الاغتيالات الغامضة و"انهيار الأمن" يزعزع الاستقرار في درعا

معارضون سوريون يستقلون باصات الإجلاء في مدينة درعا في تموز 2018. محمد أبازيد / وكالة الصحافة الفرنسية.

داخل إحدى السيارات المهجورة والمركونة على قارعة الطريق، عثر على جثتي عمر ومنصور مقتولين. وكان عمر الشريف ومنصور الحريري قائدين معارضين في الجيش السوري الحر عندما قررا "تسوية وضعهم" مع الحكومة السورية العام الماضي.

وجاء ذلك بعد سيطرة القوات الموالية للحكومة على الجنوب الغربي من سوريا خلال هجوم جوي وبري هائل، حيث شهدت المنطقة انهياراً للمعارضة في غضون أسابيع.

وكما انضم العديد من المعارضين السابقين نهاية المطاف إلى صفوف الجيش السوري، أو الفيلق الخامس المدعوم من روسيا، انضم الشريف والحريري إلى المئات من الذين سجلوا في أحد فروع الأمن السورية السيئة السمعة.

وفي إحدى الأمسيات الباردة في 4 كانون الثاني، عُثر على جثتيهما داخل صندوق سيارة من نوع كيا، قديمة مغبرة ومغمورة بالدم، مع وجود آثار طلق ناري في الرأس.

والمكان لم يكن بعيدا عن الطريق المتعرج عبر الأراضي الزراعية على طول الحدود السورية الأردنية، حيث تتمركز هناك ثكنة عسكرية، ويقال إن المنطقة - القريبة من بلدة اليادودة - مليئة بنقاط التفتيش التابعة للقوات الموالية للحكومة التي تقوم بدوريات بشكل منتظم.

ولكن الشائعات التي تدور بين السكان المحليين والمعارضين السابقين تتحدث عن مشاركة شريف والحريري في شبكة تجارة الأسلحة بين مقاتلي المعارضة السابقين، وحزب الله والفرقة الرابعة في الجيش السوري، و بأن الرجلين تورطا في المشاكل.

ومع ذلك، لا يزال غير واضح من هو المسؤول عن اغتيالهم.

والشريف والحريري مجرد اسمين في قائمة تطول من المقاتلين المعارضين والشخصيات المعارضة، التي تم اغتيالها وسط الفوضى والعنف المنتشر في درعا بعد الانتقال إلى سيطرة الحكومة.

وباستخدام المعلومات التي قدمها قادة المعارضة السابقين و المفاوضون المعارضون والناشطون المحليون ومكتب توثيق شهداء درعا، تمكنت سوريا على طول من تأكيد ما لا يقل عن 15 عملية اغتيال وقعت منذ تموز، عندما قامت الحكومة السورية بشن هجوم دام لمدة شهر على محافظة درعا والقنيطرة المجاورة، والذي أدى إلى سلسلة من اتفاقيات الاستسلام والمصالحات المحلية في الجنوب الغربي.

وبعد أكثر من ستة أشهر، طالت عمليات الاغتيال والاختفاء جميع أطراف المشهد السياسي المتخبط في درعا، ليس فقط قادة المعارضة السابقين وأنصار المعارضة، بل ضباط الجيش السوري وقوات الأمن  والمسؤولين المحليين الذين ينتمون إلى الحكومة السورية.

 

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قُتل رئيس بلدية اليادودة محمد أحمد المنجر أمام منزله برصاص مسلحين مجهولين، بعد أشهر من قيامه بدور بارز في اتفاق الاستسلام النهائي، الذي بموجبه تم تسليم المدينة إلى الحكومة السورية وحلفائها.

وفي هذه الأثناء فُتح الطريق أمام المشاعر المعادية للحكومة للقيام بتفجيرات متفرقة، وهجمات استهدفت مواقع تابعة للحكومة، زعم بأنها تعود لجماعات مكونة من معارضين سابقين تم تشكيلها مؤخرًا. وإن كثرة الجهات الفاعلة العاملة في المنطقة جعلت من الصعب للغاية تحديد من هي الجهة المسؤولة عن هذه الهجمات.

