عندما بدأت نوال العمل لأول مرة في مركز الشرطة، كانت نظرات زملائها الذكور تلاحقها بشكل غريب. وكثيرا ما كانت نوال تجلس وزميلتها الأخرى بمعزل عن الذكور الذين لم يبادروا ويقتربوا منهن.

وكانت نوال، ذات الـ 29 عاما، واحدة من بين أوائل خريجات ​​أكاديمية الشرطة في محافظة اللاذقية، في الساحل السوري، الشهر الماضي. واليوم، تأخذ نوال بصمات الأصابع وتكتب التقارير، على أمل اكتساب الخبرة لأداء واجبات أكثر خطورة وأهمية خارج مركز الشرطة.

ولم تخطط نوال أبدا لأن تصبح ضابطة في الشرطة. وتقول الشابة التي كانت تعمل مدرسة للغة العربية بدوام جزئي، أن الظروف الاقتصادية في الحرب دفعتها للانضمام إلى مجال يهيمن عليه الرجال. حتى في اللاذقية، معقل النظام المعزول عن الحرب الدائرة في باقي مناطق البلاد. وكان ارتفاع الأسعار سببا في عجز والد نوال عن تأمين سبل عيش زوجته وبناته الثلاث.

 وتتابع نوال لمراسل سوريا على طول، محمد الحاج علي "في البداية كان الموضوع فقط مرتب شهري وعمل ثابت (...) حيث أقوم بمساعدة عائلتي في المصاريف المنزلية".

مدينة اللاذقية في أيار. تصوير: شبكة أخبار اللاذقية.

وكانت نسبة النساء اللواتي يعملن في سوريا متدنية قبل بدء الحرب. حيث تشير الإحصائيات التي انتشرت في عام 2016، إلى أن 12 % فقط من النساء السوريات كن يعملن، وذلك وفقا لآخر إحصائية صادرة عن البنك الدولي.

وتوضح نوال أن مواقف الناس تتغير مع الوقت بفضل هؤلاء العاملين.

حيث تقول "الناس من حولي إلى الآن يستغربون كيف تطوعت في هذا العمل، وأن هذا من اختصاص الرجال فقط، ولكن بدأ تلك النظرة بالتلاشي وبدأ المحيطين بي بالتعود على هذا الموضوع".

ما هو رد فعل عائلتك وأصدقاؤك بشكل عام على عملك في سلك الشرطة؟

هناك استهجان بعض الشي من قبل المجتمع لهذا العمل، استغرقت الكثير من الوقت كي أقنع عائلتي بهذا الشيء، كانوا يخبروني أنه شيء جديد ولا تستطيع البنات القيام به فضلا عن الخوف كونه عمل خطير.

لكن مع الوقت كنت دائما أخبرهم عن المجالات الجديدة التي تعمل بها المرأة الآن في سوريا وأيضا الوضع المادي الذي نمر به في الوقت الحالي هو ما جعلهم يقتنعون بهذا العمل، الآن، وبعد أن بدأت في العمل وعرفوا طبيعة عملي وحبي له اقتنعوا أكثر.

الناس من حولي إلى الآن يستغربون كيف تطوعت في هذا العمل، وأن هذا من اختصاص الرجال فقط، ولكن بدأ تلك النظرة بالتلاشي وبدأ المحيطين بي بالتعود على هذا الموضوع.

هل يُعد عمل النساء في سلك الشرطة ظاهرة جديدة في اللاذقية؟

إن هذا الشيء جديد، لكن في المجتمع السوري المرأة تعمل في جميع المجالات، نادلة في مطعم أو بائعة في المتاجر وغيرها الكثير، في كل شيء، ومع الوقت سوف يعتاد المجتمع على هذا العمل.

