حين أدان ممثل سوريا في الأمم المتحدة حسام الدين علاء هذه الخطوة باعتبارها "محاولات خبيثة من جانب الكيان الإسرائيلي لاستغلال الوضع وآخر التطورات في سوريا ... لتعزيز سيطرته على الجولان ".

وفي قمة جامعة الدول العربية التي عقدت في تونس، في ٣١ آذار، أكد قادة المنطقة في بيان رسمي لهم "أن الجولان هي أرض سورية محتلة".

لكن إعلان ترمب لم يكن "مفاجئا" بالنسبة لأهالي مجدل شمس، بحسب ما قاله وائل طربيه، فنان سوري.

ويعمل طربية كناشط مع "المرصد"، وهي منظمة لحقوق الإنسان مقرها مجدل شمس، تعمل على توثيق الانتهاكات ضد السوريين الذين يعيشون تحت سلطة الاحتلال الإسرائيلي في الجولان.

وفي خريطة نشرها المرصد، أدرجت المجموعة مئات المزارع والقرى السورية في الجولان، التي دمرتها القوات الإسرائيلية منذ عام ١٩٦٧، حيث اختفت أسماء هذه المناطق منذ وقت طويل من معظم الخرائط، وكذلك اللافتات على طول الطرق الرئيسية في المنطقة. وما تزال هناك خمس قرى فقط، بما في ذلك مجدل شمس.

إعلان ترمب "لن يغير شيئا"

قال طربية "إن إعلان ترمب ليس أمرا جديدا، لقد كنا نعيش بالفعل آثار الاحتلال الإسرائيلي حتى قبل صدور هذا الإعلان".

ويأتي إعلان ترمب، الأسبوع الماضي، بعد أكثر من عام على اعتراف الزعيم اليميني بالقدس عاصمة لإسرائيل، حيث أعلن أن الولايات المتحدة ستنقل سفارتها الإسرائيلية إلى هناك من تل أبيب. وأثارت هذه الخطوة موجة من الاحتجاجات الدولية، وعارضها معظم زعماء العالم.

مزارع سوري في مجدل شمس في ٢٨ آذار. تصوير: مادلين إدواردز.

ومع ذلك، بعد خمسة أشهر، فتحت الولايات المتحدة سفارتها في القدس، قبل يوم واحد من يوم النكبة، وهو اليوم الذي يخلد فيه الفلسطينيون ذكرى نزوحهم الجماعي خلال تأسيس إسرائيل في عام ١٩٤٨.

الآن، وبينما تستعد إسرائيل لإجراء انتخابات تشريعية في أوائل نيسان، ينظر الكثيرون إلى اعتراف ترمب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان على أنه هدية لرئيس الوزراء الحالي نتنياهو وحزبه الليكود، الذي يميل إلى اليمين في السلطة.

لكن قال السكان في مجدل شمس، لسوريا على طول، إنهم لا يتوقعون أي تأثير كبير على حياتهم اليومية نتيجة لإعلان ترمب.

ومن بينهم وئام عماشة، المعتقل السابق لدى سجون الاحتلال الإسرائيلي، والذي أطلق سراحه في عام ٢٠١١، كجزء من صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس، ويعمل عماشة البالغ من العمر ٣٨ عاما، في منظمة غير حكومية في مجدل شمس، تقدم عروض مسرحية باللغة العربية من مكتبها الصغير في البلدة.

وكان عماشة معارضا منذ فترة طويلة للاحتلال الإسرائيلي في الجولان، واعتقل "لأسباب أمنية" من قبل الشرطة الإسرائيلية عندما كان مراهقا، كما قال، قبل أن يقضي ١٤ عاما في السجن، في حين حكم عليه بالسجن لأكثر من ٢٠ عاما.  

وقال عماشة، وهو أب حديث العهد، إن معارضته للاحتلال اليوم لا تأتي من كونه سجين سابق، لكن "لأنني أعتبر نفسي مواطن سوري يرفض وجود الاحتلال الإسرائيلي على أرضي".

وأشار إلى أن إعلان ترمب الأسبوع الماضي "لن يغير شيئا" بعد عقود من ضم الجولان فعليا من قبل الحكومة الإسرائيلية.

وتابع قائلا "منذ صغرنا، كنا نعرف أن أمريكا هي الداعم الرئيسي لإسرائيل".

