عمان - مع دخول الاتفاق الروسي-التركي لوقف الأعمال القتالية شمال غرب سوريا حيز النفاذ، في 6 آذار/مارس الحالي، غادر الشاب محمد عبد الحي (28 عاماً) مكان نزوحه في مخيمات أطمة قريباً من الحدود التركية، متجهاً إلى بلدته قسطون في سهل الغاب بريف حماة الشمالي. 

لكن عبد الحي، لم يعد إلى مسقط رأسه لأجل الاستقرار مرة أخرى في مسكنه، بل العكس، أي استكمال نزوحه، عبر حمل ما تبقى في منزله من أثاث إلى مكان إقامته الحالي في أقصى الشمال السوري، حاله حال كثير من نازحي سهل الغاب، باستثناء "بعض عائلات معدودة على الأصابع"، كما قال لـ"سوريا على طول"، كونه "لم يبق شيء هناك، ولا توجد مقومات للعيش".

هذا الأمر أكد عليه أيضاً محمد حلاج، مدير فريق "منسقو استجابة سوريا"، وهي منظمة إنسانية وإغاثية محلية، في حديث لـ"سوريا على طول". إذ "لم نسجل عودة الأهالي إلى قراهم الواقعة على جنوب الطريق الدولي (M4)، رغم أنها خارج سيطرة النظام"، كما قال. مبيناً أن ما يحدث هو العكس؛ "فالناس تقوم بنقل أثاثها خارج المنطقة تجاه مناطق نزوحهم".

وكان الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، توصلا إلى اتفاق وقف إطلاق النار في شمال غرب سوريا، في 5 آذار/مارس الحالي، نص على إنشاء "ممر آمن" بعمق 6 كيلومترات شمال طريق حلب-اللاذقية الدولي (M4)، وتقع تحت سيطرة تركيا المعارضة السورية، ومثلها (6 كيلومترات) جنوب الطريق وتقع تحت سيطرة القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها، بحسب وزير الخارجية التركي تشاويش أوغلو، فيما بقي مصير القرى والبلدات الواقعة خارج المنطقة المتفق عليها في جنوب الطريق مجهولاً.

وتبدأ المنطقة المتفق عليها من قرية ترنبة على أطراف مدينة سراقب، مروراً بمدينتي أريحا وجسر الشغور، وانتهاءً بمنطقة عين الحور آخر نقاط المعارضة الواقعة على الطريق في ريف جسر الشغور غرب إدلب. يتبع ذلك، بحسب الاتفاق ذاته، تسيير دوريات روسية-تركية مشتركة على جانبي الطريق، مع حلول 15 آذار/ مارس الحالي. 

تالياً، عبّر وزيرا خارجية البلدين سيرغي لافروف، وجاويش أوغلو عن تطلع الجانبين إلى توفير حماية شاملة لكل السوريين، وإعادة النازحين إلى مناطقهم.

اتفاق مبهم وهش

سبق اتفاق أنقرة-موسكو استهداف مكثف من الجيش التركي لمواقع القوات الحكومية والمليشيات المساندة لها ضمن "عملية درع الربيع" التي أطلقتها تركيا مطلع آذار/مارس رداً على مقتل وإصابة العشرات من جنودها في محافظة إدلب بقصف جوي. كما أن اجتماعاً سابقاً للعسكريين الروس والأتراك، أواخر شباط/فبراير، كان قد انتهى من دون التوصل إلى اتفاق لوقف تصعيد القوات الحكومية في المنطقة.

يضاف إلى ذلك أن آلية تنفيذ الاتفاق غير واضحة، وبعض بنوده يدخل حيّز التنفيذ بعد منتصف آذار/ مارس. أما الأهم، كما شدد حلاج، فهو أن "جميع الهدن السابقة قد تم خرقها، بحيث لا ثقة للأهالي باتفاق وقف إطلاق النار". 

وبحسب حلاج، تم "خلال الأيام الثلاثة الأولى للاتفاق توثيق 17 خرقاً في المنطقة. كما لاحظنا حشوداً عسكرية جديدة للنظام في المنطقة"، ما يعزز برأيه مخاوف أهالي شمال غرب سوريا "من عودة العمليات العسكرية بوتيرة أعلى".

على الطرف الآخر أيضاً، "أدخلت تركيا أرتالاً عسكرية ضخمة بعد توقيع الاتفاق، بما ينبئ بعودة العمليات العسكرية"، بحسب الصحافي محمود الشمالي، المنحدر من بلدة كفرعويد في ريف إدلب الجنوبي، وأحد النازحين حالياً إلى منطقة مخيمات أطمة الحدودية. وهو ما يؤكد، كما قال لـ"سوريا على طول"، أن "الهدنة مؤقتة كغيرها من الهدن السابقة".

يعزز الشكوك بصمود اتفاق "وقف إطلاق النار" التصريحات الرسمية لحكومة دمشق وحليفتها روسيا. إذ بحسب بثينة شعبان، المستشارة السياسية والإعلامية لبشار الأسد، فإنه "لا يوجد في هذا الاتفاق ما يقيد أو ما يمنع الجيش السوري من متابعة معركته ضد الإرهاب، وقد يستكمل معركته في أي وقت". مضيفة أن "منطقتي جسر الشغور وأريحا في ريف إدلب ستعودان إلى سيطرة الحكومة السورية، بمجرد تطبيق الاتفاق".

سبق ذلك تصريح المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن "دمشق وشركاءها الشرعيين هم المسؤولون عن محاربة الإرهابيين في سوريا"، مشددة على ضرورة القضاء على من سمتهم "التنظيمات الإرهابية" في سوريا.

15 آذار: انتظار النتائج

في تقييمه لتأثير الاتفاق الروسي-التركي الأخير على المدنيين شمال غرب سوريا، اعتبر حلاج أن "مصير المنطقة مرتبط بـ15 آذار" الحالي؛ إذ "لا يمكن قياس تأثير الاتفاق على المدنيين، لا سيما عودة النازحين، إلا بعد هذا التاريخ، عندما يبدأ الضامنون بتسيير دوريات مشتركة على الطريق الدولي [M4]".

لكن أحمد الشيخو، مدير المكتب الإعلامي في مديرية الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) بإدلب، استبعد "عودة الأهالي إلا في حالة وقف دائم لإطلاق النار بضمانات دولية مثل مجلس الأمن والأمم المتحدة"، كما قال لـ"سوريا على طول".