ولا تزال معظم عمليات الاغتيال محاطةً بالغموض.

وكانت آخر عملية اغتيال من هذا القبيل قبل ثلاثة أيام، في 25 شباط، حيث قُتل الشيخ علاء الزوباني في اليادودة أثناء عودته من المسجد المحلي إلى منزله بعد صلاة العشاء.

وكان الزوباني، شيخ وقاض سابق في المحكمة المحلية، التي كانت تديرها المعارضة في مدينة درعا الغربية، وعضواً معروفاً في المجتمع.

وقال أحد أقارب الزوباني لسوريا على طول "كان نقطة مرجعية لعائلتنا بأكملها، وبالنسبة إلى اليادودة"

لكنه كان معروفاً أيضاً بأنه ناقد صريح للحكومة السورية، ورغم انضمامه في البداية لمفاوضات المصالحة عندما بدأت المعارضة الجنوبية في الانهيار، إلا أنه تخلى عن العملية في أواخر العام الماضي.

واستمر الزوباني، حتى بعد فترة طويلة من سقوط اليادودة بيد الحكومة وحلفائها، بإلقاء خطب صريحة وقوية في المسجد المحلي تحذر الشباب من الانضمام إلى صفوف الحكومة السورية.

وكانت المحاولة الأولى لاغتياله في كانون الثاني، وفي المحاولة الثانية، التي حدثت في وقت سابق من هذا الأسبوع، ورد أن قتلة الزوباني أطلقوا عليه النار من مسدس كاتم للصوت ثم فروا من المكان.

" في الجنوب لدينا كل شيء"

في وقت سابق من هذا الشهر، أكد الرئيس السوري بشار الأسد عزم حكومته على استعادة "كل شبر من سوريا".

وكرر الأسد هذا البيان عدة مرات منذ عام 2016، عندما بدأ الجيش السوري وحلفاؤه في تحقيق مكاسب عسكرية كاسحة – والتي فرضت صفقات الاستسلام والإجلاء على الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة قبل استعادة مدينة حلب، أكبر مدن سورية، بالإضافة إلى سلسلة من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة و تنظيم الدولة في جميع أنحاء البلاد.

وكان الجنوب الغربي واحداً من آخر مناطق المعارضة التي تم الاستيلاء عليها في أعقاب هجوم جوي وأرضي هائل، شهد اتفاقات لا تعد ولا تحصى من المصالحة والاستسلام - والتي كانت تتم في كثير من الأحيان بمساعدة المفاوضين الروس - واستعادة الحكومة المنطقة وحولتها إلى خليط سياسي من مناطق النفوذ المختلفة.

ويعد الجنوب الغربي الآن رسمياً تحت سيطرة الحكومة، لكن في الواقع، يُحكم من قبل عدد كبير من الفروع الأمنية والهياكل العسكرية المختلفة – وغالباً ما يكون التنسيق معدوم فيما بينها. وتحتفظ الشرطة العسكرية الروسية بوجود محدود في ريف درعا، بينما ورد أن حزب الله وغيره من الميليشيات المدعومة من إيران منتشرة عبر الجنوب الغربي.

وكانت الطريقة التي سقط بها الجنوب، العام الماضي، تملي من هي القوى المتواجدة، وما هي قدرتها.

وفي جميع أنحاء المحافظة، تحتفظ وحدات الجيش السوري وفروع الأمن بوجودها، والذي غالباً ما يقتصر على نقاط تفتيش ثابتة ومتنقلة على طول الطرق التي تربط المدن ومداخل المدن نفسها.

وفي المناطق التي تم الاستيلاء عليها بالقوة، أو التي استسلمت فيها المعارضة بشكل تام، يُسمح للجيش السوري بالدخول والقيام بدوريات، وهو أمر تم منعه بموجب الاتفاقات الفردية التي تمكن بعض قادة المعارضة من الوصول إليها مع المفاوضين الروس، في البلدات التي تحتفظ فيها الفصائل المحلية الآن بدرجة معينة من الحكم الذاتي، والتي تعمل جنبا إلى جنب مع الشرطة العسكرية الروسية.