يوجد الكثير من المجالات كنت أعتقد أنه فقط من اختصاص الرجل، كعمل سائق سيارة الأجرة أو باصات النقل العام، أو حتى عامل التنظيف والعمل كبائعات متجولات. هناك الكثير من المهن كانت حكرا على الرجال فقط، الآن كل شيء تغير، المرأة تعمل في جميع المجالات.

هل تعتقدين أن سبع سنوات من الحرب كانت سببا في دفع النساء للخوض في مجالات يهيمن عليها الذكور؟

نعم بكل تأكيد، مع الصعوبات التي يمر بها الناس بهذه الـأوقات بدأت أرى المرأة في أغلب مجالات العمل، الآن المرأة تعمل في المجال العسكري مع الدفاع الوطني، أيضا في المطاعم والمقاهي، حيث كان من النادر رؤية المرأة في مثل هذه الأماكن، الآن لا يخلو أي مطعم من جود نساء يعملن به. أعتقد أننا في الأزمة الحالية بدأنا نرى المرأة تعمل في جميع مجالات الحياة، وأعتقد أن هذا سيخدم البلد في المستقبل، ويشكل استغلالا لكل الخبرات والطاقات الموجودة في البلد.

بعد شهر من عملك كشرطية، كيف يتم التعامل معك من قبل زملائك الشباب؟

في البداية كان هناك تمييز من زملائي الذكور الموجودين في المركز، كانوا ينظرون لي ولزميلتي التي تعمل معي في نفس المركز نظرات استغراب، أغلب الوقت كنا نجلس لوحدنا، لكن الآن الأمور جيدة نوعا ما هناك قليل منهم إلى الآن لا يريدون تقبل هذا الموضوع، لكن هذا لن يؤثر بشيء على معنوياتي في العمل.

ما هي المهام الموكلة إليك في عملك الجديد؟

الآن أعمل في أحد مراكز الشرطة في مدينة اللاذقية، وقد تم تعيين جميع المتطوعات في نفس المحافظة التي يُقمن فيها. عملي يقتصر الآن على كتابة التقارير والاعترافات التي نأخذها من المدنيين الذين يتم اعتقالهم، من لصوص أو مجرمين أو شيء آخر. بالإضافة إلى أخذ البصمات وغيرها من الأعمال الإدارية.

في المستقبل يمكن أن يكون لدي عمل آخر مثل الخروج مع الدوريات الخارجية، أو الإمساك بالمتهمين. لكن العمل هنا يكون بالتدريج حتى أعتاد عليه، لأنه يجب أن يكون لدي خبرة جيدة بسبب خطورة العمل.

ما الذي دفعك للتفكير بالعمل في سلك الشرطة في الوقت الحالي بالتحديد؟ هل كنت تتخيلين يوما ما قبل الحرب بأنك ستعملين في سلك الشرطة؟

في البداية كان الموضوع فقط مرتب شهري وعمل ثابت، لكن مع الدورة التدريبة التي كانت مدتها 6 أشهر، أحببت الأمر وأصبح العمل متعة بالنسبة لي. وسوف أحاول أن أتحدى نفسي في هذا العمل والوصول إلى أعلى المراتب به. وأعتقد أن بلدي الآن بأمس الحاجة للشباب من أجل الدفاع عنه ضد الإرهاب الذي يواجهه.

وأعتقد أن عملي مهم لي بالنسبة لشيئين: أولهما أن أقوم بمساعدة عائلتي في المصاريف المنزلية في الوقت الذي يمر بلدي فيه بغلاء كبير في الأسعار وعائلتي تمر في وقت صعب ووالدي لا يستطيع تحمل كل هذه المصاريف.

وثانيا: أقوم بمساعدة بلدي والمواطنين بملاحقة المجرمين والسارقين والفاسدين، الذين يزيدون من معاناة المدنيين، من خلال أعمالهم التخريبية والإجرامية بسبب الفلتان الأمني الذي يمر به بلدي في ظل هذه الأوضاع السيئة.

ترجمة: سما محمد.