وعلى بعد ١٥ دقيقة فقط من مكتب عماشة، يستمتع راكبو الدراجات الإسرائيليون بالطقس اللطيف. وبعضهم يمارس رياضة المشي في الجبال، وهم يمسكون العصيّ ويحملون حقائب الظهر. وفي وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، قبل شروق الشمس، نزل نحو ١٠٠ متسابق من تلة على أطراف مجدل شمس، يرتدون المعاطف الواقية من المطر، و يحملون مصابيح أمامية لتمكنهم من الرؤية في الظلام.

وتنتشر المستوطنات الإسرائيلية، وتجمعات الكيبوتس [تجمعات تعاونية سكنية]على طول الطريق الرئيسي القريب، ويراقب حراس الأمن البوابات الإلكترونية لهذه المستوطنات.

وأسفل التلال، في الأراضي الزراعية المنخفضة على طول السياج الحدودي على أطراف مجدل شمس، يشير السكان إلى تأثير يومي ملموس آخر للاحتلال في المنطقة.

'استغلال'

يقود إيميل مسعود مركبته إلى أعلى تلة شديدة الانحدار غرب السياج مباشرة، حيث تنتهي أرض الجولان المحتل ويبدأ خط وقف إطلاق النار. وفي المنطقة المنخفضة تحته، تظهر عشرات من بساتين التفاح والكرز إلى جانب بعضها البعض. ويظهر مجموعة من المزارعين يرتدون قبعات بيضاء وسراويل فضفاضة يرتديها بعض الرجال الدروز، وهم يقلّمون أغصان الأشجار.

وتمر اثنتان أو ثلاث مركبات تابعة للأمم المتحدة عبر المزارع حيث يصل مسعود إلى قمة التل، ويشير إلى منطقة قريبة يتم فيها إنشاء توربينات الرياح.

وقال "ستتم تغطية هذه التلة بالتوربينات كليا".

ويعد مسعود، وهو رجل في الأربعينيات من عمره، واحد من عشرات المزارعين من القرى السورية المحيطة، الذين يخشون أن تهدد خطة الشركة الإسرائيلية لبناء مزرعة الرياح سبل عيشهم.

وكان من المقرر في الأصل بناء بعض التوربينات بجوار مستوطنة إسرائيلية قريبة، وفقا لما قاله المرصد وناشطون محليون، إلا أن سكان المستوطنة اعترضوا على ذلك. وتم نقل الآلات باتجاه الأراضي الزراعية التابعة لسوريا أسفل مجدل شمس.

وتتضمن خطة البناء، التي اقترحتها شركة الطاقة المتجددة الإسرائيلية Energix، عشرات التوربينات التي يصل طولها إلى ٦٤ طابقا، وفقا لبحث نشر في وقت سابق من هذا العام من قبل المرصد.

وفي تلك الأثناء، أخبر المزارعون والناشطون سوريا على طول، أن الشركة شجعت أصحاب المزارع على توقيع عقود لبناء التوربينات على أراضيهم، دون إخبار السكان بالمخاطر الصحية السلبية.

وكان ذلك فعليا منذ عدة سنوات. ومن غير الواضح ما إذا كان الناشطون، بمن فيهم مسعود، قادرين على إلغاء مشروع مزرعة الرياح بالكامل الآن.

وقال مسعود "التقينا بالشركة ثلاث مرات وقالوا فقط الأشياء الجيدة عن المشروع ولم يتقبلوا مخاوفنا أو مصدر قلقنا".

ورفض ممثلان عن الشركة يعملان على تنفيذ المشروع في مجدل شمس التعليق.

وفي مكتب المرصد المتواضع في مجدل شمس، تحدث الفنان طربية عن مشروع مزرعة الرياح كأحد الآثار اليومية للاحتلال، حيث تضيق الحياة هنا بسبب "الاستغلال والسياسات الإسرائيلية المفروضة على المجتمعات المحلية، مع عدم أخذ سكان المنطقة بعين الاعتبار".

إنه حال يعيشه السكان منذ فترة طويلة قبل إعلان ترمب الذي سلط الضوء على المنطقة الأسبوع الماضي.

ومع احتلال إسرائيل للجولان منذ عقود لا سنوات، فإن سكان مجدل شمس- مثل طربية- غير متأكدين مما سيتغير فعلياً على أرض الواقع في أعقاب إعلان البيت الأبيض.

وقال طربية "نحن نعيش هذه السياسات فعليا. ما أضافه إعلان ترمب هو إعطاء الإسرائيليين نوعا من الدفع، ونوعا من الموافقة".

 

ترجمة: سما محمد