وقال سليم محمد، قائد الجيش السوري الحر سابقاً، ومن بلدة أم ولد في ريف درعا الشرقي، "في الجنوب لدينا كل شيء"، وهو مذهول من القائمة المتزايدة للجهات المؤيدة للحكومة التي تملك الآن حصة في الجنوب من المخابرات الجوية والفرقة الرابعة لجيش النخبة، إلى حزب الله والميليشيات المدعومة من إيران والروس.

وأكد أبو محمد، وهو قائد سابق لفصيل تابع لتحالف الجبهة الجنوبية المدعومة من الولايات المتحدة، أن العدد الهائل لمختلف الجهات الموالية للحكومة في الجنوب هو أحد الأسباب الكامنة وراء ما أطلق عليه "انهيار الأمن".

وقال لسوريا على طول من الأردن، حيث لجأ خلال القتال الصيف الماضي "لا توجد فقط منافسة بين النظام وحلفائه، هناك منافسة بين الفروع المختلفة للنظام أيضاً".

وبينما يتصارع الممثلون الحكوميون والحلفاء من أجل النفوذ، وأحياناً على حساب المعارضين والمدنيين السابقين، بدأت جيوب جديدة من المعارضة تظهر في المنطقة.

وفي تشرين الثاني، تشكلت جماعة تطلق على نفسها اسم "المقاومة الشعبية"، وأعلنت منذ ذلك الحين مسؤوليتها عن مجموعة من التفجيرات والهجمات الأخرى. وليس هناك الكثير من المعلومات عنها أو عن أعضائها.

وباستخدام أساليب الكر والفر، تضمنت الهجمات التي تبنتها المجموعة، الاغتيالات وتفجير أبنية المخابرات التابعة للحكومة.

وأشار محللون إلى أن المجموعة قد صعدت عملياتها مؤخرا. ففي ٦ شباط، أعلنت المجموعة مسؤوليتها عن تفجير حاجز تابع للحكومة في ريف درعا الغربي. وفي فيديو مصور نشر على الإنترنت- وهو الأول للمجموعة- ظهر اثنان من المقاتلين الموالين للحكومة يدوران حول ساتر من أكياس الرمل، كما ظهر العلم السوري ذو النجمتين في الخلفية.

وبعد ذلك بوقت قصير، عاد الجنود إلى مواقعهم قبل أن يختفوا في سحابة رمادية داكنة اللون  نتيجة انفجار قنبلة.

وظهرت جماعة معارضة أخرى مناهضة للحكومة بعد ذلك- كانت غير معروفة حينها واسمها سرايا الجنوب- عقب انفجار استهدف مكتب حزب البعث في أم ولد شرق درعا، في وقت سابق من الشهر الماضي، وأعلنت عن تشكلها و مسؤوليتها عن الهجوم "كإنذار نهائي" مهددة باستهداف مرافق حكومية أخرى في المستقبل. 

ووفقاً لأحد المتحدثين باسم المجموعة، الذي طلب عدم ذكر اسمه، فإن الهدف من الهجوم هو "إرسال رسالة" إلى الحكومة السورية من أجل "الابتعاد عن المدنيين".

وبينما لا يوجد حاليا أي تنسيق بين سرايا الجنوب والمقاومة الشعبية، بحسب قوله، فقد أعربت المجموعتان عن التزامهما بهدف "إسقاط النظام".

ومع ذلك، فإن الدوافع وراء هجمات المجموعات المعارضة للحكومة- ناهيك عن المسؤولين عنها- تظل موضع تكهنات وشائعات.

ووفقاً للمتحدث باسم سرايا الجنوب، فإن المجموعة لا تعلن مسؤوليتها بشكل علني ودائم عن الهجمات التي تنفذها، من أجل حماية هويات منفذي العمليات.

وأضاف المتحدث، أنه لا يمكن نسب جميع الاغتيالات والتفجيرات التي وقعت في درعا، في الآونة الأخيرة، إلى سرايا الجنوب والمقاومة الشعبية.

لا فائدة من الأسلحة

انتشرت الأنباء عن التجنيد الإجباري وحالات الاختفاء والمداهمات الأمنية والاعتقالات التعسفية، عقب انتقال درعا إلى سيطرة الحكومة، خاصة في البلدات التي لم تتمكن فيها المعارضة من التفاوض للتوصل إلى اتفاقيات تسوية فردية.

وفي هذه الأثناء، ظهرت علامات السخط المتزايد بين السكان أنفسهم، حيث عبروا عن ذلك من خلال رسومات مناهضة للحكومة على الجدران، ومظاهراتوشكاوى مدنية إلى الشرطة العسكرية الروسية.

وأشار بعض المحللين إلى أن الاغتيالات والتفجيرات، علامة أخرى على استياء متزايد من انتهاكات الحكومة السورية لاتفاقات التسوية والمصالحة التي أعادت درعا إلى سيطرتها.

وقال عبد الله الجباصيني، الباحث في معهد الجامعة الأوروبية والمتخصص في ديناميكيات الجنوب السوري في مرحلة ما بعد المصالحة، لسوريا على طول "يظهر المفسدون ... عندما يشعر أحد الأطراف المتفاوضة بالخداع، وبأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه لم يتحقق بالكامل". 

وأضاف "طالما أن غالبية الوعود الروسية المقدمة لسكان درعا خلال المفاوضات لم تتحقق بالكامل بعد، فإن السلام والاستقرار في جنوب سوريا مهددان".

ووفقاً للجباصيني، من المحتمل أن تكون جماعات مثل المقاومة الشعبية وسرايا الجنوب قد شكلها الخاسرون في مفاوضات الصيف الماضي.

وتابع قائلا "غالباً ما تنتج المفاوضات الخاسرين والقادة الذين يشعرون بأن قوتهم مهددة، حيث يقررون تقويض النظام الناتج عن المفاوضات عن طريق استخدام العنف".

وعلى الرغم من أن المحللين وقادة المعارضة يقّرون بأن العنف ما بعد المصالحة- وتكتيكات المعارضة - ليس كافيا لقلب الوضع الراهن في الجنوب الغربي، فإن ذلك يشكل ديناميكية مستدامة من الثأر.

ويبدو أن سكان درعا قد قبلوا الواقع الجديد كما هو. وتحدثت سوريا على طول إلى مصادر متعددة في درعا، سلموا أنفسهم للخدمة العسكرية قائلين إن "الأمور على ما يرام"، رغم أنهم بدوا مترددين في التحدث عن تفاصيل حياتهم بعد المصالحة.

وبالنسبة لمحمد، قائد فصيل سابق من أم ولد، فإن الوضع الأمني لا يشكل مصدر قلق كبير مقارنة بالوضع المعيشي، حيث قال إن "البرد قارس والحياة مريرة"، مضيفا أنه يعيش على الطعام المعلب لأكثر من ثلاثة أيام.

ويشعر محمد بالإحباط، حيث يحاول مواصلة حياته بعد سنوات من القتال في صفوف المعارضة التي استسلمت في نهاية المطاف.

وقال "قد لا يحب الناس سماع ذلك، لكن المعارضة كانت تملك دبابات وآلاف المقاتلين لكنهم لم يكونوا قادرين على إثبات وجودهم"... "لا فائدة من الأسلحة"

 

قامت سوريا على طول بتغيير أسماء جميع المصادر داخل سوريا حفاظا على سلامتهم.

 

وليد النوفل

من مدينة إنخل بريف درعا، عمل كناشط إعلامي وعضو في المكتب الإعلامي في مدينته، ثم عمل مع العديد من المؤسسات الإعلامية الثورية، يسعى إلى تسليط الضوء على القضايا التي تخدم السوريين عبر نشر تقارير عن الأحداث الجارية في سوريا.

أليس المالح، مراسلة ومترجمة

تحمل أليس شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كوبنهاجن. درست اللغة العربية بشكل مستقل منذ عام 2013، ومؤخرا مع معهد سيجال في 2017-2018.